التأجيل.. بين الواقعية والمزايدات…بقلم: حميد قرمان

حانت لحظة الحقيقة، بعدما كثر الحديث والتأويل حول تأجيل الانتخابات ما بين مؤيد ومعارض، فجاء اعلان القيادة الفلسطينية بعدما عرض الرئيس محمود عباس، بكل شفافية ووضوح مسببات قرار التأجيل، ووضع الجميع امام مسؤوليته السياسية، كشعب وفصائل وأحزاب، ورمى الكرة في ملعب الاحتلال والمجتمع الدولي العاجز على تحقيق مبادئه ومفاهيمه حول الديمقراطية وحق الشعوب بتقرير مصيرها وممثليها، وللحقيقة وكرأي سياسي أعبر عنه.. ليكن تأجيل الانتخابات.. عدة أشهر فهي ليست معضلة سياسية.. تتعطل امامها الحياة السياسية أو البرلمانية الفلسطينية المعطلة اصلاً بسبب الانقسام منذ عقد ونصف تقريبا، فهناك بدائل “سياسية تمثيلية” نستطيع اللجوء إليها دون الانتقاص من حقوق وثوابت شعبنا الفلسطيني؛ وعلى رأسها حق أهالي القدس بالمشاركة في العملية الانتخابية برمتها.

فالأصل السياسي اننا امام إتفاق معترف به دوليا “اوسلو”.. يحترم حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني في مدينة القدس، فلا معنى لدعوات احتجاجية.. وبيانات عرمرمية فهي ليست نهجا سياسيا.. سيجبر الاحتلال على احترام حقوقنا السياسية، ولا داعٍ لشعبويات ومزايدات من بعض باحثي “الشهرة السياسية” على وسائل الاعلام.. ومواقع التواصل الاجتماعي، فالحقيقة ان أغلب القوائم الانتخابية.. وحتى أغلب الفصائل والحركات الموجودة على الساحة السياسية لا تملك القدرة على قيادة تحرك شعبي منظم وضاغط في مدينة القدس، بل وأيضا لا تستطيع هذه القوائم ولا الفصائل الداعمة لها قيادة جهد “دبلوماسي دولي” يفضي لضغط سياسي على الاحتلال ليحقق المطلب الفلسطيني بإجراء الانتخابات ترشحا وانتخابا في مدينة القدس، خاصة بعد ردود الفعل الخجولة من بعض الفصائل وقيادات القوائم الانتخابية امام المشهد البطولي لاهالي القدس خلال ايام السابقة، بل سعى البعض الانتهازي منهم.. لتوظيف بطولات اهالي القدس في خدمة اجنداتهم الحركية والحزبية الانتخابية.

مسألة الانتخابات وتأجيلها تصب في صالح الحفاظ على الحقوق السياسية لأهالي القدس، فلا يعقل ترك أهالي القدس لوحدهم في ظل استمرار التصعيد الامني والسياسي من قبل الاحتلال ومستوطنيه، فان المطلوب اليوم قبل إدانة قرار تأجيل الانتخابات، ايجاد برنامج عمل سياسي ودبلوماسي شامل، يعزيز من صمود ومكانة القدس وسكانها، ويضع المجتمع الدولي امام مسؤوليته اتجاه الشعب الفلسطيني الساعي بجدية لتجديد شرعيات مؤسساته التمثيلية.

المعركة هي معركة القدس.. معركة سياسية بإمتياز، وبالنظر الى الظرف الإقليمي والدولي الدائر حاليا لاعادة ضبط السياسة الدولية بعد التهور الذي شهده ابان حقبة ادارة الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، نرى العالم يتجه نحو التهدئة، فنحن نشهد مفاوضات جادة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي وايران من جهة، ومحادثات سياسية بين السعودية وايران وتقارب دبلوماسي بين تركيا ومصر من جهة آخرى، وهذا يتطلب من السلطة الوطنية.. التريث.. خاصة ان في الطرف الآخر هناك “نتنياهو” الباحث عن مبرر قوي لتصعيد أمني وعسكري في الاراضي الفلسطيني المحتلة.. لتوحيد اليمين المبعثر خلف قيادته.

بعيدا عن خطابات وبيانات ومزايدات الفصائل والقوائم الانتخابية.. التي انطلقت ضد السلطة وقيادتها فور اعلان التأجيل، أو قصور البعض السياسي بالزج بـ “حركة فتح” كسبب لتأجيل، متناسين ان استطلاعات الرأي كافة.. رجحت كفة قائمة حركة فتح والقوائم التي انشقت عنها متفوقة على جميع القوائم الاخرى.. بعيدا عن كل ذلك.. نحن اليوم بحاجة الى اعادة طرح الأولويات السياسية الفلسطينية، وايجاد مقاربة جديد تنتمي للواقعية السياسية متناغمة مع الظرف الاقليمي والدولي اولاً كونه شريك اساسي في اتفاق “اوسلو” وضامنا له، هذه المقاربة تتيح لنا إقامة الانتخابات في مدينة القدس، بعيدا عن سياسات القفز بالمجهول التي يريدها للاسف البعض.. دون أدنى مسؤولية وطنية فلسطينية اتجاه حقوق أهالي القدس.

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه