“استقلالية البنك المركزي” والمفاهيم المفْترِسة للسّيادة الوطنية…بقلم د. مصباح الشيباني

في ظل “استقلالية البنك المركزي” عن سلطة الحكومة، أصبح صندوق النقد الدولي هو الذي يخلق النقود وليس الحكومة، لأنّ من شروط الاتفاقيات الموقّعة بين الحكومات المتعاقبة على السلطة في تونس بعد 2011 وصندوق النقد الدولي منع تمويل البنك المركزي للمصاريف الحكومية وتقديم الائتمان عن طريق النقود، أي أن تمويل التنمية الاقتصادية الحقيقية أصبح تحت سلطة صندوق النقد ــ نيابة عن الدائنين الآخرين ــ في مركز يمكنه من أن يشل ويعطّل عمليا تمويل خزينة الدّولة. وكلما عجزت الدولة عن خلق سياسة نقدية محلية في تعبئة مواردها الداخلية، إلا والتجأت إلى مصادر التّمويل الخارجية، مما أدّي إلى تعميق الأزمة المالية ومستوى المديونية الخارجية. ومن أهم الشروط التي يضعها صندوق النقد “استقلال البنك المركزي” عن سلطة البرلمان. وهذه الاستقلالية تمكّن كبار المسؤولين في هذه المؤسّسة من الافلات من المحاسبة، أي ليسوا مسؤولين أمام الحكومة ولا أمام البرلمان، في مقابل ذلك، يتزايد ولاؤهم للمؤسّسات المالية الدولية. وغالبا ما يكون كبار المسؤولين في البنك المركزي من العاملين السابقين في هذه المؤسّسات المالية الدولية أو في بنوك التنمية الإقليمية. وفضلا عن ذلك، يتلقى هؤلاء  “راتباً إضافيًا” بالعملة الصعبة تموله المصادر الثنائية ومتعدّدة الأطراف.

وعبر “تمقْرَطة هياكل البنك المركزي”، وفق الوصفة الجديدة لصندوق النقد الدولي، فرضت على تونس سياسة “التقشف في الميزانية” وتخفيض سعر العملة وتحرير التجارة والخوصصة ( منذ قانون المالية لعام 2018)، فبدأت الدّولة تفقد تدريجيا سيادتها الاقتصادية، وسيطرتها على سياستها المالية والنقدية، وتمت إعادة تنظيم البنك المركزي ووزارة المالية بالتواطؤ مع البيروقراطيات المحلية، وفرضت عليها الوصاية الاقتصادية، وشكلت المؤسسات المالية الدولية “حكومة موازية” تدير من خلالها السياسة المالية دون الرجوع إلى الهياكل الرسمية أو مؤسّسات المجتمع المدني( مثل الاتحادادات المهنية والنقابية). وبدعم من المؤسّسات العالميّة النّاهبة تم التحكم في خلق مؤسّسات حكومية خائنة وكاذبة وديمقراطية برلمانية زائفة، التي تدعم بدورها عملية إعادة الهيكلة الاقتصادية والتفويت في القطاع العمومي.

وتحت عنوان “برنامج التكييف الهيكلي” الذي انخرطت فيه تونس منذ 1995وما ارتبط به من تحرير للنظام المالي، وسعت شبكات المافيا “اللاوطنيّة” دورها في المجالات المصرفية الدولية. وأصبحت الحكومة تحت وصاية مثل هذه الكتل الاجرامية، كما اكتسبت هذه الأخيرة قدرا كبيرا من ممتلكات الدّولة في ظل برامج الخصخصة التي فرضها البنك الدولي. وفي الوقت الذي كانت فيه الدّولة تجبي الضرائب من مواطنيها ( خاصة الطبقة الوسطى والعاملين بالمؤسسات العمومية)، كانت تدفع “إتاوة” غير مباشرة( في شكل منح وإعانات) للمنشآت الكبيرة عبر ما يسمى “قانون الاستثمار” الذي تحول إلى قانون للنهب والاستعمار الاقتصادي خاصة بعد تنقيحات 2019. واستنادا إلى التكنولوجيا المصرفية الجديدة، أسهم هروب أرباح الشركات المحلية والأجنبيّة على حدّ السواء إلى المؤسّسات المصرفية الإقليمية والدولية ( خارج الدولة) في كثير من المناطق مثل “سويسرا” و”لوكسمبروغ”..الخ وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية العامة نتيجة فقدان السّيولة وانخفاض الرصيد الائتماني من العملة الصعبة.

كما ساهم النظام الضريبي في زيادة الدين العام، حيث تم تضييق ضرائب الشركات وأعيد تدوير العائدات الضريبية الجديدة التي جبيت من العاملين بأجر من الفئات المتوسطة والضعيفة من السكان ( بما في ذلك ضرائب القيمة المضافة) نحو خدمة الدين العام. وأصبحت تونس بعد أن كانت تنظمها تشريعات وطنية “مستقلة” في ظل “دولة الرعاية”، مع هيمنة السياسة الليبرالية القائمة على الحرية والفردانية، تعيش واقعا تنازعيا متوحّشا لا يحتكم إلى أيّة قيمة إنسانية، بل يسودها قانون الغاب ومنطق القوة المطلقة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وبحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016 تبوأت تونس قائمة الدّول العربية في تردّي الوضع الاقتصادي ( الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار..) بنسبة 88,4% والمرتبة الثامنة في الفساد المالي والإداري.

لم تتخلى الدول الغربية عن نزعتها الاستعمارية أو عن سياساتها التوسعية ورغبتها في الهيمنة على اقتصاديات الدول النامية وعن  العودة إلى مستعمراتها السّابقة، وإنّما غيّرت استراتيجياتها لكي تتمكن من الحصول على الغنائم بواسطة الأساليب الأكثر فاعلية ونعومة لكي تلقى قبولاً لدى الرأي العام. ومن أبرز هذه الأساليب الاستعمارية الناعمة التي اعتمدتها في هذه السياسة اسناد القروض عبر مؤسّساتها المالية الثّلاث (البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية..)، حيث مكّنتها عملية الإقراض من اختراق النسيج الاقتصادي لهذه الدّول وتفكيكها. ولتمرير هذه السياسة ضخت هذه المؤسّسات أموالاً  كثير ( رشاوي) للنّخبة السياسية والاقتصادية المحلية المتواطئة معها والشريكة في الأسواق الداخلية من أجل تسهيل عمليات النّهب وسيطرتها على مواردها الطبيعية بأقل تكلفة مادية. وغالبا ما يتم اخفاء هذه القروض تحت أسماء لطيفة وناعمة مثل: “الهبة” و”الاستثمار” و”المساعدة”..الخ لاستدامة واقع التبعية والاقتراض، حتى باتت القروض الخارجيّة مكوّنا رئيسيا من مكوّنات مداخيل الدّولة يتحكم من خلالها الدّائنون في المنظومة المالية العامة ولم تعد استثناءً، وكانت إحدى أسباب التخلف والعجز الهيكلي الدائم للتوازنات المالية في هذه الدّول.

لقد تحوّل الكذب إلى أهم رافد وسلاح في الحملات الإعلامية الدعائية من قبل الخونة المحليين ( كتاب وصحافيين وسياسيين) لتمرير السياسات الليبرالية، ومنها المصادقة على قانون “استقلالية البنك المركزي” الذي كانت آثاره مدمّرة في مستوى المنظومة شفافية المالية التونسية وحوكمتها، وفي مستوى الأزمة المجتمعيّة الشاملة التي لم تشهدها تونس منذ الاستقلال. فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية التي اعتمدتها الحكومات التونسية خاصة بعد 2011 لم تساهم في تعميق ظاهرة الفقر فقط، بل أصبحت البيئة الحاضنة والمنتجة لها. ومن أبرز العوامل المسببة لاتساع دائرة الفقراء وزيادة نسبة البطالة هي انتهاج سياسة التبادل الحر وتطبيق نظام نقدي ومالي مستقل عن مؤسّسات الدّولة لا تمتّع فيه بأية سلطة الزاميّة تحفظ بها المصلحة الوطنية. وفي ظل هذه السياسية الاقتصادية الليبرالية، لم يعد الناس يموتون نتيجة عدم وجود المواد افستهلاكية، وإنما يموتون جوعا نتيجة سياسة نظام السّوق العالمي في التفقير، والذي كانت من أخطر آلياته فرض على الدّولة “استقلالية البنك المركزي” ونزع الصّفة الوطنية عنه !

التعليقات متوقفه