الشعب الفلسطيني يخوض معركة الماهية الجريحة…بقلم إدريس هاني

ماذا يعني ثورة فلسطينية؟ أتذكر عبد الرحمن منيف حين قال ذات صيف دمشقي في محاضرة بأحد المخيمات الفلسطينية: أنا آخر المنكوبين الذين لا زالوا يؤمنون بالثورة، أو هكذا قال.

سؤال يحمل نسقاً دلالياً، لا يقلّ عن الخطاب العميق لرجب إسماعيل بطل “الآن هنا أو شرق المتوسّط مرة أخرى”، فقط هنا أنّ الفلسطيني جعل من عذابه محفّزاً أنطولوجياً إضافياً لإرادة الحياة. لا يوجد من يستحق الحياة أكثر من شعب لا زال وفيّاً لوعد أزلي بالحرّية.

نتحدّث اليوم عن سلوك الفلسطيني، ونعتمد تقنية التشويه ومغالطة التبشيع، كما لو أنّ المعذبين في الأرض بالفعل هم مشكلة تقتضي التخلص منهم لا تخليصهم من معاناتهم، وهذا ليس حيفاً فقط، بل هو تأكيد لنزعة الآبرتهايد التي لا تعكس سياسة المحتل فحسب، بل هي أيضاً كامنة في بنية عالم لا زال غير مؤهّل لميثاق حول العدالة الدولية خارج مقالب الكيل بمكيالين، وهو القانون العميق المنظم للسياسة الدولية.

إنّنا نريد من شعب يقع تحت طائلة الاحتلال، أن يتصرّف كما يريد منتظم دولي عاجز عن إشراك الشعب الفلسطيني في الحقوق المخصصة لبني البشر وأحياناً نريد من شعب مُسْتَعمَر أن يتصرّف بما يقرره المُستَعمِر. أي اشرب نخب الاحتلال ولا تقاوم.

ينمّي الاحتلال في الأهالي رابطة عميقة تجاه الوطن السليب، كما ذهب تشي غيفارا، فيلسوف من قلب النّار.. يموت الرجال فقط، لأنّ فكرة الوطن حيّة لا تموت.. يستطيع الاحتلال أن يقصف ويخرب ويدمّر، ففي نهاية المطاف، لا يمكن تقويض هذا الميل للدفاع عن وطن. يفرض التعسف على شعب محتل أن يستعيد ميله الطبيعي،ويستعيد معه ذكاءه الطبيعي، وهذا طبيعي، فحالة الطبيعة يفرضها المحتل، حيث الاحتلال لا يقوم على عقد اجتماعي.

هل يا ترى بإمكاننا الحديث عن موت الثورة الفلسطينية؟ وحدهم الفدائيون يدركون أنّهم كائنات صنعت لتكون تعبيراً عن خلود وطن، وفكرة الخلود تلك تحتاج إلى مشهد التضحية.

بالنسبة إلى غاندي، وغاندي في لا عنفه في التحرر الوطني واحدة من الأساطير الأعجوبة التي قد تروق لقوى الاحتلال، يقول على كل حال بأنه بإمكانك قتل الثوار لكن لا يمكنك قتل الثورة، وهو الأمر نفسه مع غيفارا حيث لا زال الأغبياء في نظره يتصورون أن الثورة قابلة للهزيمة.. تلك هي نقطة ضعف الاحتلال، يذكرنا باستمرار أنه غير قادر على فرض النسيان على شعب يعيش على ذاكرة جريحة. لقد فعل الاحتلال ما في وسعه لجعل مقاومة الأهالي أمراً مستحيلاً، غير أنّ الثورة الفلسطينية كما يقول جورج حبش: “قامت لتحقيق المستحيل لا الممكن”، إنها بتعبير آخر ليست مقاومة لخدمة تسويات فاشرة.

يبدو لي أن الغرب غير مؤهّل لبناء موقف شجاع تجاه القضية الفلسطينية، ذلك لأنّ القضية تتجاوز كل أشكال الثورات. ويمكن الوقوف عند هذه المفارقة في الموقف السارتيري وغريمته سيمون دي بوفوار في موقف الغرب بما فيه الفلسفي هنات كبرى، لا شيء مكتمل حتى عند من يتبنّون موقفاً حقوقياً مستنسخاً من وجهة نظر حزب العمل.

ثمة من يريد إنتاج الماهية العربية والثالثية عموماً في برزخ بين الليكود والعمل، بين الجمهوري والديمقراطي، أنطولوجيا سياسية ممنوحة. لا يمكن للغرب أن ينجز موقفاً تاريخياً من القضية الفلسطينية، التي هي مشكلة مفتعلة غربياً أصلاً.

إنّنا نحيل على محاولة للتخفيف من عقدة الإحساس بالإثم عن طريق تدمير شعب آخر، وهذا الشعب يوجد هناك، هناك أو شرق المتوسط. ثم لا مانع بعد ذلك من إطلاق العنان للتخييل التّاريخي، أليست الماهية هي مسؤولية الكائن ونتاجه؟ وجد قسم من الإنتلجنسيا الفرنسية تعويضاً عن عنف النازية عن طريق تجاهل فظاعات الاحتلال الصهيوني، أي حينما يصبح الفعل النازي ضد الفلسطينيين سبيلاً للتكفير عن المحرقة؟ نجحت الصهيونية في محاولة منح ذلك الحق التاريخي المزيف بعداً وجودياً، قوامه قمع السّؤال، الذي هو في جوهر التأمل الفلسفي. هكذا وضعتنا السارتيرية في هفوة تتجاوز الكينونة كما تتجاوز الوجودانية السارترية، لإعادة إخراج الصهيونية بقالب وجودي.

لا شكّ أنّ سارتر الذي أعاد إنتاج الأنطولوجية الهيدغيرية بقليل من الوفاء، لم ينتهك أسسها فحسب، بل لعلّه قدّم بذلك أكبر خدمة للصهيونية من حيث لا يشعر، لأنّه خفف من أسبقية الوجود على الماهية، راهنا هذه الماهية للفعل، ولا يهمّ القوة وقليل من الزيف التاريخي. تكمن النقيضة الكبرى هنا، حين يرفض المثقف الفرنسي على تلك الشاكلة، عنف النازية برسم المجال الحيوي للرايخ، بينما يعتبرها في الحالة الصهيونية حاجة وجودية. يريد سارتر أن يخرج الفلسطيني من فعل إنتاج الماهية الثوري والتحرر من الآخر الصهيوني الذي يسعى لامتلاك صورته وتحديد آفاق.

كان الخطيبي دقيقاً في الحديث عن دموع سارتر، لقد نبّه إلى ذلك الانقلاب حين كان سارتر يشكل عاراً في فرنسا بخصوص موقفه من القضية الجزائرية، لكن سارتر لم يعد عاراً حين انقلب في موقفه من الصراع العربي- الإسرائيلي.

تفكيك حالة سارتر إزاء هذه القضية حيث بات حائراً لاسيما بعد بروز موقف اليسار الفرنسي، ما جعله يصرح بأنه يساند “إسرائيل” والفلسطينيين في آن معاً، مؤكداً حالة تمزق قصوى.

موقف يصفه الخطيبي يومها بأنه ضرب من الحياد الكاذب، بل سيمضي في تحليل هذا التمزق السارتيري إلى القول بأنّه تعبير عن موقف صهيوني مشروط، وحيث لم يمنح موقفه معنى ثورياً حقاً إلاّ أنه بات يعيش “على طريقته رعب الوعي الشّقي”.

سيمضي الخطيبي أبعد من ذلك في تفسير أسباب هذا التمزق السارتيري الذي جعله ينتهك فلسفته وموقفه الثوري لصالح موقف محافظ، إنّها دموع الوعي الشقي إذاً “لفكر ممزق تشكل إبادة النازية خلفيته”. وسنجد سارتر يعبر بازدواجية بالغة حين يعلن عن حق الفلسطينيين في أن يقوموا بـ”أعمال عنف” في الظروف الراهنة، ومن حق الإسرائيليين أن يدافعوا عن أنفسهم ضد هذه الأعمال.

بعد سارتر، ظلّ الموقف الغربي شديد الميل إلى المحافظة، أي فرض أمر واقع على الشعب الفلسطيني الذي وقع عليه الاختيار ليدفع ضريبة هذا الشعور بالإثم الذي جرت وقائعه في أوروبا وليس في الشرق الأوسط.

لقد عززوا هذه الصورة النمطية وأكرهوا بفعلهم العنصري يهود أوروبا على الانضواء تحت ما كانوا يعتبرونه ثورة جسدتها الصهيونية، ففي نهاية المطاف جعلوا من التفوق العرقي أساساً لقيام كيان على حساب شعب قائم منذ فجر تاريخ المنطقة، وأصبح من الصعوبة الحديث عن اندماج.

كانت تلك رغبة الغرب نفسه الذي ساهم في نشأة الصهيونية التي أعادت إنتاج الهوية اليهودية على أساس الاحتلال لا الميعاد. إن كان هذا وضع السارتيرية فماذا عن السياسات؟

من هنا، فإنّ الشعب الفلسطيني مدعوّ لتذكير العالم بماهية هذا الصراع، إنها معركة استحقاق بين الوجود والماهية، وحتى سارتيرياً، إن كان المعوّل عليه هو الماهية المنبثقة من العدم، فإنّ الشعب الفلسطيني لم يشذّ عن مفهوم الحرية كشرط في الوجودانية الإنسانية، الكائن الذي قدره أن يكون حرّاً، حيث يباشر الشعب الفلسطيني حريته عبر الانتفاض ضد أمر واقع، في معركة الماهية التي يحددها الفعل الثوري نفسه.

إنّ سارتر لم يعبر عن ازدواجيته إلاّ سياسياً، لكن فلسفته تفضحه، لقد تنكّر لفلسفته قبل أن يعلن تبرمه من الحق الفلسطيني من دون إقحامه في هذه الحيرة التناقضية.

في هذا الانتفاض ملامح مخاض تاريخي عسير، لولادة ثانية بالمعنى الأنطولوجي للعبارة، هي مؤلمة لأنها تفضي في نهاية المطاف لولادة جديدة بتعبير باولو فيريري: ولادة إنسان جديد يسير على طريق الحرية. الذين يصنعون مجد الفلسطينيين اليوم هم الأطفال، هم الأحرار الذين لا زالوا يتوفرون على خيال خصب، أولئك الذين نبتوا في مشاتل الحبّ العذري الذي لا يقاوم، وذلك العشق الوحشي الذي يتمرد على قوانين الاحتلال، لأنّ الوطن وُجد قبل كل القوانين. لقد كذبوا على حنظلة مرات ومرات، ولكنه اليوم أمسك بزمام الأمور. غداً سيكون النظام الدولي وفلاسفة الغرب الذين لا زالوا مترنحين، سيكونون جميعاً في مواجهة الطفل الفلسطيني، مواجهة حنظلة الذي لا زال يرمق البيدر من خلف الأسلاك الشائكة، يشمّ التربة من بعيد، يزداد شوقاً كلما هام في سجن اللاّعودة، لا يمكن أن نواجه شعباً بات الوطن في ضميره هو عين الوجود.

 

كاتب من المغرب

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه