بعد عشرين عاما: المقاومة صارت محورا!…بقلم غالب قنديل

كان اندحار العدو الصهيوني عن معظم الأراضي اللبنانية المحتلة بداية مسار بقدر ما جاء تتويجا لمسار سبقه خلال ثمانية عشر عاما من المقاومة الشعبية والعسكرية بعد الاجتياح الصهيوني للبنان وهو اجتياح تشاركت في دعمه وفي تكريس نتائجه السياسية منظومة الهيمنة الغربية الصهيونية الرجعية في المنطقة التي ظلت مكتومة حتى العام 1993 عندما شرعت تظهر في خدمة الحروب الصهيونية مباشرة من خلال مجموعة شرم الشيخ بقيادتها الأميركية السياسية والعسكرية والمخابراتية.

أولا عشرون عاما من التعثر الصهيوني بعد الهزيمة الكبرى التي جسدها التسابق الانتخابي للزعامات الصهيونية منذ العام 1998 على تقديم الخطة الأسرع للخروج من “وادي الدموع “في الانتخابات الصهيونية لعام 1999 والتي دشنت بعد الهزيمة المدوية حالة من الاضطراب السياسي والتراجع الكبير بعد انكسار هيبة الردع التي أقامها الكيان الصهيوني في مسار حروبه العدوانية المتلاحقة منذ النكبة عام  1948 وقد حاول العدو وضع نهاية لمأزقه من خلال التخطيط لحرب الثأر ضد لبنان بعد هزيمة العام 2000 ليثبت ان اندحاره ليس قانونا يحكم عليه طوق الشلل والتراجع فقد جددت حرب في تموز 2006 المأزق الاستراتيجي الصهيوني ولا تزال مقيمة جميع مظاهر هذا المازق في سجال تراكم القوة على الصعيد الإقليمي وتظهر باستمرار في الدوائر القيادية الصهيونية ومراكز الأبحاث دراسات وتقارير تنطوي على الاعتراف المتجدد بان يد المقاومة ما زالت هي العليا وان الاندحار من لبنان هو نتاج قانون جديد في الصراع العربي الصهيوني وفي واقع التناقض الأشمل مع الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة التي قادت بنفسها حروب العدو ضد لبنان وقطاع غزة وسورية ومحاولاته لخنق إيران واستنزافها.

ثانيا شكلت هزيمة العدو في لبنان ومن ثم في قطاع غزة بعد الاندحار الصهيوني تحولا في ميزان القوى سعت الإمبراطوية الأميركية لتعويضه بحضور جيوشها وأساطيلها مباشرة إلى الميدان بعد  تراجع القوة الإسرائيلية وسقوط هيبتها. وكان ذلك التقدير في صلب القرار الأميركي بغزو أفغانستان والعراق في مطلع الألفية الجديدة والحافز الرئيسي لتطوير تقنيات الإدارة من الخلف من خلال الحرب على سورية وفي سياقها غزوة داعش والقاعدة ولكن جميع الرهانات والآمال انقلبت إلى خيبة متجددة رغم نجاح  الإمبريالية الأميركية  في جر دول الناتو إلى مغامرات عسكرية موسعة في الشرق والتورط في دعم عصابات الإرهاب والتوحش ورغم الاستناد إلى حاضن سياسي كبير جمع الحكومات التابعة في المنطقة وتنظيم الأخوان المسلمين  إلى جانب استعمال أساليب متطورة في تزييف الوعي من خلال منصات حياكة البيئة الافتراضية وبعض القوى والجماعات التي انخرطت في ما سمي ثورات الربيع التي توسلت تجديد الهيمنة الاستعمارية بأفواج جديدة من العملاء وقد منيت المحاولات الأميركية المتواصلة بهزائم متلاحقة وخسرت الإمبراطورية وفق جوزيف سنيغلز تريليونات وثق بنودها من داخل المؤسسة الحاكمة وقد نالت اعترافا كبيرا من كبار موظفي ومستشاري الإدارات الأميركية المتعاقبة وتلك الثروات المستنزفة بالمغامرات لم يعوضها حلب الأموال أو النهب اللصوصي للثروات والأسواق بأسنة الحراب أو بسواطير القاعدة وداعش التي استحضرت فلولها بعشرات الآلاف إلى الشرق وكان نصيبها المزيد من الهزائم على النقيض من تمنيات الغربب الاستعماري بدوام الغزو لعشرات السنين.

ثالثا شكل الميدان السوري حاضنا لمعادلات القوة الجديدة وفي ملحمة الدفاع عن سورية انبثقت كتلة مقاومة مقاتلة تعلمت كيف تقاتل معا وطورت من قدراتها فاندمجت خبرات الجيش العربي السوري بطلائع حزب الله بفصائل من المقاومة الفلسطينة بينما حاكت قوى شعبية مقاتلة من العراق واليمن نموذج المقاومة المنتصر واستطاعت ان تعزز دورها وحضورها من خلال التصدي لغزوة التكفير التي كانت حربا أميركية صهيونية بالواسطة كما برهنت الوقائع بينما توسع بذلك الحلف السوري الإيراني الذي صار محورا إقليميا تجمعه شراكة سياسية وعسكرية واقتصادية بروسيا والصين وآخر الشواهد مساهمة إيران في كسر الحصار على فنزويلا وإيصال الإمدادات النفطية المنقولة عبر المحيطات والتصميم الذي يبديه مقاومو اليمن والعراق على تبني قضية فلسطين وحمل شعار التحرير بوصفه التزاما مبدئيا وبينما أكد قادة فصائل المقاومة تعهدهم بطرد الوجود العسكري الأميركي من الشرق ظهرت الشكاوى الصهيونية من طوق الصواريخ الدقيقة الذي يسيج فلسطين المحتلة ويحاصر الأساطيل الأميركية الأطلسية في البحار والمضائق بعدما تكفل أنصار الله باختبارات تؤكد قدرتهم على  تهديد الهيمنة الاستعمارية الغربية على المضائق والممرات في أي حرب قادمة.

رابعا تواظب قوى المحور وخصوصا كل من سورية وإيران على تطوير قدراتها وفي الوقت عينه نقل الخبرات والتقنيات وتعميمها على سائر الشركاء وهو ما يمثل نقطة تحول هامة في معادلات القوة والتوازنات العسكرية التي تكبل الغطرسة الأميركية الصهيونية ولم يبق لمنظومة الهيمنة سوى إحكام الحصار الاقتصادي والمالي على المحور التحرري المقاوم بالعقوبات الضارية وغير المسبوقة مما يطرح التحدي على جميع الشركاء لتطوير القدرات الانتاجية ومعدلات الاكتفاء الذاتي وكسر الطوق المفروض بمبادرات خلاقة وغير تقليدية وباستثمار الدروس من التجارب الناجحة للشعوب في التصدي للحصار الاستعماري إضاقة إلى قيام الشراكات الواسعة والعميقة مع دول الشرق المناهضة للهيمنة وعدم التردد في المبادرة والسعي هجوميا إلى تلك الشراكات التي تسهم في تطوير الإنتاج وتسمح بقيام مرتكزات الاكتفاء الذاتي بتحويل التهديد الاستعماري إلى فرصة حيث ستنبثق من هذا المسار التاريخي منظومة قوة جديدة وشرق جديد متحرر من الهيمنة يتكامل في التصدي للحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي ويشكل كتلة صاعدة اقتصاديا وماليا وعسكريا.