تعليقات على بعض ما جاء في المقابلة الصحفية التي أجراها السيد خالد مشعل مع صحيفة ميدل إيست أي…بقلم د. بهيج سكاكيني

في مقابلة صحفية مطولة مع جريدة ميدل ايست أي أجراها السيد خالد مشعل الذي شغل منصب رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس الى عام 2017 هنالك تصريحات لا بد لنا من الوقوف عندها للتوضيح لما لها من تأثير ربما ينعكس سلبيا وخاصة في هذه المرحلة الحرجة وربما الاكثر خطورة ومفصلية في قضية الشعب الفلسطيني وخاصة ضمن التحركات وتوجهات جهات إقليمية ودولية تحاول سحب البساط من تحت الانجازات التي حققتها المقاومة المسلحة في قطاع غزة الغالي على قلوب جميع الفلسطينيين الى جانب المقاومة الشعبية الباسلة والشرسة التي قادها وما زال يقودها شعبنا ضد المحتل والمستعمر وعلى إمتداد كل أراضي فلسطين التاريخية. وللعلم فإن المقابلة نشرت بتاريخ 25 مايو ولكننا تحفظنا عن التعليق آنذاك ولم نرى انه من المناسب نكتب في هذا المجال  أثناء العدوان الصهيوني البربري على أهلنا في قطاع غزة.

المقال نشر تحت عنوان ” خالد مشعل: مسؤول كبير يقول إن حماس تقود النضال الفلسطيني الآن” . ويبدأ المقال مباشرة بما قاله السيد خالد مشعل من ان حماس تقود الان نضال الشعب الفلسطيني لان الدور الرئيسي للقيادة تحت الاحتلال هو قيادة الفلسطينيين نحو الحرية والتحرير”.

لا اظن ان اي إنسان وطني يختلف مع أطروحة ان الدور الرئيسي للقيادة تحت الاحتلال هو قيادة الشعب نحو الحرية والتحرير ولا نختلف من ان القيادة الحالية المتمثلة بفتح السلطة وعلى رأسها السيد محمود عباس لم تسلك ولن تسلك هذا المسار نحو الحرية والتحرير وقد كتب عن هذا الكثير ولا نريد ان نجتر ما كتب حول هذا الموضوع. ولكننا نختلف بالتاكيد مع طرح السيد مشعل من ان حماس تقود النضال الفلسطيني لان هذا إجحاف والغاء لدور منظمات وحركات وفصائل وأحزاب لها دور كبير في قيادة نضال الشعب الفلسطيني ولا نقبل بالمطلق ان يختزل نضال الشعب الفلسطيني أو تمثيله بأكبر فصيلين وبالتحديد فتح السلطة وحماس. شعبنا ونضالاته من اجل نيل الحرية والتحرر أكبر من فتح وأكبر من حماس أو اي فصيل آخر. تصريح السيد مشعل مغلوط لانه يغلب فريقا على فريق آخر ويزيد من حدة التوتر ويعمق الانقسام في الساحة الفلسطينية ولا يسعى لرأب الصدع في هذه الساحة.

إذا كان المقصود من أن حماس لعبت الدور الرئيسي في التصدي للعدوان الهمجي لجيش الكيان الصهيوني فإن هذه حقيقة لا ينكرها احد على الاطلاق فالجميع مدرك ان لدى حماس إمكانيات مادية وعسكرية تفوق غيرها من الفصائل الفلسطينية بحكم الخبرات التي مررت اليها وتراكمت عبر السنوات وقد ساعدتها ظروف ذاتية وموضوعية للنمو الى هذا الحد لا مجال لذكرها هنا. ولا يضاهيها في هذه القدرات والامكانيات في الساحة سوى الجهاد الاسلامي. ومع هذا فإن كل الفصائل مجتمعة ساهمت مساهمة فعالة تبعا لقدراتها وإمكانياتها المادية والعسكرية وتحت مظلة القيادة الموحدة والمشتركة للمقاومة في غزة أو هكذا فهمنا اللهم الا ما إذا كانت الاخبار والتصريحات التي كانت تأتي من غزة كاذبة. نعم كما صرح السيد مشعل ” لقد راى الجميع أن اوراق اعتماد حماس ومكانتها في القيادة الفسطينية قد تم تعزيزها ولقد قادت النضال في الجولات الاخيرة وخاصة في الجولة الحالية”. وأيضا هذا لا ينكره احد وكما قلنا ان ذلك يعود الى الامكانيات المادية والعسكرية لها ولكن هذ لا يؤهل الحركة ان تقود نضال الشعب الفلسطيني الان كما ذكر من قبل السيد مشعل لان ذلك يذكرنا بما يقوله رجالات فتح السلطة ان فتح هي من اطلقت الرصاصة الاولى ويؤخذ ذلك لتبرير ركوب القضية الفلسطينية وإعتبار أن باقي الفصائل بمثابة أشباح يجب ان ينحصر دورها كشاهد زور على ما تقرره فتح وبالتحديد فتح السلطة حتى نكون دقيقين ولال نتجنى على حركة فتح برمتها. وبالتالي وبالمقارنة ضرب اول صاروخ على القدس من قبل حماس ونحن من الذين وقفوا مع هذه الخطوة الجريئة والجبارة لفعلها الوازن عسكريا وسياسيا فإن ضرب هذا الصاروخ لا يعطي الحق بأن المطالبة ترهن حماس على مطالبتها بالقيادة الوطنية الفلسطينية كما جاء في المقال.

وفي معرض الحديث عن موقف الولايات المتحدة من حماس قال السيد مشعل ان حركة حماس على استعداد للتحدث مع الادارة الامريكية. وقال انه من المستغرب ان تستمر إدارة بايدن في الحديث مع طالبان بالرغم من ان طالبان تحارب القوات الامريكية في أفغانستان منذ عقدين من الزمن بينما ترفض التحدث الى حماس التي لا تحارب أمريكا ولكنها صنفت على أنها حركة إرهابية من قبل واشنطن منذ 1997 . وفي رسالة موجهة لادارة بايدن استطرد السيد مشعل ” نحن لا نأخذكم إلى أن تكونوا أعداءنا على الرغم من أننا نعترض على العديد من سياساتك المتحيزة لصالح إسرائيل وضد مصالحنا العربية والإسلامية. لكننا لا نقاتلك. لذلكنحن على استعداد للتواصل مع أي طرف دون شروط”.

لا بد لنا ان نشير الى نقطتين في هذا المجال أولهما الى أن الولايات المتحدة هي ليست فقط عدونا بل هي عدوة كل شعب يحارب من اجل نيل حريته وتاريخ الولايات المتحدة تاريخ أسود ليس في منطقتنا وحسب بل وفي امريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا على سبيل المثال لا الحصر. والكيان الصهيوني يحاربنا بالاسلحة الامريكية التي تعطى له مجانا فهي الى جانب الموافقة السريعة على صفقة اسلحة بمقدار 750 مليون دولار فقد وهبت الكيان مليار دولار لتعويض ما استخدمه من  الصواريخ “الذكية” والقبة الحديدية في حربها الهمجية على قطاع غزة.

أما النقطة الثانية وهي الاخطر ربما لانها تدخل في تعزيز الوضع القائم للانقسام الجغرافي والسياسي بين طرفي الوطن الفلسطيني. هنالك محاولات حثيثة تجري الان لفك الضفة عن قطاع غزة بحيث يلتهم الكيان الصهيوني ما تبقى من الارا ضي الفلسطينية في الضفة الغربية  ويبقى الحال على ما هو في غزة. ومن هنا فإن القول على ان حركة حماس على استعداد للحديث مع الولايات المتحدة متجاوزة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية لتكون المظلة الجامعة لجميع مكونات الشعب الفلسطيني وإعادة تأهيلها كممثل شرعي وحيد لهذا الشعب والناطق بإسمه في اية إتصالات رسمية يعني أننا ضمنيا سنبقى على حالة الانقسام والتجزئة والتعامل مع الطرفين كل على حدة بمعنى فتح السلطة في رام الله وحماس في قطاع غزة مما يضعف الطرف الفلسطيني في اية مباحثات قادمة. وهنالك اخبار تشير الى ان الاتحاد الاوروبي أوكل من قبل الادارة الامريكية للعمل على جمع السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني الى مباحثات لتجري في إحدى الدول الاوروبية وذلك لان إدارة بايدن مشغولة بملفات أخرى وخاصة في صراعها مع الصين الى جانب اجندات داخلية وكذلك لفتور الدور المصري وخاصة بعد أن ارجىء الاجتماع الذي كان من المقرر عقده في القاهرة للامناء العاميين بعد التعنت التي ابدته فتح السلطة  والشروط التعجيزية التي وضعتها لافشال الاجتماع مما اثار الجانب المصري.

وفي معرض الحديث حول الانتخابات التي الغيت من قبل السيد عباس قال السيد مشعل ان حركة حماس لا تخشى الانتخابات وعلى أنها ما زالت متحضرة لخوضها ولكنه في نفس الوقت طرح التساؤلات هل الانتخابات هي العامل الوحيد لانهاء الانقسام وترتيب البيت الفلسطينيي؟ وكانت إجابته على هذا التساؤلات بلا . وذكر ان الشعب الفلسطيني شعب واحد وقضيته قضية واحدة ودعا الى “إنتفاضة شاملة لكل المواقع”. وتابع بأن “شعبنا في القدس والضفة الغربية وأراضي 48  والمقاومة في غزة  والشتات يجب ان يشارك في مسؤولية التحرير”.

نحن نتفق مع السيد خالد مشعل فيما قاله بمسؤولية شعبنا وفي جميع أماكن تواجده في تحمل مسؤولية التحرير ولكننا لا نتفق معه عدم وضع ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وعلى وجه التحديد منظمة التحرير الفلسطينية الاطار الجامع لكل مكونات الشعب الفسطيني من قوى سياسية وإجتماعية ونقابية ومجتمع مدني يجب ان تعطى الاولوية ولم يعد شعبنا تحمل حالة الشرذمة والانقسام وغياب برنامج وطني موحد يحدد اولويات المرحلة الحالية والتوافق على استراتيجية واضحة ووضع الاليات لتطبيق هذه الاستراتيجية على ارض الواقع وموحدين في الميدان ومشتركين في صنع القرار وعدم مصادرة القرار واستئثاره وإحتكاره لصالح هذا الفريق أو ذاك. وبالمناسبة لم يأتي ذكر منظمة التحرير الفلسطينية في المقابلة على الاطلاق ويحق لنا أن نتساءل لماذا هذا من باب التوضيح؟ المرحلة لم تعد تحتمل ان يدعو هذا الفريق الى مظاهرة ضد كذا ويدعو فريق آخر في اليوم الذي يليه مظاهرة لنفس الغرض وتحت نفس الشعار وهكذا دواليك وكأننا في سباق نريد ان نحدد من هو الفائز ومن يستطيع ان يأتي بعدد أكبر الى الشارع. ربما هذا الاسلوب ملائم عندما يكون لك دولة ذات سيادة وليس دولة هلامية ودولة سراب كما هو الحال الان فنحن ما زلنا تحت إحتلال ولا يغرنك الالقاب والمراكز فكلها وهمية وخادعة. نحن ما زلنا في مرحلة تحرر وطني وهذا ما يجب ان يفهمه الجميع ويعمل ضمن إطاره.

* كاتب وباحث اكاديمي فلسطيني

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه