أمريكا لا تعتبر من أخطائها التاريخية في دعم الإسلاميين…بقلم فتحي بوليفه

الولايات المتحدة الأمريكية،  هذا البلد الأغنى والأقوى في العالم،  يرتكب منذ بداية الحرب الباردة في سنة 1947 الخطأ تلو الآخر في سياسته الخارجية،  دون أن يعتبر من أخطائه،  رغم تعاقب الديمقراطيين والجمهوريين على الحكم واختلافهما الشديد في سياستهم الداخلية. للتذكير فقط،  الحرب الباردة هي صراع خفي بين معسكرين: غربي تقوده الولايات المتحدة وشرقي يقوده الإتحاد السوفياتي في ذلك الزمن. هذا الصراع أوقع الولايات المتحدة الأمريكية في أخطاء استراتيجية تقديرية فادحة كلفتها خسائر بشرية ومادية هامة،  كما أساءت إلى سمعتها  كثيرا،  بعد أن أصبحت “شرطي العالم“،  خاصة في سياستها في منطقتيْ الشرق الأدنى والشرق الأوسط.

نبدأ هذا التسلسل التاريخي لأخطائها من أفغانستان،  حيث دعمت الإسلاميين “المجاهدين” في حربهم ضد الإتحاد السوفياتي بين سنتي 1979 و1989 وبعد نجاح الإسلاميين في طرد السوفيات من أراضيهم تنكروا لمساعدة الأمريكيين لهم وأصبح الشغل الشاغل لطالبان (حركة أفغانية قوميةإسلامية سنية سياسية مسلحة)،  مند تأسيسها في سنة 1994 وسيطرتها على كابول في سنة 1996،  القضاء على الأمريكيين أينما كانوا في العالم. ظهر أيضا في  أواخر حرب تحرير أفغانستان أسامة بن لادن الذي يتقاسم مع طالبان نفس الفكر الانتقامي من الأمريكيين،  وأسس سنة 1988 تنظيم القاعدة الذي نجح في أكبر اعتداء على الجبروت الأمريكي في عقر داره في 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن وكبّد أمريكا مقتل قرابة ثلاثة آلاف شخص. بعد هذه الصفعة الموجعة جدا،  أعلن الأمريكيون حربهم على الإرهاب والمتطرفين الإسلاميين أينما كانوا.

بعد أقل من سنتين غزوْا العراق للإطاحة بحكم صدام حسين ونجحوا في ذلك سنة 2003 ودعّموا من جديد الإسلاميين في الحكم الجديد للعراق لصدّ “التمدّد الإيراني الشيعي” في البلاد،  كأنهم لم يعتبروا من خطئهم في أفغانستان،  حتى ظهر تنظيم إسلامي جديد مناوئ لهم وللسلطة الجديدة في العراق،  وهو “الدولة الإسلامية في العراق والشام” الذي يعرف أكثر بـ”داعش” والذي ألحق بالجيش الأمريكي في العراق عدة خسائر بشرية في عمليات انتحارية روعت الشعب العراقي لعدة سنوات.

في بداية سنة 2011 ومع بداية ما يسمى بالربيع العربي،  دعّم الأمريكيون من جديد الإسلاميين في سوريا للإطاحة بنظام بشار الأسد ومن ورائه محاربة عدوهم التاريخي اللدود والأزلي “روسيا” و”المد الشيعي الإيراني” وحزب الله في لبنان،  مما تسبب في خراب هذا البلد بعد قرابة عشر سنوات من الحرب،  رغم مجاهرة كل التنظيمات الإسلامية بعدائها للأمريكيين واستهدافهم بالقتل.

كان الغرض من هذا السرد التاريخي للأخطاء الأمريكية في منطقتي الشرق الأدنى والشرق الأوسط،  التمهيد للتوجه المستقبلي للسياسة الخارجية الأمريكية لدعم الإسلاميين من جديد في منطقة المغرب العربي في ليبيا الذين يحكمون غرب ليبيا،  في حربهم ضد خليفة حفتر في شرق ليبيا. حتى أن الأمريكيين أصبحوا يفكرون في إنشاء معسكر في البلاد التونسية لدعم حكام طرابلس في حربهم ضد حفتر،  خاصة بعد تحرك الرّوس لحماية شرق ليبيا من الدعم التركي لحكومة غرب ليبيا وتحقيقها عدة انتصارات واسترجاع عدة مناطق كان حفتر قد استولى عليها سابقا في غرب ليبيا،  لعل آخرها مطار طرابلس.

هذا الدعم الأمريكي الأعمى لكل نظام أو تنظيم إسلامي معاد للرّوس أو للإيرانيين،  جعل الولايات المتحدة الأمريكية،  بمختلف حكامها،  تقع في أخطاء تقديرية واستراتيجية خطيرة عادت بالوبال عن الأمريكيين. بعد القاعدة بأفغانستان وداعش في العراق وسوريا،  نخشى بروز تنظيم إسلامي جديد متطرف في ليبيا وتونس يسمى “دالت” أي “الدولة الإسلامية في ليبيا وتونس“…