بوليفيا تعود الى شعبها من الفقراء والمحرومين…بقلم الدكتور بهيج سكاكيني*

السياسة العدوانية التي إنتهجتها الولايات المتحدة تجاه دول امريكا اللاتينية منذ خمسينات القرن الماضي حتى لا نعود في التاريخ أكثر الى الوراء لم تعد خافية على أحد وخاصة وأن جزء من أرشيف المخابرات المركزية الامريكية الذي اصبح في متناول العامة مليء بالعمليات الاجرامية التي ارتكبتها هذه المنظمة السوداء من عمليات إغتيالات أو محاولات إغتيال قيادات سياسية ورؤساء دول, الى تدبير الانقلابات العسكرية على غرار ما حدث في غواتيمالا عام  1954 وفي الدومنيكان عام 1963  وفي تشيلي عام  1973 والارجنتين عام 1976 . هذا بعض من التدخلات الانقلابية على حكومات شرعية منتخبة. والمتابع للتاريخ الاجرامي للولايات المتحدة في امريكا الجنوبية التي اعتبرتها أمريكا على انها حديقتها الخلفية وانها تشكل جزء محوريا فيما تسميه “الامن القومي الامريكي” يدرك ان التدخلالت الامريكية في هذه القارة بدأت منذ عشرينات القرن التاسع عشر واتخذت اشكالا مختلفة عبر الزمن من تدخلات عسكرية مباشرة الى دعم الانقلابات العسكرية والديكتاتوريات الى اللجوء الى ما يسمى استخدام “القوى الناعمة” من حصار أقتصادي وعقوبات ودعم قوى المعارضة وتأليب الشارع من قبل المنظمات الغير حكومية المدعومة من قبل المخابرات المركزية الامريكية لاحداث تغيير في الانظمة عن طريق “الثورات الملونة”.

في 10 نوفمبر من العام الماضي وفي احدث إنقلاب على الشرعية الانتخابية أجبر الجيش البوليفي الرئيس المنتخب ايفو موراليس على الاستقالة وترك البلاد بعد إثارة الشارع البوليفي في لاباز من قبل المعارضة التي خسرت الانتخابات الرئاسية وشككت في نتائجها وهو الاسلوب الذي اصبح معروفا للجميع عندما تقوم المخابرات المركزية الامريكية بما اصبح يسمى “بالثورة الملونة” على غرار ما حدث في اوكرانيا 2014 وجورجيا 2003 وغيرها من الدول. وهذا ما حاولته ايضا في فنزويلا ولكنها فشلت فشلا ذريعا لوجود جيش عقائدي وتاييد واسع من قبل القواعد الشعبية للطبقات المحرومة التي استفادت الى حد كبير من عهد شافيز ومادورو.

تسلم الجناح النيوليبرالي الحكم نتيجة الانقلاب على الشرعية في بوليفيا ولمدة 11 شهرا قبل الخسارة التي مني بها نتيجة إجراء انتخابات رئاسية حرة التي اعادت الحزب الذي ينتمي اليه موراليس ” الحركة نحو الاشتراكية” الى الحكم مرة أخرى  وتم تنصيب الرئيس الاشتراكي الجديد لويس ارسي الذي ربح الانتخابات الرئاسية بشكل كاسح على منافسيه حيث حصل على 55% من الاصوات بينما حصل الممثل للتيار الوسطي على 29% أما المرشح المدعوم من قبل الولايات المتحدة والذي قاد حركة المعارضة التي أدت إستقالة الرئيس السابق ايفو موراليس ومنعه من خوض الانتخابات الرئاسية وإبعاده عن البلاد لم يحصل الا على 14% من الاصوات.

والرئيس الجديد لويس أرسي كان قد خدم 12 سنة في عهد موراليس كوزيرا للاقتصاد واليه يعود الفض الاكبر في رسم سياسة إقتصادية أدت الى نمو إقتصادي في البلاد بنسبة 14% وتم تخفيض نسبة الفقر بشكل ملموس تبعا لسياساته الاشتراكية والاهتمام بالطبقة المهمشة والفقراء وخاصة من السكان الاصليين.

ويمكننا إعتبار النصر الكاسح الذي حققه الرئيس الجديد بالانتخابات هو بمثابة تصويت على السياسة والمبادىء الاشتراكية لحكومة الرئيس السابق موراليس والتي شهدت البلاد في عهده نهضة تنموية كبيرة. والى جانب ذلك فإن النسبة المرتفعة 55% لصالح الرئيس الجديد والفارق الكبير بين هذه النسبة بينه وبين المرشح الثاني ستشكل دعما واضحا لرفض اي تشكيك في نتائج الانتخابات وهو الاسلوب الذي تستخدمه الولايات المتحدة كما ذكرنا سابقا لتحريك المعارضة والنزول الى الشارع وخاصة من قبل العناصر المنتمية الى المنظمات الغير حكومية المدعومة من المخابرات المركزية الامريكية التي إزدادت اعدادها بشكل غير مسبوق في بوليفيا. ومن هنا فإن فرص المعارضة والولايات المتحدة والدول الاوروبية بخلق غوايدو بوليفي لن يكتب لها النجاح وعليها ان تتقبل نتائج الانتخابات ولكن هذا لا يعني انها لن تعمل في الخفاء وتضع العراقيل امام الحكومة والرئاسة الجديدة, التي تجابه صعوبات إقتصادية وإجتماعية ناجمة عن التغيير الذي احدثته الحكومة الانقلابية السابقة حيث راكمت ديون بما يقرب من 4 مليارات دولار في خلال فترة 11 شهرا في الحكم ولا شك ان التصدي لجائحة الكورونا ايضا ستشكل عبئا على هذه الحكومة.

واخيرا نشير الى المفارقة التاريخية المصاحبة للاحداث في بوليفيا فها هو ترامب الذي عمل من خلال أجهزة مخابراته الى إجبار موراليس للاستقالة وترك البلاد سيغادر البيت الابيض عاجلا ام آجلا بالرضى أو بالقوة بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية بينما يعود الرئيس السابق موراليس معززا مكرما من قبل شعبه الى بوليفيا بعد ان فاز حزبه بالانتخابات الرئاسية ويا لها من مفارقة.

 

*كاتب وباحث أكاديمي

 

التعليقات متوقفه