تقييم انعكاسات العولمة حسب القطاعات الاقتصادية وحسب انتماء البلدان في العالم

بقلم: الأستاذ فتحي بوليفه |

يختلف تقييم انعكاسات العولمة حسب مجال الدراسة فتكون اقتصادية، اجتماعية، سياسية، ثقافية، بيئية وجغرافية. كما يختلف التقييم حسب درجة تقدم البلد وحسب مدى استفادته منها، لذلك سيكون الجزء الثاني لهذا التقييم تلخيصا لتلك الانعكاسات ومدى استفادة بلدان العالم منها والتي سنقسمها إلى ثلاث مجموعات: البلدان الغنية، البلدان الصناعية الجديدة والبلدان الفقيرة.

1- الانعكاسات حسب القطاعات

أ- الانعكاسات السلبية

* الانعكاسات الاقتصادية والتكنولوجية

 

– السيطرة الاقتصادية للشركات متعددة الجنسيات على العالم، فالاقتصاد العالمي الجديد يعمل على تحطيم الحواجز الاقتصادية والمالية بين الدول من أجل مصلحة الشركات العالمية. فحسب معطيات سنة 2017 فإن 80 % من المبيعات في العالم تقوم بها الشركات العبرقطرية وهي تمتلك 44 % من قيمة الإنتاج العالمي فيما تبلغ حصة أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية 4.6 % فقط من مجمل الإنتاج العالمي.

– حسب معطيات البنك العالمي فإن حجم المبادلات (الواردات والصادرات) البينية للبلدان النامية في انخفاض مستمر، حيث انخفض من 7.6 % بين سنتي 1991 ـ 1993 إلى 1.9 % سنة 2014.

– التركيز على عولمة رأس المال وليس التكنولوجيا حيث تسعي العولمة لفتح الأبواب أمام الاستثمارات في كل أنحاء العالم دون أن تواجه بأي عائق يمنعها من تحقيق الأرباح وتحويلها إلى خارج البلدان يتعلق المستثمر فيها. عندما الأمر بالتكنولوجيا فأننا سنجد الأمر على العكس تماماً حيث يسيطر العالم المتقدم وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية على أسواق التكنولوجيا في العالم (87% من 160 ألف براءة التي تم تسجيلهم في عام 2000 في العالم كانوا في الولايات المتحدة الأمريكية).

– الإخفاق في تحقيق نسب نمو مرتفعة في البلدان المتقدمة والنامية على حد السواء.

 

* الانعكاسات الاجتماعية

ـ تفاقم مشكلة البطالة في العالم فمن المتوقع أن يرتفع معدل البطالة في العالم إلى الضعف خلال السنوات القليلة القادمة. فالمنافسة في الاقتصاد المعولم لا تأبه بالجانب الاجتماعي، ولم يعد هناك فرص عمل، وقد أخذ قسم كبير من العمال والموظفين يتحول من عقود عمل دائمة إلى عقود عمل مؤقتة من حيث عدد ساعات العمل أو من حيث مدة العقد. كما أن الأجور في انخفاض مستمر. وخلال الأزمة المالية التي عصفت بالمكسيك في عام 1995 فقد 3 ملايين عامل عملهم وانخفضت القوة الشرائية إلى النصف.

ـ القضاء على الطبقة الوسطى وتحويلها إلى طبقة فقيرة، وهي الطبقة النشطة ثقافياً وسياسياً واجتماعياً في المجتمعات المدنية.

ـ ارتفاع نسبة الانحراف وجرائم القتل في العالم فقد أشار التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة عن الجريمة والعدالة لعام 1999 إلى أن الضغط الاجتماعي والاقتصادي الذي يقاس بالبطالة والفوارق الاجتماعية وعدم الرضا بالدخل يمثل عاملا رئيسيا في ارتفاع معدل الجريمة.

ـ زيادة الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في المجالات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجيا. ويضم العالم حالياً أكبر نسبة للفقراء من مجمل سكان الأرض هي الأعلى في التاريخ.

ـ ظهور طبقة فاحشة الثراء تسكن في أحياء خاصة تحت الحراسة المشددة وهي الطبقة التي صعدت على حساب الفقراء والطبقة الوسطى.

* الإنعكاسات السياسية

 

ـ تهديد النظام الديمقراطي في المجتمعات الليبرالية وخضوع معظم الدول النامية لسيطرة المنظمات المالية الدولية وانشغال رجال السلطة فيها بمكافحة البطالة والعنف والجريمة والأوبئة.

ـ تفاقم الحروب الداخلية والإقليمية في دول الجنوب لعدم الاستقرار في النظام العالمي والأنظمة الداخلية في تلك البلدان.

ـ ازدياد نزعات العنف والتطرف، وتنامي الجماعات ذات التوجهات النازية والفاشية في المجتمعات الغربية، الموجهة ضد المهاجرين الأجانب وخاصة من الدول الإسلامية والدول الفقيرة وتزايد انتشار الجماعات الإرهابية الإسلامية.

* الإنعكاسات الثقافية

 

– ساهمت سرعة التقدم في أنظمة الاتصال الدولي، والمواصلات وتطور أنظمة المعلومات والأقمار الصناعية في سرعة الانفتاح العالمي، وأصبح العالم بفضل ثورة الاتصالات والمواصلات قرية صغيرة في خريطة الكون، وأصبحت الهيمنة الثقافية من الدول المتقدمة على غيرها أمراً محققاً.

– لا يقتصر أمر التباين في التعاطي مع عولمة الثقافة على البلدان العربية والإسلامية، فحتى دولة متقدمة كفرنسا تجهد نفسها منذ سنوات وعلى أعلى المستويات الرسمية فيها لإيقاف زحف ما تسميه الغزو الثقافي الأمريكي الذي يجتاح العالم من خلال الأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية والموسيقى وبرامج الكمبيوتر والذي أصبح يؤثر في أذواق وتطلعات الأمم ويهدد الهوية الثقافية للشعوب، فانتشار أفلام هوليوود وأفلام العنف بما فيها أفلام الكرتون مثلا ساعد على انتشار أعمال العنف.

ـ هيمنة الثقافة الاستهلاكية وتهميش الثقافات الأخرى ومحاولة طمس الهويات الثقافية.

* الانعكاسات البيئية

 

إهمال البيئة في سبيل التصنيع اللامتناهي في العالم، فمن المتوقع أن ترتفع كمية الغازات الملوثة للبيئة وأولها ثاني أكسيد الكربون مما سيتسبب في اتساع ثقب الأوزون وارتفاع درجات حرارة الأرض (الإنحباس الحراري) وذوبان الجليد في القطبين. وهذا يهدد المدن الساحلية، إذ أن أربعة أخماس التجمعات السكانية التي يزيد عدد سكانها عن نصف مليون نسمة تقع بالقرب من السواحل…

لمواجهة إشكالية الانحباس الحراري، بادرت دول العالم إلى اقتراح حلول وضمنها تندرج قمم الأرض التي كان آخرها في “طوكيو” بهدف التخفيف من انبعاث الغازات الملوثة للجو، غير ان رفض بعض القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وعدم تفعيل قوى أخرى لقرارات “بروتوكول كيوتو” يجعل الإجراءات محدودة.

ب- الانعكاسات الإيجابية

 

ـ ترتبط العولمة بالثورة المعلوماتية الحديثة والثورة العلمية والتكنولوجية، التي جعلت العالم أكثر قرباً واندماجاً وتأثراً ببعضه البعض فهي التي سهلت وعجلت حركة الأفراد والمنتجات ورأس المال والمعلومات والخدمات، وساهمت في انتقال الثقافات.

ـ جددت العولمة الثقة بالعلم والتكنولوجيا. وأكدت أن عصرنا هو عصر العلم والثورات العلمية كما أكدت أن سر التفوق ومفتاح التقدم والنجاح والوصول إلى مصاف الدول المتقدمة والقوية يكمن في العلم، إذ أن هناك اختراع أو اكتشاف كل دقيقتين.

ـ تعميق الروابط التجارية بين الدول والمساعدة على استهلاك أكبر كمية من السلع من خلال انفتاح الأسواق العالمية على بعضها وانتقال السلع بحريّة وتنشيط الاستثمارات في الدول النامية.

– ولوج التكنولوجيا إلى الدول النامية عن طريق الشركات العبرقطرية بسبب رخص الأيدي العاملة.

– تقديم التسهيلات وتحفيز الدول النامية على إجراء إصلاحات هيكلية في أنظمتها المختلفة لرفع قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية في ظل اشتداد حمى المنافسة في عصر العولمة.

ـ تحفيز الدول النامية على تطوير منتجاتها الوطنية وتحسين نوعيتها وتخفيض تكلفتها لدفع التصدير.

 

2- الانعكاسات حسب البلدان

أ- الانعكاسات على البلدان الغنية

 

حققت البلدان الغنية الاستفادة الأكبر من العولمة في عدة مجالات لكننا سنذكر فقط فائدتين هامتين. تتمثل الأولى في استفادة المستهلك الذي أصبح يتمتع بعرض متنوع من البضائع بأثمان زهيدة تقل عن أثمان تلك نفس البضائع المصنوعة في بلده، مثل شراء المنتوجات النسيجية الصينية… كميا يعتبر هذا الربح هاما جدا للمستهلك. أما الاستفادة الثانية فقد عادت على أصحاب رؤوس الأموال الذين استثمروا في البلدان النامية لانجاز مشاريع وإنتاج بأقل كلفة مستفيدين خاصة من اليد العاملة الرخيصة.

في المقابل تضررت هذه البلدان من نقل صناعاتها المشغلة جدا خاصة لليد العاملة محدودة الكفاءة، كما تضررت من المنافسة المحتدة فيما بينها للسيطرة على البلدان النامية.

قيمت الدراسات الاقتصادية الكمية هذا التأثير للعولمة في البلدان المتقدمة وخلصت إلى أن الإيجابي فيه أكثر من السلبي حيث مكن التقسيم العالمي للعمل من انكباب هذه البلدان على تطوير الصناعات ذات التكنولوجيا العالية وتركت الصناعات البسيطة للبلدان النامية.

بقي المشكل الكبير الذي تعاني منه البلدان المتقدمة وهو كيفية التوزيع العادل للفوائد الضخمة للعولمة على سكانها وتعويض المتضررين منها.

دفعت العولمة البلدان المتقدمة أيضا إلى للتنافس في مجال سن القوانين والحماية الاجتماعية والجباية والتعليم. حتى الآن لا يمكن حصر حصيلة لهذا التنافس، حيث كان في بعض البلدان مجديا ومثمرا، بينما لم يكن مجديا في بلدان أخرى لا تزال تعاني من مشاكل اجتماعية عويصة.

ب- الانعكاسات على البلدان الصناعية الجديدة

 

حتى الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلدان الآسيوية يبدو أن البلدان الصناعية كانت المستفيد الرئيسي من العولمة، لكن بعد انقضاء تلك الأزمة استفادت البلدان الآسيوية من اليد العاملة الكفأة زهيدة الأجر وتدفق الاستثمارات الضخمة من البلدان المتقدمة لبناء اقتصاد عصري ومنظومة تكوين صلبة والخروج من الفقر. لكن هذه الانجازات لم تخف التبعية المالية للبلدان الغنية مما جعلها هشة.

الحصيلة الاقتصادية للعولمة في البلدان الصناعية الجديدة تختلف من بلد إلى آخر، حيث استطاعت كل من كوريا الجنوبية وتايوان اللحاق بركب البلدان المصنعة الغنية، بينما لا تزال بعض البلدان كتايلندا والفيليبين عاجزة عن الاستفادة الحقيقية من الاستثمارات التي وجهت إليها، ونجد في هذه المجموعة بلدان أخرى استفادت جدا من العولمة، لكنها لم تنجح في توزيع ثمارها بعدل بين مختلف مكوناتها الاجتماعية ولا تزال تعاني من فوارق مجحفة بين طبقاتها الاجتماعية أكثر حدة حتى من بعض البلدان الفقيرة.

ج- الانعكاسات على البلدان الفقيرة

 

على المستوى الاقتصادي، لا تزال البلدان الفقيرة على هامش العولمة. الفلاحة، التي تعتبر القطاع الاقتصادي الرئيسي في هذه البلدان، تواجه صادراته سياسة استراتيجية حمائية متشددة من البلدان الغنية، إلا ما قل من بعض المنتوجات البيمدارية التي تحتاجها ولا تنتجها هي. ساهم ذلك في تواصل عجز تلك البلدان عن تحقيق التنمية البشرية خاصة في ميداني الصحة والتعليم.

وعلى الرغم من أن العولمة بدأت أساسا فى المجال الاقتصادي، من خلال الإجراءات الهادفة إلى تحرير التجارة وتسريع حركة التبادل الاقتصادي، فإنها اتسعت بقوة بعد ذلك، بحيث امتدت إلى كافة المجالات، حتى أصبح البعض يصفها بالخطر المحدق بالشعوب خاصة في العالم النامي ونشأت بذلك حركات مناهضة للعولمة في جل بلدان العالم خاصة في البلدان المتقدمة، فهل ستنجح هذه الحركات في دحض الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) أي العولمة؟

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه