أكذوبة الجيش الذي لا يُقْهر…بقلم جعفر عباس

هناك عبارة تزين قصر السيف (الحكم) في الكويت: “لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك”. وهذا ما تؤكده وقائع التاريخ، وما هو معلوم عن مصائر ستالين وهتلر وجنكيزخان وروبرت موغابي وإمبراطوريات المغول والفرس والرومان، وفي جسم عربي معلول ظهر الورم الذي اتخذ اسم إسرائيل

، وظل ينهش ذلك الجسم في عبر السنين والجسم مستكين، حتى صدقت إسرائيل أنها قوة لا تقهر، وحتى لو كان جيرانها الذين نهشت أرضهم ويتمت عيالهم ورملت نساءهم عاجزين عن التصدي لها فإن إسرائيل وبحكم تشكيلها وتكوينها تحمل بذور فنائها، لأنها قامت في هيئة فندق يستدرج زبائن من نفس الطينة والعجينة (يهود) بوعود خدمات طعام وترفيه وحراسة أمنية ممتازة.

- Advertisement -

في أواخر عام 2019 واستنادا إلى معطيات إسرائيلية رسمية، كان عدد اليهود في العالم حوالي 14.7 مليون نسمة منهم 6.6 ملايين في إسرائيل و5.7 ملايين في الولايات المتحدة، والباقون موزعون حول العالم وبخاصة في أوروبا. وعنى ذلك أن اليهود الذين يعيشون في دول غربية صاروا عازفين عن الهجرة والعيش في إسرائيل، ومن ثم عمدت الحكومة الإسرائيلية على غواية فئة جديدة من الزبائن، وما بين عامي 2012 و2019 كان 86% من المهاجرين الجدد إلى إسرائيل من غير اليهود، وفي عام 2012 وحده ومن بين 180 ألف مهاجر وصلوا إسرائيل وحصلوا على جنسيتها، كان هناك فقط 25 ألفا و375 (نحو 14%) يعتنقون الديانة اليهودية، وكان ذلك بموجب حيلة لاستدراج المهاجرين بمسمى قانون العودة الذي ينص على أنه من حق أبناء وأحفاد اليهود وأزواجهم العيش في اسرائيل حتى إن لم يكونوا يهودا.

وطالما أن عقيدة الدولة الإسرائيلية هي الصهيونية التلمودية وأن عقيدة الجيش الإسرائيلي هي الدفاع عن الدولة اليهودية، فإن شريحة كبيرة من سكان إسرائيل لا تجد نفسها ملزمة بالاندماج في أجواء عسكرة المجتمع الإسرائيلي والمناخات العدائية الدائمة التي تعيش فيها إسرائيل، التي قامت أصلا بذريعة إيجاد وطن آمن لليهود، فإذا بالإحساس بانعدام الأمن هو الهاجس الذي يقلق مضاجع كل من يعيش في إسرائيل، ووقائع الأيام القليلة الماضية التي شهدت الغطرسة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة مجموعة صغيرة من المدنيين يعيشون في “جيب” غزة الذي ظل خاضعا لحصار ثلاثي (إسرائيلي ـ مصري ـ فلسطيني) زهاء 15 سنة، وكان قبلها ومنذ عام 1967 نسيا منسيا، جعلت العالم شاهدا على كيف أن الجيش الإسرائيلي الذي أشاع عن نفسه أنه لا يقهر فقد اتزانه ولجأ إلى ضروب من الترويع للمدنيين في غزة بأساليب لا تليق حتى بجيش التتر.

ومن المؤكد أن إسرائيل تحوز جيشا يتوفر على عتاد شديد التطور، ولكنه فضل زاد الولايات المتحدة التي يشاع أنها الأقوى عسكريا في العالم المعاصر، وهذه فرية من أساطير الآخرين تم الترويج لها بعد الحرب العالمية الثانية، بينما وقائع تلك الحرب تفيد بأن الجيش السوفييتي الذي تولى القتال بمفرده في الجبهة الشرقية كان أفضل بلاء من الجيش الأمريكي الذي استفرد بالجبهة الغربية مسنودا بعدد من جيوش الدول الأخرى، وفاز الجيش السوفييتي بشرف دخول برلين ودك آخر قلاع النازية وحمل هتلر على الانتحار.

وحشد الأمريكان مئات الآلاف من الجنود في فيتنام ولاوس وكمبوديا في مواجهة كتائب قليلة العدد والعدة من الفلاحين لا تملك طائرات أو سفن حربية أو دبابات، ومع هذا هزمت الأمريكان هزيمة ساحقة ماحقة، وظلت الولايات المتحدة تناصب كوبا العداء طوال ثمانية عقود وتجيش الجيوش للسيطرة عليها، وباءت محاولاتها بالخسران المبين، ثم انظر كيف خابت مساعي الأمريكان في الصومال والعراق وأفغانستان، رغم قنابلهم وصواريخهم الذكية وكيف باتوا يعلقون جراحهم فيها ويتدبرون أمور الخروج منها بما تبقى لهم من ماء وجه.

الطائرات والصواريخ عالية الدقة تفيد في الترويع خلال الحروب ولكن الانتصار فيها لا يكون إلا بالقوات الأرضية، ووقائع التاريخ المدون حديثا تفيد بأنه لا الجيش الإسرائيلي أو الأمريكي أفضل من غيرهما من الجيوش في المعارك الميدانية، وانتصرت إسرائيل في حرب عام 1967 لأن الجيشين المصري والسوري لما يحاربا أصلا، بينما وجد الجيش الأردني نفسه مضطرا إلى القتال وخاض معارك باسلة في مواجهة الجيش الإسرائيلي الذي كان عبء جبهتين قتاليتين قد انزاح عن كاهله، وخسر جيش الأردن المواجهة التي فرضت عليه فجاءة، ولكن بعد أن شهد له حتى العدو بالبسالة، وفي عام 1973 استطاع الجيش المصري وخلال ساعات دك حائط بارليف الذي كان أقوى حائط صد عسكري عرفه التاريخ، ولو لم يرِدها الرئيس المصري أنور السادات “حرب تحريك وليس تحرير” لاكتسح الجيش المصري سيناء وصولا إلى غزة في سهولة ويسر.

كل معركة تفتعلها الحكومة الإسرائيلية مع الفلسطينيين تقنع شرائح واسعة من الإسرائيليين بأنهم يعيشون في بلد غير آمن، ولهذا وعقب كل توتر عسكري تتسبب فيه تلك الحكومة تبدأ هجرة معاكسة من إسرائيل إلى كندا والولايات المتحدة، ويتعمق الإحساس بأن “الفندق” يفقد نجومه عبر السنين، بينما ينقلب الرأي العام العالمي، والأوروبي على وجه الخصوص على إسرائيل، وكما قامت إسرائيل بموجب تصويت أممي فسيأتي حتما يوم يتم تحجيمها فيه بموجب قرار أممي، وسيكون ذلك حتما في المستقبل القريب عندما تفقد واشنطن معظم أنيابها وأظافرها بنهوض النمور الآسيوية وفي طليعتها الصين.

ومن آيات بداية السقوط العمودي للولايات المتحدة أن تؤول مقاليد الأمور فيها إلى شخص يعاني من إعاقة ذهنية وأخلاقية كدونالد ترامب، ويقابله في إسرائيل شخص غوغائي (نتنياهو) يخرق كل قانون وعرف إرضاء لنرجسيته، ولا تلد القطة السوداء سوى هرٍ أسود، فيأتي في سدتي السلطة في واشنطن وتل أبيب من هم من نفس عجينة الرجلين، ليكملوا المشوار إلى أسفل على “المزلقان”، وفي جميع الأحوال فمتى تضاءلت قوة ونفوذ واشنطن فإن شمس إسرائيل إلى أفول.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه