#أزمة تونس … أليس في البلاد رجل رشيد!!؟ ..

بقلم #الناشط_السياسي محمد البراهمي |

- Advertisement -

تمر تونس في الوقت الرّاهن بجملة من الأزمات المركّبة؛ سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، هذه الأزمات المُتعددة بعناوينها المُفزعة قد تعصف بكل ما حققته البلاد خلال عقد من الزّمن في مجال الديمقراطية، و هذه الأوضاع لم تعد تتقبّل أنصاف الحلول ولقاءات منتصف الطريق وإمساك العصا من المنتصف ، وأصبح هناك إلزام وطني وأكثر من أي وقت مضى، لإنقاذ البلاد و أن تتخلى جميع الأحزاب والتيارات السياسية عن السعي لتحقيق مصالحها الذاتية، وعن المعارك الجانبية و معارك الإلهاء و خطورة انعكاساتها السلبية على مستقبل البلاد، الوضع لم يعد يحتمل أن تستمر الأمور على هذا النحو..أليس فيكم رجل رشيد يصلح حال البلاد ويخفّف عن العباد..!!

تونس تعيش منذ 10 سنوات أزمة حكم حقيقية، وأزمة قيم، و توافقات مغشوشة بمنطق المحاصصة الحزبية الضيّقة وعقلية الغنيمة، وتقاسم النفوذ وخيارات عشوائية وغير محسوبة العواقب انتهجتها أحزاب الحكم بقيادة حركة النهضة ومن تحالف معها، المنظومة السياسية بمجملها مريضة واصبحت عبء على تونس.. المنظومة الحالية تحتاج إلى رأي الشعب التونسي ومختلف الأطياف السياسية لتقول كلمتها فيما يتعلق بالنظام السياسي، بالدعوة إلى إستفتاء شعبي لتقييم النظام السياسي إن كان ناجحا أو فاشلا ، خاصة وأنّ النظام الحالي بلغ أقصاه ولا يمكنه أن يقدم أكثر مما قدمه، و ما الجدوى من التمسك بمنظومة سياسية عاجزة تديرها طبقة سياسية فاشلة و متناحرة و لماذا تبقى الدولة اسيرة لدى هذه المنظومة.. فلا بدّ من إلزام العقلاء بإدارة المشهد وفرض أنفسهم، وإلاّ فإن الحال سيبقى على ما هو عليه وسيزداد تعقيداً.. و يبدو أنّه لا خيار للخروج من الأزمة السياسية سوى الدعوة إلى حوار وطني شامل يتفق فيه الجميع على تغليب لغة العقل والمنطق لإنقاذ ما تبقّى من الدولة.. دون ذلك ، ستبقى أزمة تونس مرشّحة إلى المزيد من المشاحنات والانقسامات، ومفتوحة على كلّ السيناريوهات، في ظلّ غياب حلول جذرية للأزمة الحالية وغياب إرادة سياسية لإنقاذ البلاد.، تونس من التداين إلى التسوّل.. و الشعب يجوع و يحاصره الوباء و البلاد تُباع و تغرق و تنتهك ثرواتها، يضاف الى كل ذلك تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي نمر بها منذ أكثر من عشر سنوات عجاف بسبب منظومة حكم فاشلة وعاجزة.. لن يرى الشعب النور و لن تتحسن أوضاعه و لن تتحقق مطالبه الاقتصادية والاجتماعية أساساً إلا متى تمت إزاحة هؤلاء من الحكم لأن وجودهم لا يعني سوى إضافة سنوات إلى عمر الظلم و الإستبداد و التجويع و انتهاك السيادة و بيع البلاد.. تونس اليوم مريضة و الطبقة السياسية التي تحكم و تدير البلاد والمشهد السياسي الحالي هي أسوء طبقة في تاريخ تونس، طبقة فاشلة لا برامج لها لبناء تونس و إنقاذها من المجهول ولا رؤية لها لمستقبل البلاد ولا حلول عملية لها للخروج من الازمات، فهي فقط تجر البلاد لمعارك سياسوية بلا برامج وبدون أفق ..، و يوما بعد يوم يغرق السياسيون في الخصومات والاختلافات والتصدعات وهذا الوضع قد يدفع بالبلاد إلى الهاوية، و يبدو أن الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد لا يمكن الخروج منها إلاّ بالحوار و الحل الأنسب للأزمة السياسية الراهنة هو إجراء حوار وطني ينتهي بإستفتاء شعبي حول تغيير النظام السياسي إلى نظام برلماني أو رئاسي..، و الحوار الوطني لا يمكن أن ينجح إلاّ بشرط تغيير نظام الحكم.. دون ذلك ، ستبقى “دار لقمان على حالها”..

النخبة السياسية بصورتها الحالية تعاني عقما فكريا وعجزا سياسيا وقصورا واضحا تجلى في عدم قدرتها على الإصلاح أو على تقديم البدائل القادرة على تحقيق الإستقرار السياسي الذي بات ضرورة وطنية في المرحلة الحالية، هذه النخبة التي تولّت تدبير السياسة في البلاد، والتي احتلّت هذه المواقع أحيانا بمحض الصدفة لا الكفاءة، فشلت فشلا ذريعا في تطوير مؤشّرات التنمية و فشلت في تحقيق الإستقرار السياسي وعجزت تماما عن إخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي أصبحت عليها، والسبب في ذلك أنّها تفتقر إلى التصوّرات الصحيحة وإلى البرامج الفعليّة، فهمّها الأساسي هو الصّراع العقيم حول الكراسي والمنافع ، غياب الوطنيّة، وانعدام الكفاءة، أدّيا طبعا إلى الفشل الذّريع، و جميع المؤشرات الراهنة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن كل مشاكل البلاد بمختلف مظاهرها ناتجة عن انحرافات السّياسة والسّياسيين،

كما أنّ هناك جانب آخر لا يقل أهمية؛ غياب الشفافية عن مجلس نواب الشعب في أكثر المسائل حساسية وهي الحصانة البرلمانية و حول النواب الذين تتعلق بهم شبهات فساد و المطلوبين للعدالة ، و أنها ربما تكون أحد أهم مسببات الأزمة السياسية الحادّة التي تعيشها تونس منذ فترة خاصة بعد تصريح رئيس الجمهورية قيس سعيّد في لقائه الأخير مع وزير الدفاع و وزير الداخلية بالنيابة : ” فمة نائب فار من العدالة و على النيابة العسكرية أن تتحرك و حليفي الشعب التونسي فقط و لا أخاف إلا الله”.. وبالتالي توفير الحماية واستمرار إبقاء الحصانة على من تتعلق بهم شبهات فساد او الفارّين من العدالة،. من شأنه أن يساهم في تكريس سياسة الإفلات من العقاب… تساؤلات و إنتقادات حول تمسّك البرلمان بعدم الاستجابة إلى مطالب رفع الحصانة عن عدد من النوّاب، رغم مطالبة رئيس الدولة قيس سعيّد بالحسم فيها، وقد تزايد إستياء الرأي العام بسبب توفير الحماية والحصانة لبعض النواب، علما و أنّ عددا كبيرا من هؤلاء المواطنين لا يزال يشكك حتى الآن في مسعى محاربة الفساد.. ويطالب بمزيد من الإجراءات والقرارات و الإستجابة إلى مطالب رفع الحصانة ، و لاشك وأنّ حماية بعض “المشبوهين”، هو ضرب ثقة المواطنين في الصميم، وجعلهم يفقدونها كليّا، و المخاوف من تحوّل الحصانة القانونية إلى “حضانة” حقيقية للفساد والمفسدين.. و إن دلت على شيء فهي تدلّ على أنّ الحصانة البرلمانية في تونس ما بعد الثورة باتت طريقا مفتوحة لإرساء نموذج شبيه بما يحصل في جمهوريات الموز التي يكون فيها الفساد والتلاعب بالقانون قوام العملية السياسية.، وتعود أسباب تشكّل هذا المشهد البرلماني الغريب الذي يشبه ما يحصل في جمهوريات الموز أساسا إلى القانون الانتخابي الذي لا يوجد من بين فصوله أي إجراءات لمنع أشخاص من ذوي السوابق العدلية للترشح لخوض غمار الإنتخابات التشريعية أو الرئاسية.. و بالتالي فإن الحصانة في الدول الديمقراطية تكون محصورة ومحددة في إطار المهام التشريعية حتى لا يكون النائب عرضة للإبتزاز أثناء دفاعه على المواطنين وكشفه لقضايا الفساد ، و ليست مظلّة للإفلات من المحاسبة…

لم يفت الوقت بعد، والمطلوب من الجميع أن يدركوا جيدا أن مصلحة الوطن هي الأهم والتي ينبغي أن يحرص الكل على تغليبها دون سواها ، والبحث في ما هو ممكن من وسائل سياسية لوضع هدنة سياسية عاجلة و الدعوة إلى الحوار للخروج الآمن من عنق الزجاجة المتعفنة..لقد حان الوقت لتجاوز حالة الانسداد السياسي والتأسيس لهدنة سياسية ولو مؤقتة والعمل على توجيه البوصلة في اتجاه واضح لخدمة هدفين فقط لا ثالث لهما : “مصلحة تونس العليا وما ينفع الناس”.. و لا تراهنوا على سكوت الشعب ، لأنه جمر تحت الرماد و أنصح الجميع إلى الإحتكام إلى العقل و إعلاء المصلحة الوطنية والترفع عن الحسابات السياسية الضيقة قبل فوات الأوان..!!

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه