العرض الصهيوني لقطاع غزة ليس بالأمر الجديد…بقلم الدكتور بهيج سكاكيني

العرض الذي قدم من وزير خارجية للكيان الصهيوني مفاده وببساطة لا يخرج عن نطاق تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي لأهل القطاع الى جانب “السماح” بإعادة ما دمره العدوان الأخير على القطاع وتهدئة طويلة الأمد مقابل تهدئة. وهذا كله ليس بالأمر الجديد على الاطلاق فلقد سبق وأن قامت مصر بالوساطة وما زالت للوصول الى هذا الحال.

هذا العرض يأتي ليؤكد أن الكيان الصهيوني ليس لديه النية بالمطلق على الذهاب الى ما سمي “بالسلام” وليس لديه النية على إعطاء الاستحقاقات من طرفه للشعب الفلسطيني المحتل بمعنى انه لن يوجد أي حل سلمي مع هذا العدو. وهذا لا ينطبق فقط على قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عشرة سنوات بل وينطبق على الضفة الغربية المحتلة أيضا. ولا يخفى على أحد على ان الغرض الرئيسي هو الالتفاف على الإنجازات التي حققتها المقاومة ومنعها من تطوير قدراتها العسكرية آملا في النهاية الى تحقيق نزع سلاح المقاومة (طبعا هذا حلم إبليس في دخول الجنة).

والعرض يأتي ضمن مناخ إقليمي بدأ بالتبلور أكثر فأكثر لما هو ليس في صالح هذا الكيان وخاصة مع تجذر محور المقاومة والانتصارات التي حققتها سوريا التي تجلت آخرها عودة درعا لحضن الوطن السوري مما أفقد الكيان ورقة كان يراهن عليها. ويأتي أيضا ضمن تراجع واضح للولايات المتحدة من المنطقة وإضعاف دورها ونشوء تحديات وتصدي لها على الأرض التي أظهرت عجزها عن اتخاذ القرار بمواجهة هذه التحديات. والى جانب ذلك فإنه يأتي ضمن حالة من الارتباك وزعزعة الوضع الامني الداخلي للكيان وفقدان الثقة من قبل مستوطنيه القدامى والجدد بالجيش والمنظومة الاستخباراتية والأمنية برمتها لتأمين أمنهم في هذا الكيان.

والذي يبدو ان هنالك مخطط من قبل على الأقل الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية ومصر للضغط على شعبنا في قطاع غزة الى حد كبير في محاولة لضرب البيئة الحاضنة للمقاومة ويسعد هذه الأطراف الثلاثة بالطبع الولايات المتحدة والى حد ما دول الاتحاد الأوروبي.

الكيان من طرفه سيكثف من قصفه لمواقع المقاومة في قطاع غزة غير آبه بما اتفق عليه مع مصر حول التهدئة بعد العدوان الأخير هذا الى جانب سياسة تقنين دخول المواد الأساسية من إذا ودواء ومواد لإعادة الاعمار في القطاع. هذا الى جانب الضغط الدبلوماسي والسياسي يشاركه بهذا بعض الدول المطبعة التي تمتلك ورقة إعادة الاعمار او تقديم المعونات في هذا المجال. وتشارك الولايات المتحدة في هذا الإطار عن وضع شروط دنيئة لتقديم دعم الأمم المتحدة الذي يقدم عن طريق الاونروا والتي فيما إذا ما طبقت ستحرم العديد من العائلات الفقيرة والمعدمة من الحصول على الدعم اللازم لبقائها على وجه الأرض. وإذا ما علمنا ان معدلات البطالة خاصة في القطاع الشبابي تصل الى أكثر من 50% نستطيع ان ندرك حجم المأساة والضغوطات التي تمارس على اهل القطاع.

أما الجانب المصري فحدث ولا حرج وخاصة في مجال تحكمه بمعبر رفح المعبر الوحيد لسكان قطاع غزة الى الفضاء العربي والعالم والذي لا يفتح الا أياما معدودة في السنة ولا يفتح الا للحالات الطارئة وبإذن من الكيان الصهيوني. وهذا يستخدم كسلاح في ايدي مصر بالنيابة عن الكيان الصهيوني ضد المقاومة ولتجويع سكان القطاع من جانب. كما ويستخدمه النظام المصري لتثبيت دوره في المنطقة هذا الدور الذي فقدته مصر بعد توقيعها إتفاقية كامب ديفيد الخيانة والتي بالتدريج أصبح هذا الدور الإقليمي منوطا بالسعودية والامارات ولم يعد لمصر هذا الدور الوازن في المنطقة. ونظام السيسي الديكتاتوري والقامع للحريات وحقوق الانسان اثبت على ارض الواقع انه على الاستعداد الذهاب الى ابعد الحدود لإرضاء قاطن البيت الأبيض والكيان الصهيوني معا.

والسلطة تلعب دورا هاما في الضغط على القطاع وأهله من خلال التحكم بمخصصات الملية لقطاع غزة ورواتب الموظفين وخاصة في القطاع التعليمي. هذا الى جانب إصرارها وتمسكها بأموال إعادة البناء كجزء من الضغط وأيضا لنهب جزء منها لصالح الفاسدين من نخبة السلطة وزبانيتها. ويجدر الذكر هنا أنها قد تراجعت عن الاتفاقية بشأن الأموال القطرية التي كان مؤملا دفعها لإعادة الاعمار في غزة. وجاء هذا التراجع بعد زيارة وزير دفاع العدو الصهيوني الى رام الله والاجتماع مع عباس. هذا الإصرار الذي عبر عنه ويعبر عنه “رئيس وزراء” الدولة الوهمية شتية إنما يأتي لزيادة الضغط على شعبنا في غزة وتجويعه ولا نستطيع ان نفهما الا في هذا الاطار. والسلطة والعدو الصهيوني في خندق واحد على الأقل في هذا المحور فمن ضمن المبادرة المقدمة من وزير خارجية العدو الصهيوني ان دخول السلطة الى غزة وتسلم السلطة هنالك لإدارة القطاع وللقارىء الكريم ان يدرك لماذا الإصرار على هذا.

من الواضح ان الضغوطات ستزداد في الفترة القريبة القادمة وخاصة ان المقاومة قد أعطت مهلة للنظام المصري للضغط على الكيان الصهيوني لتنفيذ ما كان ان اتفق عليه “لوقف إطلاق النار” بعد العدوان الأخير على القطاع. وفي نفس الوقت الكيان الصهيوني ليس في وارد الان على الأقل وضمن الظروف القائمة ان يقوم بشن حربا واسعة على قطاع غزة. ولكن الكيان أيضا لا يريد ان يظهر بموقف ضعف وخاصة بعد كل ما جرى بداخله الان من زعزعة وضعه امنيا وفقدان مستوطنيه الثقة والامن في آن واحد. والمقاومة مصرة على انتزاع التنازلات منه وعدم خسارة المنجزات التي تحققت.

الى ماذا ستؤول اليه الأمور سيتضح في فترة قريبة وما علينا الا الإنتظارعلى ما يبدو مع التأكيد على انه بغياب اية حلول سياسية تكنس الاحتلال سيبقى الوضع على ما هو وعلى ان أي بناء لبنى تحتية موعودة للقطاع يمكن ان تدمر خلال ساعات قليلة بعدوان جديد على أهلنا هناك.

كاتب وباحث اكاديمي فلسطيني

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه