الرئيسية / ملفات / اعتذار الدّول الاستعمارية على جرائمها لا يكفي…بقلم محمد الرصافي المقداد

اعتذار الدّول الاستعمارية على جرائمها لا يكفي…بقلم محمد الرصافي المقداد

استعمرتنا دول الغرب (فرنسا، وبريطانيا، وبلجيكا، وإسبانيا، وهولندا)، ولم تخرج قواتها من أفريقيا، إلا بعد أن ضمنت بقاء تبعية لها-شربوا ثقافتها – تحكم شعوبنا بمنطق الاستحقاق النضالي، الذي زاد من مصائبنا على ما خلّفه الاستعمار لنا، من جهل وتخلف وفقر، مع وجود مواردنا الطبيعية، وعقولنا السخيّة، وسواعدنا الأبيّة، لكنها بقيت تحت تصرّف دول الجشع واللصوصيّة، محكومة بسياسات مملاة منها، بخطوطها الحمراء، التي لا تزال ماثلة في سلوك حكام من جلدتنا، تربوا على عقلية حضارة الدول الغربية، التي قدّروا أنه يجب أن تسعى شعوبنا اليها، ماشية باختيارها أو زاحفة بالإكراه، وفي كل الأحوال، نرى الغرب يتقدّم باطّراد، بينما نحن – خصوصا الشعوب العربية – لم نتحرّك من مواضعنا التي تركنا الغرب فيها.
الحضارة الغربية كما عبر عنها الصحفي البلجيكي ميشيل كولونMichel Collonفي تصريح انتشر على مواقع التوصل الاجتماعي كالنار في الهشيم عنونه (حضارة الغرب مجرّد حضارة لصوص) قال فيه خصوصا:
(إن أضحت إسبانيا وفرنسا ثريتان في القرن الـ17 ، فذلك لأنهما سرقتا الذهب والفضة من أمريكا اللاتينية، بذبح الهنود دون دفع أي مقابل، وإن أصبحت فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة ‏في هذا الثراء الفاحش، ذلك بفضل العبودية وسرقة البشر من إفريقيا دون أي مقابل.
وبالمثل، بلجيكا وهولندا ثريتان جدًا منذ القرن ال19، وذلك من خلال سرقة المواد الخام من إفريقيا وآسيا دون مقابل،على مدى 5 قرون ، قامت مجتمعاتنا الغربية بنهب ثروات العالم الثالث، دون أثمانها.
يمكننا..‏أن نرسم جداول، لكل البلدان الأفريقية الفقيرة، ونوضح من نهبها وكيف.
باختصار شديد، نحن -أو بالأحرى- بعضنا لصوص، ولهذا السبب صرنا دولا ثرية على حساب الآخرين)(1)
ما عبّر عنه الصحفي البلجيكي، أصاب به عين الحقيقة، فما نهبته بلجيكا ورفيقاتها الغربيات، لا يوازي شيئا أمام ما ارتكبنه من جرائم فظيعة، بحق الشعوب المستعمرة، فما بين 1885 حتى1909، قتلت القوات البلجيكية على عهد ملكها ليبولد الثانيLeopold II، الذي خدع القبائل الكنغولية بالإمضاء على عقد عبوديتهم، واستباحة بلادهم، ولما تفطنوا إلى عملية الخداع تلك، قتلت القوات البلجيكية ما يفوق ال10 ملايين كنغولي، وخلفت وراءها آلافا منهم مقطوعي الأيدي، وعندما خرجت من اراضي الكونغو كان تعداد سكانه 13 مليون نسمة فيهم 16 خرّيجا جامعيا فقط(2).
تصوروا هذا الاجرام المرتكب بحق شعب كان آمنا في وطنه، وفجأة غزته دولة مساحتها 30.689 كلم2
بينما مساحة الكونغو 000.2.345 كلم2بما يعادل1على 76، لم تخجل من كونها صغيرة، وأبعد ما تكون عن الكونغو، فقامت بعملية إبادة ممنهجة لشعبه، ونهب لموارده من المعادن الثمينة كالألماس، وتقدّر
ودائع غير مستغلة من المعادن الخام، أن قيمتها تصل إلى ما يزيد على 24 تريليون دولار أمريكي (3).
وعلى نفس الوتيرة، وبنفس العقلية الإستعمارية الإستغلالية، تعاملت الدول الإستعمارية مع الشعوب الضعيفة، ففي كل بلد وقع استعماره من طرف هذه الدّول لاقى من الإنتهاك والعدوان والنهب ما لاقاه الكونغو وشعبه، ومع استمرار وجود خونة أوطانهم، وعملاء متفانون في خدمة أسيادهم الغربيين، فإن ملفّ استعادة ثرواتهم المسروقة من البلدان المستعمرة، غير وراد إلى حد اليوم، بل إن مجرّد المطالبة باعتذار الدول الإستعمارية، عما ارتكبته خلال فترة استعمارها من جرائم وانتهاكات، من باب الإساءة إلى العلاقات الثنائية، والخوف من قطعها، لذلك يجب السكوت عليها.
تعبير الملك فيليب Philippeملك بلجيكا، على أسفه لما حصل من مجازر في الكونغو، خلال فترة استعمار بلاده لها(4) لا يكفي، وجرائم أي مجرم يجب أن تنال القصاص كحكم عادل فيها، فإن لم يتسنى ذلك، فبالتعويض على تلك الأرواح المزهوقة ظلما، وباستعادة ما يقابل المنهوب الخام من تلك الموارد، والمسروق من الآثار المعروضة في متاحف تلك الدول المستعمرة، التي تتباهى بها، وهو دليل إدانتها.
ما يدعو الى الغرابة في هذا الملفّ الذي يجب ان يجد طريقه في الحل بأي طريق كان، فما نهبته الدول الاستعمارية جعلها ترتقي الى الغنى وتتفوق علينا بخيراتنا، ومن عارض مطالبة هذه الدّول بحقوقنا المنهوبة والمستحقة، فهو عميل لهم، وخائن للوطن، ويجب أن بقدّم للمحاكمة، بتهمة التستّر على جرائم استعمارية، مازالت تنتظر الحكم العادل فيها، وما حصل تحت قبة البرلمان في بلادنا، بإسقاط مشروع قانون مطالبة فرنسا بالإعتذار على فترة استعمارها لبلادنا، يعتبر وصمة عار، وتفريط لاستحقاقات ثورة الشعب التونسي، واستكمالها يكون بانتزاع المستحقات والحقوق، والشعوب المستعَمَرة لم تعد تقنع ببروتوكول سياسة حكامها، المهادن للدول المستعمِرة التي أجرمت بحقها، وكل وقت يمرّ دون انتزاع حقوقها، سيزيد من توريط الحكام بعمالتهم
هناك بلدان في هذا العالم، قطعت مع الإستعمار وتبعاته، ونجحت في صون شعوبها وبلداها، مثل إيران التي آمن نظامها الإسلامي، أن الكرامة والإستقلال الحقيقي وتحقيق العدل، يجب أن يصانوا بقوة السلاح، والقدرة على صناعته ببلدانها والإكتفاء منه.

المراجع

1 – حضارة الغرب مجرد حضارة لصوص
2 –10 ملايين قتيل وامة مدمّرة .. تاريخ استعمار بلجيكا للكونغو
3 – جمهورية الكونغو الديمقراطية – ويكيبيديا
4 – ملك بلجيكا يعبر عن “أسفه العميق” لارتكاب بلاده انتهاكات في الكونغو الديمقراطية خلال الحقبة الاستعمارية

 

شاهد أيضاً

في الذكرى آل9 لإغتبال القذافي  هل يجوز أن يبقى القتلة طلقاء؟!

بقلم محمد النوباني | حلت أمس الثلاثاء 2020/10/20 الذكرى السنوية التاسعة لإستشهاد الزعيم الليبي معمر …