أعلام التغيير والثورة: أنيس النَّقاش مفكّرًا استراتيجيّا ثوريّا (1951- 2021)

بقلم: عادل بن خليفة بلكحلة |

  1. مراكمات سِيريّة بَنَتْ المفكّر الاستراتيجي:

إذا لم نشخّص أنيس النّقاش مفكّرا استراتيجيا، واعتبرناه مجرّد «معلق» أو«مناضل» أو «ثائر» أو «ثوري»، فنحن لم نفهمْهُ مطلقا.

لم يصبح أنيس النّقاش مفكّرا استراتيجّا بدراسة «أكاديمية» (وجلّ من يدّعون ذلك في الوطن العربي ليسوا كذلك)، ولا بدكتوراه في العلوم السياسية، ولا بمقعد دائم في قناة مشبوهة… بل أصبح كذلك دون أن يُسمّي نفسه كذلك. أصبح كذلك بالتجريب الثوري، والنقاء الثوري، ووضوح رؤية بكل مراكمة لكل عملية ثورية.

كانت البداية، مع الأب  إذ يقول: «والدي الذي تعلمت القراءة معه، من خلال قراءة الصُحف وكانت السياسة علما في الصغر»[1].

وكانت البداية مع الأم: «والدتي التي علمتني المثابرة والتخطيط والعصامية للوصول إلى الأهداف فكانت الاستراتيجيا»[2].

عرف، مبكّرًا في التربية البيتية، أن فلسطين هي المَظْلمة الكبرى في العالَم، وأنّ بقاء احتلالها مِن الحركة الصهيونية أكبر عار- دون مبالغة-  على الإنسانية، وخاصة على أمة العرب؛ وأن ضياعها لم يكن لقوّة من الإمبريالية فحسب، ولا لقوة من الحركة الصهيونية فحسب، بل خاصة لتخاذل وتواطئ عربيّيْن.

بدأ تبلور رؤيته السياسية الإقليمية (الوطن العربي- الإسلامي، والفضاء العالمي- الثالثي) بتحديد أهم قضية سياسية في العالم، بماهي أهم قضية أخلاقية في العالَم الراهن والمستقبلي، «قضية المظلمة الفلسطينية»/ «قضية العار العربي» في فلسطين. ليرتّب بقية المَظالم القُطرية والعالمية- الثالثية والعربية- الإسلامية تبعًا للقضية الأمّ.

هكذا، تعلم أنيس النّقاش الطفل، وأنيس النّقاش اليافع أن التفكير الاستراتيجي يقتضي أوّلا تلمُّس المَظالِم في العالَم (الاحتلال الأجنبي، الفقر والإفقار، الفساد والإفساد، التبعية، المركزية والتخومية، التجزئة والتنازع بين الأقطار…). ويقتضي ثانيا، ترتيب تلك المَظالم، من الأهم إلى المهم، من المتغير إلى التابع، من السبب إلى النتيجة، في تراتُبَات عمودية، منطقية، ثم منهجية وتحليلية؛ أي مِن العفْوي، إلى العلمي- المَدْروس.

تعلم عفويًّا، أن مجرد القراءة الواقعية- الاستراتيجية لا تكفي، بل تبقى تشخيصا لا معنى له، بل لا بدّ مِن الممارسة الثورية، التي تستثمرها وتتجاوز نقائصها وعموميّاتها و«تهويماتها» وادعاءاتها عن الواقعية وهي متعالية عليها. فالمُمارسة الثورية، تعني الذهاب العملي نحو فكّ المَظلمة، وتلمس صعوبات الفكّ؛ ومُقاربة العدوّ ومقاربة الصديق أكثر، وَجْهًا لوجه. فالاكتواء بنار العدوّ، يُنْضِجُ مناورات الاستراتيجيا الثوريّة مَرْحَلةً مرحلةً، أكثر فأكثَر. والتشبيك مع الصديق، تجعل الاستراتيجيا الثورية تقف على نقاط قوّة الصديق ونقاط ضعفه، وإمكانيات الارتقاء بذكاءات التشبيك وثقته في ذاته وإمكانيات التوسيع في الحِموية التشبيكية.

هكذا زار اليافع أنيس النّقاش المخيّمات الفلسطينية في لبنان مبكرا، وشخّص المأساة الفلسطينية واقعيا، ليتمثلها، فيصبح مبكّرا فلسطينيا بالفعل بعد أن كان في التربية البيتية فلسطينيّا بالقوّة.

لذلك دَخل اليافع أنيس النّقاش في التدريب العسكري بحركة فتح الفلسطينية وعمره 18 سنة.

وبذلك تكرّس الانتماء الفلسطيني لليافع، من انتماء حماسي، متخيَّل ثانوي إلى انتماء أوّلي.

تربّى في مدرسة المقاصد الإسلامية، «تحت رعاية عمّه زكي النّقاش» (1896-1988)، المربي الملتزم بالعروبة، والذي تخرج من الجامعة الأمريكية ببيروت، وله كتاب يصنّف في البحث الاستراتيجي لا في البحث التاريخي: التبشير وسيلة من وسائل الاستعمار. ومن الأكيد أن هذا العمل أثّر في اليافع أنيس.

كان زمن طفولته ويفاعته، هو زمن «صوت العرب من القاهرة»، و«صوت فلسطين من القاهرة» شارك وعمره 17 سنة في تشييع جنازة المناضل خليل عزالدين الجمل أوّل شهيد لبناني من أجل فلسطين، ضمن موجة رغبة جماهير اليافعين للالتحاق بمخيّمات التدريب للثورة الفلسطينية، وقد ترافق ذلك مع الاعتداء الصهيوني على مطار بيروت عام 1969.

أصبح دائم الارتياد لمخيّمي صبرا وشاتيلا ولتوجيه «أبو جهاد» (خليل الوزير)، القيادي الثوري الفلسطيني، السياسي والعسكري.

وأنْ يختار مهنةَ هندسة الديكور، ذلك يعني أن له استعدادات للهندسة الاستراتيجية، وأن يكون ذلك مطبّقا على الديكور، فذلك يعني أن تلك الاستعدادات الثورية ليس لها أفق تدميري، بل لها أفق جمالي- أخلاقي.

وفي مشاركته في عملية فيانا، كان اختياره المهني مساعدًا له: «بناءًا على دراستي هندسة الديكور، استطعت أن أضع مخططا للمبنى، وأن أقدر أين تقع قاعة الاجتماعات»[3].

وأن يتمنى أنه كان مهندسًا زراعيا، يعني أنه يعرف الوزن الاستراتيجي للأمن الغذائي والزراعي في الصراع بين القوى الدولية، لم تكن مشاركته المبكرة في عمليات الاحتجاز أعمالاً إرهابية، بل كانت عمليّات محدّد فيها العدوُّ. فالدولتان الرئيستان بالإقليم، هما الأكثر عمالة للمركز الإمبرياليّ، والمُشاركة في التخطيط لاحتجاز وزيري منهما كانت من أجل تمويل المقاومة. ولذلك نجده يُقنع «كارلوس بعدم تنفيذ أوامر وديع حدّاد بإعدام الوزيرين»[4]. ونضجه السياسي المبكر جعله يَحْدس «أنّ من روّج لفكرة عملية الاغتيال لم يكن بريئا تماما، فأبعادها خطيرة جدّا»[5].

وبذلك لم يكن إمّعة في تلك المشاركات، بل كان صاحب رأي حرّ، مستقل، وإن آمن بالجماعة، يحاول أن يضع العملية في سياقها الاستراتيجي، لأنها ليست عملا إرهابيّا، أي ليست احتجازًا غير أخلاقي أو مصلحيّ.

يتبع

………………………………………………………………

 النقاش (أنيس)، الكنفيدرالية المشرقية، بيسان/ مكتبة مؤمن قريش، بيروت، …20، صفحة الإهداء.[1]

[2]  م. س، صفحة الإهداء.

[3]  شريل (غسان)، «حوار مع المناضل أنيس النّقاش»، مجلة الوسط، بيروت، ديسمبر 2012، ص 19.

[4]   النقاش (أنيس) م. م، ص 2.

[5]  م. س، ص 9.

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه