الرئيسية / زوايا نظر / منبر حر / الثورة الاسلامية الإيرانية: من التبعية والاستضعاف الى الاستقلال والريادة ومقارعة الاستكبار

الثورة الاسلامية الإيرانية: من التبعية والاستضعاف الى الاستقلال والريادة ومقارعة الاستكبار

بقلم: محمد الرصافي المقداد |

في زمن كنا لا نرى من الإسلام سوى حالات متلازمة من الوعظ والإرشاد، تدعو بها جماعات ليس في أدبياتها شيء من حكم، وإقامة نظام وتأسيس دولة، همّها الوحيد منحصر في دعوة الناس إلى الإلتزام بدينهم، فيما تعلّق بإقامة شعائره العباديّة، والوقوف عند حدوده، استنقاذا  للمجتمع من اتّباع سبل الغرب الإغوائيّة، المتلّقة بمسالك الشيطنة، التي طغت على ثقافته المتنصلة من القيم الدينية، ظهر نجم الثورة الإسلامية في إيران، وسطع بريقها في سماء عالم، تخطّفته نظريات الإشتراكيّة والشيوعية، وفرّقت مجتمعاته الدعوات القومية، وما اجتمع إليها، كان لا يرى لغيرها سبيلا للقيام، واستحقاق بناء النظم والمجتمعات.

ووسط مجتمعات باعدت الشقّة بينها وبين حقيقة دينها الخاتم، قد بلغت درجة اليأس من تعافيه من إعاقة، أرادها اعداؤه أن تبقى فيه مستديمة، وحالته التي وصل إليها بلغت من العقم، بحيث لم تلد صلاحا يعود على أهله بخير، في غياب منظومة حكمه، ودورها في إقامة العدل، وإشاعة السلم والأمن، ظهرت في الشرق ثورة إسلامية، استحوذت على اهتمام العالم، حققت انتصارها  الباهر في عشرة أيام، تخلّص فيها الشعب الإيراني من نظام جائر، لم يكن وطنيا في حكمه للبلاد، ولا إسلاميا في اعتقاده الصحيح بدينه، كلّ همّه كان إرضاء أسياده الغربيين، وعلى رأسهم أمريكا وبريطانيا.

في ذلك الزمن بلغ استضعاف الإسلام مبلغا، لم يسلم من الإستخفاف به، واعتباره كلغته التي أنزل بها من الأشياء المندرسة، أو من المسائل التي لم يعد لها دور إيجابيّ، في حياة الناس ومجتمعاتهم، ظهر في الشرق رجل عظيم، آمن بعكس ذلك، رأى من واجبه أن يسعى من اجل تثبيت مفهوم الحكومة في الاسلام، وواجب إقامتها، فقام حاملا رسالة الإسلام من جديد، مقدّما تفاصيلها بأسلوب رجل العرفان الذي انفتح على مستمعيه ففهموه، ودعاهم إلى العمل بمقتضى ذلك فأجابوه، مستنهضا شعبه وأمّته، على القيام من أجل إحياء الإسلام من جديد، وتقديمه للعالم على أساس أنه الدين الخاتم، الذي يحمل في أحكامه وآدابه، آمال وحلول مسائل الناس كافة.

لم يجبر أحدا على إتّباعه، ولا فرض على شعبه إقامة حكومة الاسلام رغما عنه، بل دعاه إلى استفتاء على مشروعه الذي قدّمه، فوافق عليه الإيرانيون بأغلبية ساحقة (98.2%)، وكان يوما عظيما مشهودا، أدخل إيران في مواجهة مع أعداء الاسلام.

رجل أخذ بمجامع العلم والمعرفة، فازداد بذلك قربا من الله وتقوى، وإيمانا بقضيته العادلة في إحياء ما أماته الطغاة والظلمة، بإزاحتهم لولاية الأمر، وتغييبها عن المنظومة الإسلامية كأداة حكم، بل وإسقاط فكرة أنّ الإسلام جاء ليحكم الناس بآليته، ويسوس المجتمعات بفكرته، دون إضافة من أحد، واستطاع أن يقدم طرحه عن معالمها، ويقود ثورة شعبية إسلامية على ذلك الأساس، وينتصر على عدوين أساسيين، ويزيحهما عن إيران نهائيا، هما نظام الشاه العميل وقوى الإستكبار العالمي، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وإسرائيل.

نظرية نظام الحكم في الإسلام، ومعالم حكومته، ظهرت على يدي هذا المصلح الكبير، مصداق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة الى هذه الأمة من يصلح لها دينها)، وفي وقت أراده الله ليكون مفتتح عهد جديد، يتأسس بمقتضاه صرح الإسلام المحمدي الأصيل، الذي لم يغيّب حكما إلهيّا واحدا، إرضاء لهوى الناس.

وبقدر ما عمل أعداء الإسلام على فصل الدين عن الحياة من ثقافة الشعوب الإسلامية، وحتى بين علمائها، وإفراغه من أهمّ عنصر فاعل فيه، ونجحوا في إخلاء مجتمعاتنا من عامل مهمّ  فيه، بل يعتبر أساسيّا في بقاء الدين الإسلامي حيا فاعلا، محافظا على وجوده بينهم، بنفس القوة والدّور المناط به، كمنظومة إلهية متكاملة، غير مقتصرة على مجرد طقوس فردية بين الإنسان وخالقه.

عامل فصل الدين عن الحياة، كانت له تداعياته السلبية، فهو العامل الرئيس الذي أدّى إلى تخلف الشعوب الإسلامية، بتفريطها في عنصر أساسيّ من عناصرها، يعتبر ركيزة تدور عليها، وتفاعل معها بقية عناصر الدين الخاتم، رأى فيه الامام الخميني داء يجب معالجته والتخلّص منه، ونجح بثورة شعبه الإيراني التي قادها بحكمة بالغة، في إرساء نظام اسلامي، أثبت جدارته في قيادة ايران، والتعاطي مع قضايا الأمة الإسلامية.

ومنذ ذلك الإنتصار الإلهي الباهر، والنظام الإسلامي في إيران يقيم الدليل تلو الآخر، على قيمته العالية – التزاما بقيمه الاسلامية – في حسن أدارة شعبه، وتمام الإخلاص له ولاستحقاقات أمّته.

ليس من السّهل أن يصل شعب إسلاميّ آخر، على ما وصل إليه الشعب الإيراني من إنجاز، لو لم يكن محاطا بعناية إلهية، ومكتسب بعزيمة وارادة جسّدها أبناؤه، بكل الحرص والتضحية اللتان احتملتهما جوانحهم من أجل اعلاء كلمته، وجدير بنخب الشعوب الإسلامية، أن تعيد النظر في الثورة الإسلامية الإيرانية ونظام حكمها، تاريخا وانجازات، لتعديل مواقفهم منها بعد عقود التّيه التي أوصلهم إلى حضيض سوء فهمها إعلام الغرب المعادي، وذلك أضعف الإيمان.

نجاح الانظمة في قيادة شعوبها، تقاس بالإنجازات التي حققتها، والنظام الإسلامي في إيران حقق نجاحات عديدة في مختلف الميادين، بعد نجاح ثورته وحيازة حرّيته في تقرير مصيره، وتعدّ إيران اليوم من بين الدول المتقدمة اليوم في شتى المجالات، وأهمّ ما ميّزها أنها تجاوزت احتكارات الغرب، في مجال التسلح والدفاع، وميادين كانت خاصة به، كالمجال النووي والفضاء وعلوم أخرى، توصّلت الى امتلاكها عقول اسلامية ايرانية طموحة، توكّلت على خالقها فكان معها.

  

 

شاهد أيضاً

أوهامُ مشروعِ الانتصارِ الإسرائيلي… بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

إنه ليس شعاراً يُرفعُ، أو هدفاً يُوضعُ وغايةً ترسمُ، وإن كان هو حلمهم بالانتصار الناجز، …

اترك تعليقاً