النموذج الجديد في المقاومة العالمية…بقلم صلاح المصري

ستبقى عملية اغتيال الشهيد قاسم سليماني لحظة فارقة في تاريخ الصراع الأمريكي الإيراني، حيث اختارت الإدارة الأمريكية أن تضع حدا معنويا ورمزيا وماديا للقوة الإيرانية الصاعدة، وتوجه رسالة قوية إلى المنطقة والعالم تؤكد من خلالها على أن الصعوبات التي واجهتها السياسة الأميركية لن تضعف قيادتها وهيمنتها على منطقة غرب آسيا،بما تمثله من قيمة استراتيجية في التجارة العالمية وموارد الطاقة التقليدية والجديدة.

والسؤال الذي يبقى مجالا للجدل والحوار،كيف يمكن تقييم الرد الايراني على الضربة الأميركية النوعية التي استهدفت قائدا كبيرا في النظام والثورة الإسلامية ومجمل محور المقاومة؟

1~ الشهيد قاسم سليماني،رمز الثورة والمقاومة:

ينظر كثيرون إلى أن الحاج سليماني هو الرجل الميداني الأول في السياسة الخارجية العسكرية الإيرانية طيلة العقدين الماضيين،و انه شارك على جميع المواجهات التي دارت في منطقة غرب آسيا بين فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن،و أن القيادة الإيرانية اختارته ضمن رؤية استراتيجية تعمل على تأسيس ظاهرة جديدة في العالم تأخذ اسم ” المقاومة العالمية” ونواتها الأساسية هي قضية القدس،بما تمثله من قيمة في حسم الصراع ضد الامبريالية والغطرسة الأمريكية،و ظهر جليا أن إيران تعمل ضمن مسارين من السياسة الخارجية،مسار ديبلوماسي رسمي مرتبط بالحكومة الايرانية ومسار مواز مرتبط مباشرة بالولي الفقيه ويعبّر عن الثورة الإسلامية ومصالحها العالمية الكبرى،تلتقي الديبلوماسية الناعمة والعسكرية عند القائد وعند ثوابت المصلحة الوطنية العليا،و تتبادل الأدوار والمنافع،و تتم إدارة نقاط الاختلاف والتناقض بينهما ضمن مؤسسات رسمية،مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس الأمن القومي.

إن القرار الإيراني بمنح الحاج سليماني صفة ناطق عسكري رسمي وقائد رسمي لكل العمليات العسكرية الإيرانية في المنطقة،و إبراز دوره الميداني في الحرب ضد داعش والجماعات الإرهابية ودوره في دعم فصائل المقاومة الفلسطينية كان إعلانا واضحا على مرحلة جديدة في المواجهة مع الأمريكان والصهاينة وتثبيتا لعنوان سياسي وعسكري يتم التعبير عنه باسم ” محور المقاومة “.

و في عملية تثبيت ثقافة الإنتصار فإن ظهور القائد الميداني يمثّل اضافة نوعية في الحرب الناعمة التي يقودها العدو ضد أمتنا، ونفس عملية الاستهداف الأمريكي تؤكد القيمة المعنوية لظهور القائد الميداني للنصر.

إن الثقافة الجديدة التي يؤسس لها محور المقاومة والتي تضع المسألة المعنوية والأخلاقية في قمة أولوياتها تحتاج ضرورة إلى ظهور قائد عسكري يتمثلها ويجسدها ويقدّسها ويقترب بها من جميع المقاومين في الميدان حتى تنتقل إلى القلوب والعقول والسواعد،فالنصر الذي يطلبه محور المقاومة مختلف عن غيره ويحمل روحا مختلفة وقيما جديدة.

ان للشهيد الحاج قاسم سليماني قيمة معنوية وثورية تفوق كثيرا قيمته العسكرية على عظمتها،فهو القائد الميداني الشجاع والمتخلّق والمتواضع والمؤمن والمجاهد والعاشق للشهادة والحافظ للأمانة.

2~الحرب الأمريكية ضد الثورة الإسلامية والعودة إلى الاستهداف المباشر.

بعد المواجهة المباشرة التي صنعها طلبة خط الإمام في 4 نوفمبر 1979عندما اقتحموا سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في طهران واعتقلوا اكثر من 52 دبلوماسيا أمريكيا،وصفهم الطلبة الايرانيون بأنهم جواسيس يعملون على تخريب الثورة الإسلامية واستمرت الازمة لمدة 444 يوما وانتهت بعد عقد اتفاقية الجزائر،20 جانفي 1981 بالإفراج عن الرهائن لكن الامام الخميني اعتبر ذلك الحدث ثورة ثانية وجعله مناسبة سنوية يحتفل بها الشعب الايراني تحت عنوان ” اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي “،

بعد هذه الخسارة الأمريكية تحولت المواجهة الى اعتماد أدوات غير مباشرة وحرب شبيهة بالباردة،و توسعت تدريجيا ساحات المواجهة وارتبط فيها المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة كلها،

و بدت عملية اغتيال الجنرال الشهيد قاسم سليماني،في الوهلة الأولى،عودة أمريكية الى المواجهة المباشرة ومحاولة للثأر من عقود أربع تراجع فيها المشروع الأمريكي امام القوة الإيرانية الصاعدة،و تعبيرا عن عقدة تنامت في أوساط الإدارة الأمريكية والصهيونية وبين عملاء الأمريكان،فبحثوا عن عملية استعراضية لا يمكنها مطلقا تحقيق نتائج ميدانية حقيقية حيث تمت تجربتها مرات عديدة في لبنان وفلسطين وسوريا وأدت باستمرار إلى تعزيز الصمود والإصرار واكتشاف طاقات جديدة وعظيمة وتوحيد الجبهة الداخلية في محور المقاومة،و لكن عملية اقتحام أجزاء كبيرة من السفارة الأمريكية في بغداد اخر شهر ديسمبر 2019 من طرف الحشد الشعبي والتي انتهت بتهريب السفير الأمريكي في طائرة مروحية،رفع من منسوب الخشية الأميركية من أن ينجز الحشد الشعبي نفس الخطوة التي تجرّأ عليها طلبة خط الإمام قبل 40 عاما تقريبا،و يقودون ديبلوماسي السفارة إلى رهائن وعندها تكون الكارثة المدمرة على الولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية،

فهو اغتيال دفاعي في واقع الأمر ومحاولة لعكس الهجوم،

3~ الرد الإيراني : تحويل التهديد إلى فرصة تاريخية:

ليست المرة الأولى التي يبادر فيها المحور الأمريكي والصهيوني إلى شنّ عدوان على المنطقة ويستهدف تصفية قوى المقاومة وتنتهي النتيجة عكسية وينقلب فيها المكر على صانعه،و لعل الشاهد المعروف هو حرب تموز 2006 ضد حزب الله ويليه العدوان السعودي الأمريكي على اليمن ويبدو أن استشهاد القائد سليماني سيكون أعظمها فالعالم كله انتظر الرد الإيراني ويمكننا اعتبار الرد اوسع من العسكري المباشر رغم أهميته القصوى في اللحظة التاريخية من عمر محور المقاومة،

~أولا، يمكن النظر إلى المسيرات المليونية التي انطلقت في إيران بمناسبة جنازة الشهيد سليماني على أنها الرد الشعبي الذي بعث شعور الندم في الادارة الامريكية والصهيونية وقد تفاجأ العالم كله وهو يتابع الأمواج البشرية في حنوب غرب إيران،منطقة الأهواز-الأحواز العربية،وفي طهران وفي كرمان،و كانت المسيرات استفتاء شعبي يؤكد ضرورة القصاص العادل من المعتدين ويؤكد مكانة الحرس الثوري عند الشعب الايراني واستعداد الشعب لتحمّل مزيد من التضحيات على خط الكرامة الوطنية وخط المقاومة للمحتلين الأمريكان،

-ثانيا ~وحدة محور المقاومة،بعد مخططات كثيرة نسجها العدو الصهيوني والأمريكي في خط تفتيت الأمة ومحور المقاومة على قاعدة مذهبية فإن استشهاد القائد سليماني أدّى مباشرة الى دفن ذلك المشروع وكانت مشاركة عدد مهم من فصائل المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس وشهادة اسماعيل بكل وضوح :

” ان قاسم سليماني شهيد القدس شهيد القدس شهيد القدس ”

و التأبين الذي تمّ في غزة وبيانات مختلف فصائل المقاومة أدى إلى ولادة مرحلة جديدة في تاريخ محور المقاومة تعافى فيها نهائيا من بقايا تلك السموم التي بثها العدو مازال يحاول،

ثالثا ~لكن يبقى الرد العسكري الإيراني يحمل قيمة سياسية كبيرة ويكشف عن حقيقة ميدانية كانت تنتظر الفرصة للظهور،لقد انتهى العصر الأمريكي وانتهت العربدة الأميركية وأن محور المقاومة يملك المقومات الأساسية للمواجهة المباشرة،و قامت الصواريخ الايرانية بحمل الرسالة قوية وواضحة إلى العالم كله وقد زاد الوجع الأمريكي عندما أضطر إلى تخفيف قيمة الخسائر وهو الذي كان يقوم بعملية تضخيم لابتزاز الأعداء والأصدقاء فزاده ذلك هوانا وضعفا أمام المارد الإيراني، ولم يكتف محور المقاومة بهذا الرد العسكري المباشر ،و انما تمّ الالتزام بهدف كبير على مستوى المنطقة كلها وهو انهاء الوجود العسكري الأمريكي،و بدأت الخطوات الأولى بقرار من البرلمان العراقي.

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه