الانتخابات على الأبواب…بقلم عماد خالد الحطبة 

أيام قليلة تفصلنا عن الانتخابات الأميركية التي يعتقد الكثيرون أنها الانتخابات الأهم في التاريخ الأميركي الحديث، هذه الأهمية لا تنبع من العملية الانتخابية نفسها، ولكن مما حدث خلال السنوات الأربع الماضية من عمر إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتميزت بمواجهة مستمرة بين الحزبين الكبيرين، ومن التغييرات التي يمكن أن يحملها فوز أي من الطرفين.
تضفي شخصية ترامب الكاريكاتورية وتصريحاته المتهورة نكهة مميزة على هذه الانتخابات. فهو أول رئيس أميركي يعلن أنه لن يقبل بنتائج الانتخابات، ويستعمل الشتم والسب تجاه خصومه، ويرقص على المسرح بمشاركة ناخبيه، راسماً شخصية “الكاوبوي” الأميركي القوي القليل الذكاء، لكنه “القادر على هزيمة الأعداء”، بمن فيهم فيروس كورونا!.. هذه الشخصية تستهوي الكثير من الأميركيين خاصة القوميين البيض.
تحت هذه القشرة الهزلية، جرى الكثير من العمل على الصعيد الداخلي، ما مكّن إدارة ترامب من اجتذاب شريحة مهمة من محدودي ومتوسطي الدخل. فقد تميزت إدارة ترامب “بتخفيض الضرائب، وزيادة الوظائف، وعبرت بالبلاد من أزمة وباء كورونا، واستطاعت إعادة توطين الإنتاج، ولم تشن أي حرب جديدة خلال 4 سنوات من الحكم”.
يتوقع الأميركيون أن يستمر ترامب بسياساته الموجهة نحو الداخل الأميركي ولو على حساب الشركاء الغربيين، ويعتقدون أن فوزه بولاية ثانية سيحرره من قيد إعادة الانتخاب ويدفعه إلى اتخاذ إجراءات أكثر جذرية تنعكس مزيداً من الازدهار على الاقتصاد الأميركي.
أما جو بايدن فيعتمد خطاباً أكثر توازناً، فهو يعلن عن “مشروع ديمقراطي شامل”، أساسة إعادة هيكلة النظام الانتخابي لمنع ترامب وأمثاله، من أصحاب «الثروات المشبوهة» من الوصول إلى سدّة الرئاسة، وحصر الصراع داخل الطبقة السياسية الاقتصادية التقليدية.
هذا المشروع يراه الكثير من الأميركيين نوعاً من الاستبداد والانقلاب على معايير «الحرية» وتكافؤ الفرص للأميركيين. لكن البعض الآخر، وهم أغلبية، يعتقدون أن توجهات ترامب العنصرية تضر بمصالح أميركا وصورتها «كرائدة للحريات والمساواة في العالم» خاصة بعد الصور التي تناقلها العالم إثر جريمة قتل المواطن الأسود جورج فلويد.
يعتمد الديمقراطيون على أغلبيتهم داخل الكونغرس لتمرير إصلاحاتهم الهيكلية، لكن المشكلة التي يواجهونها تكمن في الانشقاق العميق داخل بنية الحزب، وابتعاد القيادة السياسة كثيراً عن الشارع الديمقراطي الذي يسيطر عليه شباب أبدوا ميولاً يسارية من خلال دعم للمرشح اليساري الديمقراطي بيرني ساندرز. هؤلاء الشباب، وإن كانوا لن يدعموا ترامب في حال من الأحوال، فإن الكثيرين منهم سيعزفون عن المشاركة في الانتخابات لأن جو بايدن لا يمثل طموحاتهم.
المشكلة الأخرى تكمن في نجاح ترامب في تشكيل اختراق داخل الجمهور اليهودي الأميركي، فعلى الرغم من بقاء «أيباك» في الصف الديمقراطي، إلا أن ترامب حقق الكثير مما وعد به الديمقراطيون وفشلوا في تحقيقه. لقد اعترف بالقدس “عاصمة أبدية لإسرائيل”، واعترف بما يسمى “ضم” الجولان العربي السوري إلى الكيان الصهيوني، ومارس الضغط على “عرب أميركا” لعقد اتفاقات «سلام» وتطبيع مع الكيان الصهيوني.
كل هذه المعطيات، إضافة إلى حقيقة سيطرة خصوم ترامب على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، تدفعنا إلى عدم الثقة بنتائج استطلاعات الرأي العام، حتى لو روّج لها بعض الجمهوريين بغرض استنفار الجمهور اليميني الأبيض للمزيد من المشاركة في الانتخابات.

السؤال هو: ما موقعنا من هذا الصراع؟

 

الجواب سهل وبسيط؛ نحن في الموقع نفسه الذي كنّا فيه منذ مئة عام. بالنسبة لغول الرأسمالية نحن الضحية المثالية. الضحية التي التقطها في لحظة تاريخية مناسبة فأعاق تقدمها وحبسها في قمقمه. صحيح أن ترامب لم يَشن أي حرب جديدة ضد أمتنا، على عكس أسلافه على مدى أكثر من أربعة عقود، لكنه استخدم نفوذ دولته ليجهز على الكثير من القضايا العربية وبشكل خاص الصراع العربي- الإسرائيلي، وعمل على تعميق المؤامرة على دول عربية مثل سورية وليبيا والعراق. أما بايدن فهو سليل سياسة باراك أوباما وهيلاري كلينتون أصحاب الماركة التجارية «الربيع العربي» و”لوردات” الحرب على سورية وليبيا واليمن.
موقعنا الوحيد هو في خندق المقاومة، كتفاً بكتف مع أبطال الجيش العربي السوري ورجال المقاومة عموماً.. موقعنا في تغليب العقل واستعادة المبادرة الحضارية.. أن نكون صُنّاعاً للثقافة، ومثقفين في المصنع والحقل.. أن نأكل مما نزرع ولو كان مُرّاً، وأن نلبس ونعيش مما نصنع حتى لو لم تكن علامة تجارية نباهي بها.
موقعنا هنا على أرضنا، نغرس جذورنا عميقاً في ترابها، وليفز من يفز وليخسر من يخسر.

كاتب من الأردن

 

التعليقات متوقفه