الرئيسية / زوايا نظر / منبر حر / القائد الشهيد يوسف زيغود في ذكرى استشهاده الـ64: قراءة في أبعاد شخصيته ودوره في الاضطلاع بتفاؤل التاريخ

القائد الشهيد يوسف زيغود في ذكرى استشهاده الـ64: قراءة في أبعاد شخصيته ودوره في الاضطلاع بتفاؤل التاريخ

بقلم فوزي حساينية- كاتب جزائري-عضو مؤسسة العقيد الشهيد يوسف زيغود التاريخية |

الشهيد زيغود يوسف وككثير من شهداء ثورة أول نوفمبر مرَّ بهذا العالم مرا سريعا إذ أنَّه ولد سنة 1921 وأستشهد سنة 1956 فهو لم يعش إلا 35 سنة وقد نستطيع أن نعتبر أن هذا الأمر عادي لأن الثورة في الأصل فجرها وقادها الشباب الذين شكَّلوا وقودها الأساسي، لكن يتوجب علينا أن نكون أكثر تركيزا وفطنة ، إذا أردنا أن نفهم بشكل جيد وجاد الأحداث التي كانت مدارا لحياة ونضال وكفاح يوسف زيغود ذلك أننا ونحن ندرس نشأة وحياة يوسف زيغود سنجد أنفسنا أمام كثافة استثنائية ونوعية لافتة في الأحداث والوقائع التي ارتبطتْ بحياته، وكأن يوسف وُلد ليكون في قلب الأحداث والتقلبات التاريخية والاجتماعية متفاعلا معها وصانعا لبعض أخطر مراحلها، وموجها ودافعا لدفة التاريخ بشكل دراماتيكي قل نظيره في تاريخ الثورات التحررية.

كيف كانت البداية؟ وماذا عساها أن تكون البداية بالنسبة لطفلٍ جزائري في ظل الواقع الاستعماري البغيض؟ حتى قبل ميلاده عرف يوسف الموت فقد توفي والده قبل ولادته بأربعة أشهر، وهكذا وُلد يوسف وتربي يتيما ، حفظ بعض القرآن الكريم كما أنهى المرحلة الابتدائية في المدرسة الفرنسية بنجاح ولم يكن متاحا لمن هم في وضعه أن يواصلوا دراستهم إلى أبعد من ذلك،لذاك فقد كان التوجه نحو الحياة العملية مبكرا ، ولئن اشتهر يوسف بإتقانه وتفوقه في مهنة الحدادة فإنه لم يفوت أيضا تعلم حرفة النجارة وممارستها بنفس الحرص والإتقان والمغزى أن يوسف كان رجلا عمليا يؤمن بالنشاط والعمل الإيجابي لكسب الرزق عبر العمل الجاد والشاق ولم يكن يتردد في الاضطلاع بمقتضيات العمل، والبحث عن الحلول مهما كانت الصعوبات، وهي إحدى خصائص شخصية يوسف زيغود التي سترافقه طول حياته و التي ستبرُز بصورة أوضح خلال نضاله السياسي والعسكري.

هذا النضال الذي يمكن تلمس خطواته الأولى فور انقطاعه المبكر والإجباري عن الدراسة  فهو لم يستسلم لواقع أنه لم يعد متمدرسا ولم يقطع صلته بحب القراءة والمطالعة إذ كان ليوسف زيغود رغم كل الانشغالات والمشاق بعض الوقت الذي يقتطعه اقتطاعا من زخم الأحداث والكفاح اليومي لكسب الرزق لقراءة ما يجد من كتب بعضها على علاقة وثيقة بالتاريخ السياسي والعسكري.

كما أن الانخراط في صفوف الكشافة الإسلامية هو إحدى العوامل أو المصادر الأساسية التي ساهمت في ترسيخ وشحذ القيم الوطنية وقناعات العمل المستقبلي لديه ثم يأتي انخراطهفي صفوف حزب الشعب الجزائري وهو بالكاد يبلغ الثامنة عشرة من العمر ليكون لحظة التحول الكبرى، ونقطة اللاعودة في رحلة يوسف زيغود ومساهمته  المجيدة في الطريق إلى القضاء على النظام الكولونيالي البغيض، فقد انخرط منذ سنة 1940 في صفوف حزب الشعب الذي وقع حله آنذاك بقرار من السلطات الاستعمارية بعداندلاع الحرب العالمية الثانية لكن تمكن المناضلون الوطنيون من إبقاء قرار السلطات الاستعمارية الجائر مجرد حبر على ورق، فالحزب ظل موجودا في ظل السرية المُحكمة،اضطلاع يوسف زيغود بمسؤولياته النضالية عزز من ثقة الحزب بإخلاصه وكفاءته ، ولذلك فقد تم اختياره ليكون مرشح حركة الانتصار للحريات الديمقراطية الواجهة الرسمية لحزب الشعب في انتخابات سنة 1947 ليسجل يوسف زيغود فوزا كبيرا رغم التزوير والعراقيل والتلاعبات والضغوط والاستفزازات التي كرستها الإدارة الكولونيالية وأعوانها ضد مرشحي الحركة الوطنية علما وأن منصب رئيس البلدية بقوة القانون الاستعماري يكون من نصيب أحد الكولون أما الأهالي الجزائريين فينتخبون في إطار أدنى درجة ، وبالتزامن مع هذه المهام السياسية والإدارية في إطار الشرعية الاستعمارية فقد كان يوسف زيغود مسؤولا عن المنظمة الخاصة بمنطقته وهي الهيئة التي تمثل الذراع العسكري السري للحركة الوطنية التي انتهت خاصة بعد مجازر 08 ماي 1945 إلى قناعة لارجعة فيها باستحالة الحل السلمي للهيمنة الكولونيالية، اشتغال زيغود يوسف كمنتخب مكنه من تحقيق هدفين رئيسين : الأول محاولة مساعدة مواطنيه قدر المستطاع ، والثاني ، التعمق في دراسة وفهم بنية وأليات اشتغال النظام الكولونيالي من خلال إداراته وأجهزته المختلفة وهي خبرة إضافية ومهمة زادت من القناعات النضالية ليوسف زيغود وإيمانه المطلق بالكفاح المسلح كطريق وحيد للإطاحة بالنظام الكولونيالي ومؤسساته المشؤومة، ولاشك أن انكشاف أمر المنظمة الخاصة سنة 1950 وما تبع ذلك من اعتقالات ومتابعات وتعذيب قد شكلت لحظة أخرى خطيرة في السيرة النضالية ليوسف زيغود ورفاقه، فقد  كان زيغود من ضمن المناضلين الذين جرى اعتقالهم وسجنهم بعنابة، لكن السجن والذي كان مقررا له أن يمتد إلى سنوات طويلة تم اختصاره بشكل مثير عندما تمكن الحداد يوسف زيغود من صناعة مفتاح من أدوات بسيطة في السجن ساعدهم على تنظيم عملية هروب مثيرة ليس بتفاصيلها وجرأتها فقط ، بل وبما كشفت عنه من طريقة تفكير وتعامل يوسف زيغود مع شتى الصعوبات والتحديات، بعد الهروب الشهير ليوسف وعدد من رفاقه يوم 21 فيفري 1952 تفرقوا في الأرجاء تجنبا لمطاردات القوات الاستعمارية التي لاتهدأ وعيونها التي لاتنام، وهكذا لجأ يوسف زيغود لفترة من الزمن إلى الأوراس ثم عاد إلى منطقته متنقلا بهُوية أخرى من مكان إلى آخر إلى أن انعقد مؤتمر 22 الشهير في جوان سنة 1954 والذي كان يوسف زيغود أحد المشاركين فيه عن جدارة واستحقاق وهي الجدارة والاستحقاق اللذان تأكدا ليلة الفاتح من نوفمبر الذي كان زيغود باعتباره نائبا لقائد المنطقة الثانية القائد مراد ديدوش من رواده الأوائل بمهاجمة مقر الجندرمة في السمندوو تحطيم مصالح اقتصادية لعدد من الكولون، وبعد أقل من ثلاثة أشهر على اندلاع الثورة وعلى إثر معركة وادي بوكر يوم 18جانفي 1955 يجد يوسف زيغود نفسه مسؤولا بحكم النيابة عن قيادة المنطقة الثانية بعد استشهاد القائد مراد ديدوش في المعركة المذكورة، ولم تكد تمر سبعة أشهر عن معركة وادي بوكركر حتى فاجأ يوسف زيغود ورفاقه العالم بانتفاضة مسلحة عبر مختلف مدن وقرى الشمال القسنطيني والتي دخلت التاريخ تحت اسم هجومات الشمال القسنطيني 20 أوت 1955 والتي كانت من إنتاج العقل الثوري للقائد يوسف زيغود بإجماع كل المجاهدين الذين عاشوا وشاركوا في تلك الانتفاضة المسلحة المذهلة، كما أن المصادر التاريخية تجمع على ذلك بدون استثناء، وبعد سنة كاملة ينعقد مؤتمر الصومام والذي هو كذلك في الأصل من صميم الأفكار التي صدرت عن ذهن القائد يوسف زيغود وحولها إلى اقتراح رسمي رفعه إلى كل من كريم بلقاسم وعبان رمضان يتضمن أهمية عقد مؤتمر وطني للثورة الجزائرية لوضع نظام جديد يوحد بين مختاف المناطق، ويجيب على مختلف التحديات والأسئلة التي أصبحت تواجهها الثورة بعد عشرين شهرا على اندلاعها الناجح وهو ماتم في الفترة من 13 إلى 20 أوت 1956 ببجاية، بعد مؤتمر الصومام وما حققه من نجاح بحوالي ثلاثين يوم سقط يوسف زيغود شهيدا بسيدي مزغيش يوم 23 سبتمبر 1956 وهو في طريقه إلى الأوراس كعقيد وعضو في المجلس الوطني للثورة الجزائرية- إحدى الهيئات التي أنشأها المؤتمر- لتنفيذ مهمة كلفه بها المؤتمرون في الصومام…

وهذا العرض الجد مقتضب لسيرة القائد يوسف زيغود يعطبنا فكرة عامة عن طبيعة ونوعية التحديات والصعاب والمهام التي شكلت حياة يوسف زيغود من لحظة ميلاده إلى لحظة استشهاده، لكن من الأهمية بمكان ومن أجل مقاربة أفضل لسيرة هذا القائد الثوري المتميز أن نقف بشيء من القراءة التحليلية عند النقاط التالية:

أولا: نعرف أن يوسف زيغود عرف الموت قبل ميلاده فقد ولد يتيما كما سبق القول، ولكن الموت لم يتردد في زيارته أكثر من مرة، إذ أنه خطف أربعة من أولاده الخمسة، فلم تبق على قيد الحياة إلا ابنته شامة المولودة سنة 1948كما سبق ليوسف وهو طفل أن عايش مأساة وفاة زوج أمه وهكذا كانت رائحة الموت تطارد الفتى الصغير بإصرار، فإذا أضفنا إلى ذلك إدراكه بحسِّه المرهف وذكائه البعيد مأساة الهيمنة والاستعباد الاستعماري أمكننا أن نفهم السِّر في تلك الملامح الحزينة التي تظهر عليه من خلال الصورة النصفية الشهيرة والتي يظهر فيها مرتديا قبعة صيفية، لكن مكمن الأهمية يوجد هنا بالتحديد ، كيف استطاع يوسف زيغود تجاوز كل هذه المحن والأحزان والواقع الثقيل الذي يكاد يكون كاتما للأنفاس ؟ ربما يتطلب الأمر دراسة مفصلة لحياة وشخصية الشهيد للوصول إلى إجابات مقنعة، لكن مايمكن تقديمه كتفسير مجمل لهذا السؤال هو أن اندماج يوسف زيغود في الفكرة الوطنية وتمثله لها بشكل نهائي قد أوجد لديه معنى حقيقيا ومغزى عميق للاستمرار في الحياة ومواجهة محنها، فقد كانت فكرة الإطاحة بالنظام الكولونيالي والقضاء المبرم عليه فكرة رسالية بالنسبة ليوسف زيغود، ولذلك كان الانخراط في صفوف حزب الشعب نقطة تحول لارجعة فيه بالنسبة له لأن ذلك وفر له الإطار الوحيد القادر على احتوائه وتمكينه من توظيف قدراته التنظيمية والنفسية في خدمة القضية الوطنية.

ثانيا: لا يمكن لأي تحليل موضوعي وتاريخي حول مختلف المؤثرات التي كان لها إسهام حاسم في شخصية يوسف زيغود أن يتجاهل حدثين مؤلمين عاشهما وكان شاهدا عليهما قبل أن يبلغ العشرين من عمره، الأول ، إحياء الفرنسيين لمئوية احتلال قسنطينة سنة 1937 وما صاحبه من استفزازات واحتفالات صاخبة ومحاولة للإذلال المعنوي للجزائريين، الثاني ، الأحداث الدامية لقسنطينة سنة 1934 بين الجزائريين واليهود[1] حيث انحازت الإدارة الكولونيالية لليهود المسلحين والذين يعتبرون مواطنين فرنسيين على حساب الأهالي الجزائريين الممنوعين من حمل السلاح حتى للدفاع عن أنفسهم، الإصرار الذي أظهره القائد يوسف زيغود على مقارعة النظام الكولونيالي دون هوادة يجد جزء هاما من تفسيره في هذين الحدثين وما تركاه من أثرٍ في نفسه من كراهية وبغض لكل ما يمتُّ بصلة للنظام العنصري الكولونيالي الذي أدرك زيغود جيدا طبيعته الإحلالية الاستيطانية فهو استعمار لم يكتف بالاستيلاء على الجغرافيا بل عمل على الاستحواذ على التاريخ واستبدال هُوية الجزائر بهوية أخرى، وهو مايفسر أيضا إصرار يوسف زيغود على أن تكون هجومات الشمال القسنطيني قطيعة نهائية وبالدم مع الواقع الاستعماري، وقضاء مبرما على أية إمكانية لحلول من النوع الذي لا يتفق مع بيان أول نوفمبر، وقد قال : ” العنف الاستعماري لا يمكن مواجهته إلا بالعنف الثوري ” كما أن إتقانه لمهنة الحدادة جعلته يدرك بالملموس أنه لا سبيل لتطويع الحديد إلا بالنار، فإذا أضفنا إلى ذلك مجازر 08ماي 1945 التي عاشها يوسف زيغود وهو في الخامسة والعشرين من العمر، أصبحت الصورة أكثر وضوحا.

ثانيا: يوسف زيغود كما هو واضح من سيرته الثورية، هو ابن الكشافة الإسلامية ( فوج الإصلاح ) وهو المناضل في صفوف حزب الشعب منذ سنة 1940 وممثله في الانتخابات البلدية لسنة 1947 وهو عضو مسؤول على المنظمة الخاصة بمنطقة سمندو وبهذه الصفة الأخيرة نهض بمهمة اختيار المناضلين من أبناء منطقته المؤهلين للانخراط في هذا التنظيم العسكري السري، والتدريب على صنع المتفجرات واستعمال السلاح فضلا عن مهام التكوين والتأهيل المعنوي مع الأهمية القصوى للحفاظ على سرية التنظيم وسلامته، وهذه كلها مهام ومسؤوليات تتطلب الكثير من الجهد والصبر وقوة الأعصاب وعندما افتضح أمر المنظمة الخاصة في مارس 1950 كان زيغود يوسف من المناضلين الذين تم اعتقالهم في سجن عنابة، وهناك أظهر يوسف زيغود معنى وفائدة أن يكون الشاب حدادا ماهرا ، فقد تمكن من صنع مفتاح كان هو الأداة الذي مكن يوسف وعدد من رفاقه من النجاح في الهروب الشهير من سجن عنابة سنة 1952 وقصة الهروب هذه تذكرنا بالهروب الشهير للقائد مصطفى بن بوالعيد ورفاقه من سجن الكدية في شهر نوفمبر سنة 1955 والسؤال : أين يوجد هذا المفتاح ؟ وكيف كان مصيره ؟ وقد يبدو الأمر هنا رمزيا ولكنها رمزية من صميم التاريخ فكم سيكون الأمر مثيرا أن يُعثر على هذا المفتاح المبارك ويُوضع تحت تصرف الأجيال الصاعدة، والمعروف أن يوسف زيغود أو سي أحمد بعد النجاح الباهر في الإفلات من قبضة السجن قضى كامل الفترة المتبقية في ظل السرية متنقلا بين الأوراس ومنطقة الشمال القسنطيني إلى غاية اندلاع الثورة في الفاتح من نوفمبر1954.أما كيف قضى يوسف زيغود فترة السرية ؟ وماهي المهام التي تولاها ؟ وكيف أفلت من المطاردات البوليسية ؟ فهذه أسئلة تحتاج إلى أجوبة مطولة لكن الثابت أن يوسف زيغودواصل مهامه النضالية في فترة السرية هذه وبكل تصميم وهو ما جعله يكون حاضرا في اجتماع 22 الشهير الذي مهد التمهيد الأخير والحاسم للثورة.

ثالثا: بعد اندلاع الثورة المجيدة نجد أن اسم القائد يوسف زيغود كما ارتبطبالانتفاضة المسلحة للشمال القسنطيني 20أوت 1955 ارتبط كذلك بمؤتمر الصومام 20 أوت 1956 وأول دواعي هذا الارتباط أن يوسف زيغود هو صاحب فكرة عقد مؤتمر وطني لدراسة أوضاع الثورة الجزائرية وهي الفكرة التي لقيت تجاوبا كبيرا من قبل القادة كريم بلقاسم وعبان رمضان ومحمد العربي بن مهيدي وعمر أوعمران بعد أن عرض عليهم زيغود الفكرة في بعض مراسلاته، ولايجب أن ننسى أن الثورة الجزائرية لحظة انعقاد مؤتمر الصومام كانت تواجه ثلاثة مخاطر كبيرة وهي، خطر القضاء على الثورة رغم أن هجومات الشمال القسنطيني قد قلصت من هذا الاحتمال إلى أدنى الحدود وخطر الوجود العسكري الفرنسي الكثيف في تونس والمغرب رغم الاستقلال الرسمي للبلدين، وخطر تصاعد الدعم الغربي لفرنسا عسكريا ودبلوماسيا، وهنا من الأهمية بمكان أن نوضح النقاط التالية:

  • عندما نؤكد أن يوسف زيغود هو صاحب فكرة عقد مؤتمر وطني للثورة الجزائرية وأن محمد العربي بن مهيدي هو صاحب فكرة إضراب الثمانية أيام الشهير، وعندما نؤكد أن عبان رمضان هو صاحب فكرة وضع نشيد وطني للثورة الجزائرية، فنحن لانريد من وراء ذلك أن نختصر تاريخ الثورة المجيدة في أبطال على حساب آخرين وهو أمر غير ممكن أصلا لأن تجسيد تلك الأفكار يحتاج بداهة إلى تكامل الجهود وتعاضدها وإلا فإنها ستبقى مجرد أفكار، بل إن الغاية من وراء ذلك هو أن نوضح السياقات التاريخية التي انبثقت فيها تلك الأفكار الثورية والدور الذي لعبته في استمرار وتطور الثورة ولكي تعرف الأجيال الصاعدة من هم الرجال الذين قادوا الوطن في معركة استرداد سيادته واستقلاله، ولذلك فإن من عمل على أن تتجسد تلك الأفكار لا يقل أهمية عمن طرحها أول مرة.
  • مؤتمر الصومام كان مؤتمرا ناجحا ولذلك أثار ويثير الكثير من الجدل بحق أو بغير حق، ولو كان مؤتمر الصومام حدثا فاشلا لتضاءل ذكره في التاريخ وربما كان يختفي بالكامل، فالأحداث الكبيرة والناجحة هي التي تثير الجدل ومن الطبيعي أن بعض من لم تتح لهم فرصة المشاركة في هذا المؤتمر التاريخي لسبب أو لآخر أن تكون لهم مواقف متحفظة أو ناقدة وهي مواقف يجب أن تُدرس في سياقها التاريخي دون تخوين أو مغالاة، أما ما يردده البعض اليوم حول هذا المؤتمر من مزاعم وادعاءات فهي مواقف لا تثبت شيئا من حقائق التاريخ بقدر ما تثبت عجز البعض عن الارتقاء إلى مستوى إدراك أبعاد وأهمية بعض الإنجازات الكبيرة التي نقلت الجزائريين من ” يأس المرحلة إلى تفاؤل التاريخ[2]“.
  • مؤتمر الصومام كان في جوهره تجسيدا متجددا لليقين الفكري والإيديولوجي الذي تضمنه بيان أول نوفمبر، وبقدر ما انشغل هذا المؤتمر بتنظيم شؤون الثورة كان له نفس الانشغال بمسألة الوحدة المغاربية، وكل من يقرأ أرضية الصومام سيقف على هذه الحقيقة الكبيرة التي يتجاهلها خصوم المؤتمر، والواقع أن الكثير من الانتقادات التي نسمعها تجعلنا نجزم أن هؤلاء المنتقدين لم يقرؤوا أصلا أرضية الصومام ولم يحاولوا عقد مقارنة بينها وبين محتوى بيان أول نوفمبر، والمُرجح أنهم إنما يرددون كلاما سمعوه لا أكثر.
  • مؤتمرالصومام أولى أهمية استثنائية لفكرة تحقيق حضور عالمي للثورة الجزائرية مما يجعلنا ندرك ما امتاز به المؤتمرون في الصومام من ذكاء وبعد نظر، فهم لم يكتفوا بأن يأخذوا بعين الاعتبار العمل للحصول على تأييد الدول والشعوب الأسيوية والإفريقية والأوربية إلى جانب شعوب أمريكا اللاتينية ، بل إنه حتى الجاليات العربية الموجودة في أمريكا اللاتينية تم وضعها في الحسبان وبتعبير الميثاق ” الاعتماد على العرب المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية ” فالقضية إذن هي تحرير الجزائر والعمل على توحيد المنطقة المغاربية لكن مع الوعي بأن دوائر التحرك يجب أن تتسع لتشمل العالم كله، فمن خلال المزاوجة بين خصوصية القضية وعالمية الانتشار يتحرك التاريخ، وقد كانت هذه هي قناعة القادة الذين اجتمعوا في الصومام، وهو نفس ما نص عليه بيان أول نوفمبر:” العمل في الخارج لجعل القضية الجزائرية حقيقة واقعة في العالم كله،و ذلك بمساندة كل حلفائنا الطبيعيين”.
  • من بين أهم الأهداف التي عمل عليها المؤتمرون في الصومام هو تحقيق ما أُسميه بـ” الاستبدال العظيم ” إذ من المعروف أن المجتمع الجزائري تحت الهيمنة الكولونيالية كان ممثلا بعدد من النخب ، مثل فئة المنتخبين الذين كانوا يعتقدون بدافع من واقعهم الخاص أنه من الممكن أن تستمر الجزائر في العيش في ظل الاستعمار مع بعض التعديلات، وفئة العلماء الذين كانوا يعملون على موضوع الهُوية والابتعاث الديني واللغوي وفئة التيار النضالي الذي كانت له رؤيته الخاصة للقضية الوطنية، مع اندلاع ثورة نوفمبر تم وضع الأسس الأولى لتوحيد النخبة الجزائرية في إطار واحد هو جبهة التحرير الوطني، لأن أية قضية تحررية يتعدد تمثيلها حتما ستنتهي إلى الإخفاق، لكن عملية توحيد النخبة هذه واجهت صعوبات هائلة ، لكن مع انعقاد مؤتمر الصومام تم حسم هذه القضية بتثبيت عملية توحيد النخبة الجزائرية لقيادة معركة التحرير، باستكمال عمليةاستبدال النخب المتعددة بنخبة واحدة قائدة وممثلة للشعب الجزائري في معركة التحرير، وهذه واحدة من أهم إنجازات مؤتمر الصومام العظيم.
  • في موقف دراماتيكي مثير عندما عاد القائد يوسف زيغود من مؤتمر الصومام ذهب لزيارة أسرته فسألته زوجته: متى الاستقلال ؟ فأجابها القائد : ” نحن لن نحضره ” فزيغود يوسف كان يشعر بقوة أنه لن يعيش ليرى الاستقلال ، ولكنه كان يعمل ليلا ونهارا من أجل هذا الاستقلال، وهذا هو معنى الالتزام بقضية الوطن والأجيال الصاعدة، ولذلك نحتفل بذكرى الشهداء لأنهم هم رأسمالنا الذي نحن في أمس الحاجة إليه من أجل مستقبلنا وحتى لا تضيع منا فرصة مواصلة سيرنا في التاريخ كباقي الشعوب والأمم.

وفي الأخير لابد من التأكيد على أن هناك عشرات المسائل والقضايا الهامة التي يمكن إثارتها هنا وإخضاعها للتحليل والنقاش، ولكن وتجنبا للإطالة نختم بالإشارة إلى واقعة استشهاد القائد يوسف زيغود يوم 23 سبتمبر 1956 ونستطيع أن نلاحظ هنا من وجهة نظر فلسفة التاريخ أن يوسف زيغود كان من الممكن أن ينجو من هذا الاشتباك كما نجا رفيقاه صالح بوجمعة وبوخميس موسى اللذان لايزالان على قيد الحياة و كما نجا  يوسف زيغود نفسه من معركة وادي بوكركر من قبل، لكن يبدو أن للتاريخ دواعيه وحكمته الخاصة فيوسف زيغود بعد الانتفاضة المسلحة للشمال القسنطيني، وبعد أن رأى فكرته عن عقد مؤتمر وطني للثورة الجزائرية تتحقق، ماذا بوسعه أن يقدم أكثر من ذلك لصالح الثورة ؟ على القائد إذن أن يرحل وأن يتحول إلى رمز من رموز الثورة، وعلى الأجيال بعد ذلك أن تتحمل مسؤولياتها في التعلم والاضطلاع بالتاريخ.

1-بدأت هذه الأحداث عندما قام أحد اليهود بالتبول على جدران إحدى المساجد العريقة في قسنطينة، وعندما نهاهُ بعض الجزائريين عن فعلته هذه شرع في شتمهم وفي سب الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد انحازت الإدارة الكولونيالية إلى صف اليهود ورفضت تجريدهم من السلاح بحجة أنهم مواطنون فرنسيون، كما فرضت الإدارة الاستعمارية على الجزائريين أن يشيعوا قتلاهم في في صمت تام ، في حين قام اليهود بتشييع قتلاهم في مظاهر احتفالية صاخبة، وقد تركت هذه الأحداث جراجات غائرة في الضمير الوطني الجزائري…

-عبارة ” من يأس المرحلة إلى تفاؤل التاريخ ” تعود إلى المفكر السوداني الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد.[2]

شاهد أيضاً

الغرب المتناقض والعقدة من الإسلام…لماذا؟

بقلم د.عادل رضا | ما يقوم به الغرب ضمن مؤسساته الرسمية الحكومية إذا صح التعبير …