Btc roulette

النهضة تُناور..وسعيّد لن يمتثل إلاّ لإرادة الشّعب!!…بقلم الناشط السياسي محمد البراهمي

تعيش تونس على وقع تغييرات سياسية جذرية وتحولات مهمّة ، فقد فتح الخامس والعشرين من جويلية 2021 مرحلة مهمّة من التحولات والتغييرات الكبرى، أولها التغييرات السياسية حيث فتح مرحلة الخروج من الأنظمة الفاشلة أو التسلطيّة والتي هيمنت على المجال السياسي والدخول في مسار تغييرات سياسية عميقة لبناء نظام ديمقراطي جديد..

          حصيلة السنوات العشر التي تولت فيها النهضة وحلفاءها ومن والاها مقاليد الحكم، لم تكن سوى سلسلة من الخيبات والإنتكاسات المتعاقبة والنكث بالوعود والعهود، وتكريس الفئوية ونفوذ اللوبيات، وتفشي المناورات من أجل البقاء في السلطة والتعامل مع الدولة بمنطق الغنيمة بطريقة سيئة ورديئة.. إن هذه الحصيلة هي نتيجة حتمية لانعدام الرؤية وانعدام الكفاءة وسوء الحوكمة واستشراء الفساد والتهريب ونهب ثروات البلاد تحت أنظار حكومات باعت البلاد وفرطت في سيادة الشعب للقوى الأجنبية وللمؤسسات المالية الأجنبية (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي)، فإن المهام التي كلفت بها الحكومات المتعاقبة وخصوصاً حكومة المشيشي من قبل حزامها البرلماني وعلى رأسه النهضة لا علاقة لها بانقاذ البلاد من الأزمة التي تتخبط فيها وبمقاومة البطالة والفقر والبؤس، بل تنفيذ أوامر صندوق النقد الدولي والتمهيد لإقامة نظام استبدادي يقبر المسار الثوري المنطلق في ديسمبر 2011..

          استطاعت الحركة القفز على كل الأزمات والصراعات السياسية وظلت الحزب الذي يقود سفينة الحكم في البلاد لعقد كامل، سنوات أمضتها بحصيلة صفرية على مستوى الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية، لم تحفزها على مراجعة خياراتها وسياستها بقدر ما حفزتها على مطاردة سبل البقاء في الحكم، الأكيد أن هناك أحزاباً شاركت النهضة الحكم، وبالتالي تتحمل معها مسؤولية الفشل، ولكن وحدها النهضة ظلت الحزب الأقوى في السلطة منذ 2011  وطيلة هذه الفترة تغيرت خياراتها التي بلغت حد التناقض من أجل البقاء في الحكم، إنما من دون أن تتغير السياسات في التعاطي مع مطالب الشعب الذي انتفض ضد الاستبداد والفقر والتهميش، وحصل ما كان لابدّ أن يحصل، لأن في تونس  مهما طال أمد البلاء، لا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر، وصلت الأزمة التي تعيش تونس على وقعها منذ عدة اشهر إلى حالة من  التدهور ينذر بالانفجار في أي لحظة،  ونزل التونسيون حشوداً إلى الشارع  يوم 25 جويلية دفاعاً عن حقهم في الحياة، فإستجاب الرئيس قيس سعيّد لإرادة شعبية ملحّة وبعد تحذيرات رئاسية متكرّرة، أقدم على تفعيل الفصل 80 من الدستور وفرض تدابير استثنائية  لمدّة شهر  وثم “إلى إشعار آخر “واستجاب رئيس الدولة لإرادة الشّعب من أجل إنهاء الكابوس ووضع حد للمهازل السياسية التي تسببت فيها النهضة وحلفاءها وكادت تعصف بالبلاد..

          النهضة تتحمل المسؤولية الأولى في كل الأزمات السياسية والمشاكل القائمة في الساحة السياسية لأنّها بقيت تدير خيوط اللعبة السياسية في السنوات العشر الأخيرة وتتحمل القسط الأكبر فيها، وعلى التونسيين أن يعرفوا أن ما قام به بعض السياسيين كان مبنيًّا على المصالح الخاصة والفئوية ولم يكن مبنيًّا على المصلحة الوطنية بأي وجه من الوجوه من خلال خدعة كبرى إسمها خدعة التوافق..و صبت جل تركيزها على سبل البقاء في السلطة، حتى وإن تطلب ذلك دخول تحالفات مشبوهة وأخرى تتعارض معها فكرياً بل وتنتمي إلى المنظومة القديمة، وعلى رغم عدم اكتراث الحركة بالشأنين الاجتماعي والاقتصادي مقارنة بجهودها وركضها من أجل السلطة، فإنها لا تتردد في كل مرة في تحميل شركائها الفشل والترويج لصورة الحزب الذي يواجه العراقيل والتعطيلات، والحال أن النهضة لا تملك حلولاً ولا تصورات عملية للوضعين الاقتصادي والاجتماعي وترفض مصارحة الشعب بذلك خوفاً من خسارة الحكم..

              حركة النهضة بعد أن جربت التشويه والتهديد والوعيد لرئيس الدولة، ثم الكلام المعسول والنفاق والترهدين السياسي ، وبعد أن عولت على ضغوط أمريكية وأوروبية على قيس سعيّد فلم تأت هذه الضغوط ووجدت نفسها معزولة ،  أصبحت تحاول استعادة المبادرة الفالتة منها بالتصعيد والرفع في النبرة، وذلك بعد زيارة وفد برلماني أمريكي إلى تونس بنت عليها قصوراً من الوهم والأحلام انهارت كلّها، وعادت إلى المناورات والبيانات والتنديد في البلاغ التالي الذي تندد فيه ب مواصلة إغلاق مقري السلطة التشريعية والتنفيذية، ودعت إلى رفع التجميد عن البرلمان، يبدو أن حركة النهضة لم تستوعب الدرس، وأسلوبها الوحيد هو المناورة السياسية، حيث تلجأ إلى المناورة تلو المناورة، وأكبر دليل اللجوء إلى الإستقواء بالخارج وبيانات التنديد وهدفها الوحيد العودة إلى المشهد السياسي وإلى سدة الحكم بأي طريقة وبأي ثمن.. وأخيرًا، ومع تأكيد الرئيس قيس سعيّد على أن القرار لن يكون إلاّ تونسيًا نابعًا من إرادة الشعب وأنّه لن يمتثل إلاّ لإرادة الشّعب ، وتشديده على أنّه يرفض الإبتزاز بأى طريقة كانت، نرى أن تونس لن تستجيب لأي ضغوط، وستنجح في أي إختبار يتعلق بسيادتها، كما لا نعتقد أن الرعاة الدوليين، أو حملات العلاقات العامة، أو التقارير والمقالات مدفوعة الأجر فى وسائل الإعلام العربية والأجنبية، يمكنها أن تمنح جرعة أوكسجين لتلك الحركة الإخوانية، التي لفظها الشعب، وتلفظ أنفاسها الأخيرة.. يبدو أنّها لا تزال تُناور وتُعدّل أشرعتها مع اتجاهات الرياح.. والرئيس قيس سعيّد يتمسك بالشرعيّة التي يجب أن تحقق إرادة الشعب لا أن تكون أداة لضرب مصالحه المشروعة، ولا شرعيّة تعلو فوق شرعيّة الشعب التونسي..

           أفرغت سياسات حركة النهضة وانحرافاتها بالديمقراطية الناشئة من مضمونها وأجهضت طموحات التونسيين وتلاعبت بمسقبل البلاد تحت ذريعة الإنتقال الديمقراطي الذي تحول إلى ديمقراطية مزيفة إستفادت منها حركة النهضة التي كتبت دستوراً كلّه مطبات ونظاماً سياسياً عطّل أجهزة الدولة..  وبالتالي جوهر هذه الأزمة السياسية هو النظام السياسي الهجين والنظام البرلماني العاجز والمنتج لطبقة حاكمة فاشلة وانتهازيّة وهي ليست خيار شعب؛ بل هي نتاج واضح للوبيات المال والفساد التي تتحكم في المشهد السياسي التونسي منذ العام 2011، وأعتقد أن تغيير المنظومة السياسية هي الشرط الأوّل والأساسي لأي تغيير جذري في المجالات الأخرى، لأن حكومات ما بعد 2011، كانت تعبيرات متنوعة الأشكال والألوان عن خيارات بارونات الفساد، ولذلك تمّ تشريع كل القوانين التي تُضيّق على التونسيين، وتم سنّ قوانين من أجل أنّ تظلّ الثروة بيد تلك اللوبيات النافذة التي تغلغلت وكونت لوبيات سياسية تعمل لصالحها ،

          المنظومة المنبثقة من دستور 2014 ليست قرآناً مُنزلاً أو قدراً محتوماً، فقد أصبح من الضروري تغيير هذه المنظومة التي لم تنتج سوى الفشل والأزمات والخيبات.. هذه المنظومة أنتجت 10 حكومات فاشلة كليًّا أو جزئياً، وعجزت عن تلبية ولو الحد الأدنى من طموحات التونسيين في الحياة الكريمة وبناء الدولة العادلة.. لأنها قامت جميعها بدون استثناء على المحاصصة والفئوية في المناصب الحكومية، وبالتالي دستور 2014 أسّس لدولة الفساد وأدى إلى الخراب، ولابدّ من دستور جديد ونظام سياسي جديد يرتكز على سيادة الشّعب والفصل الحقيقي بين السلط.. وأرى أنّه لا حل اليوم الاّ بنهاية هذه المنظومة برُمّتها والإنتقال الى الجمهورية الثالثة بالتوافق وتُترجم وتُحقق إرادة الشّعب وتضمن سلمية الإنتقال ونجاعة التعديلات المطلوبة وتحقق طموحات التونسيين في دولة عادلة تقطع مع الفشل الذّريع ..

           أرى أن الوضع الذي تعيشه البلاد على جميع المستويات لم يعد يحتمل مزيدا من الاستمرار، وأن الحل الوحيد  هو تنظيم استفتاء شعبي يُسْأل فيه الشعب التونسي عن نوع النظام السياسي الذي يجب اتباعه، ومن شأن نتائج الإستفتاء أن توضّح إمّا تعديل الدستور أم تعطيله تمامًا ووضع دستور جديد، والأهمّ أنه سيكون بمثابة مؤشّر هام لتحديد القوى التي ستُشكّل عملية الإنتقال من الجمهورية الثانية إلى الجمهورية الثالثة ، ومعرفة أوزانها الحقيقية، لا بدّ لنا أن نسأل إذا كنّا أمام أزمة حكم أم أزمة نظام وفي الحالتين لا يمكننا إطلاقاً الإستمرار في هذه الحالة المعقّدة..و من الضروري أن تتجدد الشرعية السياسيّة على أساس الثقة المتبادلة والتطلع إلى المستقبل بكل ثبات وإصرار على الإنجاز، بعيداً عن الشكوك والتجاذبات والجدل العقيم والولاءات الضيقة، وأن تعود للتونسيين المشروعيّة وسلطة الإختيار لإستفتائهم الحرّ والمباشر على النظام الانتخابي الذي يناسبهم ونظام الحكم الملائم والقيام بالإصلاحات المأمولة بما يُلبي طموحاتهم نحو قيام دولة عادلة تقطع مع الفشل والفساد.. ومن ثم تشكيل حكومة تعبر عن إرادة الشّعب وإقامة نظام يعبر عن إرادة التونسيين ، ..و بالتالي وفي هذا الظرف الإستثنائي الوقوف في صف الرئيس والدولة واجب وطني ضد كل العابثين والمتآمرين والفاسدين.. للخروج بالبلاد إلى شاطئ الأمان بأخف الأضرار..

عاشت تونس حرّة مستقلّة ذات سيادة

عاش الشعب التونسي الحر

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه