إيران  فنزويلا.. تعددت علل أمريكا والمصيبة واحدة…بقلم محمد الرصافي المقداد

ليس من السّهل على من لم يواكب الثورة الإسلامية في عنفوان قيامها، وانتصارها التّاريخي، الذي حققه الشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني، أن يفهم حقيقة النظام الإسلامي تأسيسا وواقعا وأهدافا. وفيما لا تزال ايران ترزح تحت طائلة عقوبات ظالمة، شدّدها الرئيس الأمريكي الحالي، بدت في مواجهتها متماسكة صامدة وقويّة، تدعو الى الإعجاب بها، في مقابل خضوع وخنوع دول عديدة في العالم، بإمكانها أن تخرج من إطارها.

ولو لم تنتهج ايران الإسلامية سياسة داخلية صناعية جريئة، لما وصلت الى هذا المستوى من الندّية، في الوقوف وتحدّي أمريكا القوة الكبرى في العالم، ومنعرج هذا المستوى بلغته بعد أربعة عقود، عندما أعطت صناعة اسلحتها أولوية قصوى، وأطلقت عقول خبرائها وأيدي  مهندسيها وصنّاعها ليحققوا نجاحات باهرة في التقدّم بالصناعات العسكرية بمختلف أنواعها وتحقيق الاكتفاء الذاتي في أغلبها، بل والتعبير عن استعدادها لتزويد الراغبين في شرائها من الدول الشقيقة والصديقة.

وما كانت امريكا المعادية لإيران تدرك هذه الحقيقة وتلامس وطأتها، لولا الحماقة التي ارتكبتها باغتيال الشهيد قاسم سليماني في محيط مطار بغداد، حيث كان الرّد الانتقامي الايراني، على قاعدة عين الأسد، كبرى القواعد الامريكية في العراق، ومحاولة الجانب الامريكي اخفاء خسائره فيها.

ما استجد هذه الأيام ارسال ايران ناقلات محملة بالمحروقات الى فنزويلا، قابله عزم للجيش الأمريكي، استجابة لقيادته في البنتاغون، اعتراض الأسطول الايراني ومصادرته، وتحذير ايراني شديد، غير قابل للتراجع – وهذا ما عودتنا به ايران- بأن أي عمل عدواني على ناقلاتها، وهي في طريقها الى بلاد الأحرار، المناصرين للقضية الفلسطينية، ستقابل بردّ حاسم.

وفيما تشقّ خمس ناقلات حاملة العلم إيراني إلى فنزويلا، لتوصيل البنزين الإيراني، المصنّع في أكبر مجمع بتروكيماويات في الشرق الأوسط تمتلكه (نجمة الخليج الفارسي)، يرى المحللون السياسيون من وراء العملية مغنمين اساسيين:

الأول: تحدّي نظام العقوبات الأمريكي، المسلط على البلدين إيران وفنزويلا، وهما في عداد الدّول الأكبر المصدّرة للنفط الخام في العالم، واثبات انه نظام ظالم وفاشل، لن يصمد طويلا أمام تحدّي الدّول المستهدفة منه، ويظهر التعاون الوثيق بين البلدين في مواجهة تلك العقوبات، ويسلط الضوء على فشل استراتيجية البيت الأبيض، لابتزاز دول ذات سيادة، ومحاولة ثنيها عن نهجها التحرّري بتركيعها اقتصاديا، وبالتالي تجويع شعوبها.

الثاني: إثبات ما بلغته إيران من قوة عسكرية مجدّدا، وذلك خارج إطار مناطقها بالخليج الفارسي، الى المياه الدّولية في المحيط الأطلسي، وقريب من المياه الإقليمية الأمريكية، ويرى وجه التحدّي هنا، رفع العلم الإيراني على الناقلات، دون اللجوء الى رفع اعلام دول أخرى، كما جرت العادة لدى بعض الدول وشركاتها، تفاديا لعقوبات من هذا النّحو.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سيد عباس موسوي قال: إن التجارة الحرة بين الدول المستقلة، هي عمل مشروع، وما هو غير شرعي، هو القرصنة البحرية التي تقوم بها الولايات المتحدة.

من هذا التحرك القوي والمعلن بكل وضوح، تشكيل مقاومة جديد تقوم بتأسيسه ايران، بعد تشكيل مقاومة الاستكبار والصهيونية، يمكن تسميته جبهة مقاومة العقوبات، الذي سيتوسع حتما الى دول أخرى، كالصين وروسيا، ستقف جميعها في وجه الغطرسة الأمريكية، تتحدى عقوباتها وتكسرها عمليا، وبذلك لا يبقى لها اثر عليها، ولسوف تخرج أمريكا من هذه المواجهة الخاسر الأكبر بسبب تسلّطها.

إيران التي استهانت بها أمريكا في بداية ثورتها رغم أنها تلقت منها صفعة قاسية باحتجاز بعثتها الدبلوماسية بطهران، في حادثة اقتحام السفارة الامريكية الشهيرة، والتي قام بها الطلبة الثوريون الإيرانيون، من أجل استعادة أموال بلادهم المجمدة في امريكا، لم تكن تتصوّر أنها ستبلغ هذا المستوى من القوة والتقدم التقني العسكري، وايران بعد قصف القاعدة عين الاسد،  مختلفة نوعا ما هم عن ايران بعد نجاحها في اطلاق القمر الصناعي نور 1، ووضعه في مدار حول الأرض.

وفيما تمضي ايران في تنفيذ اتفاقها المبرم مع (كاراكاس) بتزويدها كميات من الوقود، وصلت اولى ناقلاتها إلى الموانئ الفنزويلية، يواجه الرئيس الأمريكي نتائج غير متوقعة، بسياسته العدوانية الرعناء تجاه إيران، تبدو حظوظ نجاحه في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة هذه السنة في تضاؤل، وهو في وضع لا يحسد عليه، بين جائحتين لم يحسن التعامل معهما، جائحة العقوبات التي سلطها ظلما على إيران، ولا يزال مصرّا على تصعيدها، آملا اخضاعها لمشيئته، فازدادت في مقابلها تحديا وقوة، وجائحة كورونا، التي لم يحسن التعامل معها، فاكتسحت شعبه، بصورة تدعو الى التساؤل، لماذا تمكنت دول ضعيفة – مقارنة بالإمكانيات الضخمة التي تمتلكها أمريكا – من حد انتشار الفايروس، والسيطرة عليه، بينما عجزت هي عن ذلك؟ تعددت علل أمريكا والمصيبة واحدة، لا تتعدى كون رئيسها أحمق، ليس له أهلية حسن إدارة بلده.