Btc roulette

تونس.. “النظام الرئاسي” هو الأنسب للجمهورية الجديدة !!…بقلم الناشط السياسي محمد البراهمي

تونس تمر اليوم بمرحلة مفصلية في تاريخها نحو بناء ديمقراطية صلبة ترتكز على السيادة الوطنية والسلطة للشعب بإغلاق دكاكين الإرتزاق والإرتهان للخارج، وسيذكر التاريخ أنّ مسار الـــــ 25 جويلية ليس انتصارًا لشخص بل للوطن و لإرادة الشّعب التونسي..

ظلت الأزمة السياسية في تونس تتصاعد منذ عشر سنوات من دون حلّ، ويرجع ذلك في جزء منه إلى الدستور، الذي أقرّ في العام 2014 نظاماً تتشابك فيه صلاحيات المؤسسات الدستورية، وانتهى الأمر إلى الصراع بين مؤسسات الدولة.. وأمام حالة الجمود دعا الرئيس قيس سعيّد في أكثر من مرة إلى التوجه نحو تغيير النظام السياسي القائم، فيما تخشى حركة النهضة وحلفاؤها خسارة الامتيازات الانتخابية التي حققها لها نظام تقاسم السلطات ونظام الاقتراع الحالي.. قانون الانتخابات في تونس ونظام الحُكم الهجين الذّي يتم فيه تقاسم السلطة التنفيذية بين رئيس الحكومة والرئيس، يشتغل كعائق لتقدم التجربة الديمقراطية إذ يعمل النظام الانتخابي على منع استفراد أي حزب بأغلبية حكم ويؤدي دوما عبر قانون أكبر البقايا إلى برلمان مفتت لا جامع بين مكوناته سوى التعطيل المتبادل، حيث فشلت في الاندماج وفي تشكيل منظومة حاكمة فاعلة، كما لم تسمح السياسة التوافقية للحزب الفائز بالانتخابات أن يحكُم بمُفرده بل فرض عليه الدخول في سياسة توافقية حتّى يستطيع تشكيل حكومات محاصصة ، و أصبحت أليات الديمقراطية التوافقية تمثل عقبة أمام التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في البلاد..وتحت شعار التوافقية، تخلت الدولة عن قضايا ضرورية، مثل العدالة الانتقالية، ولم يتسنى لها اتخاذ إجراءات جريئة بشأن الاقتصاد أو تشكيل المحكمة الدستورية، أدّت أيضا تلك السياسة التوافقية إلى تطبيق نظام المُحاصصة الحزبية وملء المناصب بمسؤولين تنقصهم الكفاءة اللاّزمة والوعي السياسي المطلوب، ويفتقرون إلى التجربة في إدارة شؤون البلاد، وقد فتح الباب على مصراعيه لتفشّي الفساد والمحسوبية..، إنّ دستور 2014 تمّ وضعه على المقاس و توظيفه من قبل نفس الوجوه و الساسة لتحقيق مآرب لا علاقة لها بالشعب المسكين فأين كان هؤلاء المدافعين اليوم عن الدستور منذ عشرية من الزمن، عشرية الغنيمة و عشرية انتشار الفساد و عشرية تجويع و تفقير المواطن و عشرية “تشليك الدولة”.. لابدّ أن يدرك الشّعب التونسي بأنّ لا فائدة تُرجى بعد، إلّا بأن يتّحد التونسيون جميعاً في رفض ومواجهة هؤلاء الفاسدين المفسدين وأن يقطعوا الطريق على من يريد لهم أن يواجهوا بعضهم بعضاً وينجرّوا إلى الفوضى التي يسعى إليها الكثير من الطامعين والمفسدين من الداخل والخارج ، وأن يعلموا يقيناً بأنّ لا حل ولا دواء يخرج تونس من محنتها و أزمتها الحالية إلّا بأن يُحاسَب الفاسدون جميعاً على كلّ جرائمهم وانتهاكاتهم ونهبهم وسرقاتهم ، من أيّ موقع كانوا ولأيِّ جهة إنتموا.. هؤلاء المستفيدون من دولة الغنيمة، مخاوفهم المُبالغ فيها ليست خوفاً على الديمقراطيّة و إنّما خوفاً من ضياع المغانم.. و تبين أن دُعاة هذه الحقوق الحريات و الديمقراطيّة لا يؤمنون بها، ولا يريدونها لأي مواطن تونسي ، بل يريدون فقط، زعزعة الاستقرار، ونشر الفتن، وتقسيم الوطن إلى دويلات، يسهل السيطرة عليها، واقتيادها، إلى طرق مجهولة..

إنّ إنجاز دستور جديد لا يعني نهاية المطاف، بل هو الخطوة الأولى الآن لمحاولة إنقاذ تونس من الفوضى، والفساد السياسي، و قطع الطريق أمام الإخوان و حلفائهم ، وتفكيك منظومة التمكين في مؤسسات الدولة، والدخول بالبلاد في مرحلة جديدة.. لذا علينا أولاً القيام بتغيير الأسس الخاطئة بدءا من تغيير النظام السياسي و تغيير القانون الإنتخابي واصدار قانون جديد للإنتخابات ، وقانون للأحزاب ، و التأسيس لمقومات جمهورية جديدة، لإرساء دولة القانون القوية و المنيعة.. و إنّ إنعاش الديمقراطية في تونس ، لن يكون فاعلًا إلاّ بجرعة أولية تعمل على تغيير النظام الانتخابي الحالي، كونه يرسّخ هيمنة الأحزاب والقيادات السياسية، ويجعلها قادرة على تحريف إرادة الناخبين بتوزيع الأصوات على مرشحيها، و بالتالي إن الخطوة الأولى يجب أن تكون باعتماد قانون انتخابي جديد يكون قادرًا على كسر دائرة هيمنة الأحزاب والقيادات السياسية.. إنّ تغيير القانون الانتخابي سيُظهر حجم التغيير الذي يريده التونسيون ، وهي خطوة تنهي عملياً التوافقات المغشوشة و التحالفات الظرفية التي كانت تجري في السابق وقادت إلى صعود نواب إلى البرلمان لا يمتلكون وعياً سياسياً كافياً ، فضلاً عن أن البعض منهم كان واجهة للوبيات فاسدة..

إنّ هندسة نظام سياسي على مقاس أغلبية أو أقلية برلمانية كارثة على مستقبل أي بلد، والأزمة الرئيسية في تونس ترجع لوقوعها في فخ وجود رأسين للسلطة التنفيذية، أحدهما قادم من البرلمان، وهو رئيس الحكومة، والثاني قادم بإنتخابات حرّة من الشعب، وهو رئيس الجمهورية، والنتيجة هي شلل النظام السياسى برُمّته وعجزه عن مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية الجسيمة.. لذا فنحن بحاجة ماسة إلى عقد سياسي جديد يؤسس لدولة قادرة ومقتدرة وذات سيادة كاملة، و من غير الممكن أن يتحمل المواطن التونسي ضريبة الصراعات والإخفاقات السياسية والفساد إلى حد التلاعب بقوته اليومي.. أرى أنّ أولى خطوات الحل تبدأ بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني المعدّل لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني المعدّل إلى الرئاسي.. إنّ النظام المعتمد حاليا أدى الى تشتيت السلطة التنفيذية وعرقلة أداء أجهزة الدولة نظرا لتشظيها بين طرفين تغلب على علاقتهما التوتر و لذلك من البديهي المطالبة باعتماد نظام يقوم على تجميع السلطة التنفيذية و هو النظام الرئاسي ، و تتمثل ملامح هذا النظام في وجود مؤسسة رئاسة الجمهورية تنتخب انتخابا مباشرا من قبل الشعب و يتولى رئيس الجمهورية تعيين رئيس للوزراء ليعمل تحت إشرافه و يمارس رئيس الوزراء كل الاختصاصات بالتشاور والتنسيق مع رئيس الجمهورية و يمكن لرئيس الجمهورية إقالة رئيس الوزراء والإشراف على المجالس الوزارية، و يسمح هذا النموذج بتوحيد جهة القيادة في السلطة التنفيذية إذ يقع ضبط السياسات من قبل جهة واحدة تعمل في انسجام متواصل و يصبح التنسيق ممكنا و دائما، و القول بوجود نظام رئاسي لا يعني بتاتا الاستغناء على البرلمان بل يحافظ البرلمان على دوره و على قيمته بوجود ديناميكيات تفاعل بين رئيس الجمهورية و البرلمان و تبرز هذه التفاعلات في مسار سن القوانين حيث تفترض كل القوانين التي يضعها رئيس الجمهورية مصادقة مجلس نواب الشعب عليها، و كلها آليات تدفع الى وجود تناسق بين أجهزة الدولة حتى لا يقع الفصل بين السلطات فصلا جامدا وإنما المحافظة على مقومات العمل المشترك بين الطرفين في إطار فصل مرن بين السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية.. إنّ النظام الرئاسي هو نظام حكم يقوم على فصل تام بين السلطات التنفيذية (الرئيس) والتشريعية (البرلمان) و القضائية .. إنّ الفصل بين السلطات، أصبح من الدلالات الثابتة لأي نظام ديمقراطي، وذلك بعد وقوفها في وجه الأنظمة التي كانت فوق القانون ولا تحاسب ولا تراقب، فالنظام الذي يوازن بين السلطات يحقق الإستقرار السياسي ، و ضرورة أن تكون السلطة التنفيذية بيد شخص واحد،. وإلاّ فلن تُدار الدولة كما يجب حينما تكون السلطة التنفيذية بيد أكثر من شخص.. بينما الوضع في النظام البرلماني أو البرلماني (المعدّل) يختلف، فحتى لو كان يتحدث عن الفصل بين “الصلاحيات” إلاّ أنّ ذلك لا يعني تحقيق توازن بينهما، بالقدر الذي يعني تحقيق تعاون في أعمالهم، و بينما في الحياة السياسية لا يوجد فصل حقيقي بين “السلطات” في النظام البرلماني.. وتجربة النظام البرلماني المعدّل في تونس أثبت لنا أنّ النظام البرلماني له حالتين، إما فوز حزب واحد قوي بأغلبية ساحقة، وهذا يعني تنفيذ البرلمان لسياسات الحكومة بصورة سلسة، وبقاء المجلس مرتبطا بالحكومة و يحقق الإستقرار الحكومي ، و إمّا أن يكون المجلس يتكون من أحزاب عدة ضعيفة، وحينها يُصبح من الصعب جدا إدارة الدولة، وحينها لا يمكن ضمان حقوق الناس والحريات، فضلاً عن تشتيت السلطة التنفيذية وعرقلة أداء أجهزة الدولة نظرا لتشظيها بين طرفين (رئاسة الجمهورية و رئاسة الحكومة) وهذا ما حصل على مدار السنوات الماضية.. و بالتالي يكون النظام الرئاسي الأفضل لتحقيق التعاون اللازم و التوازن لتحقيق السيادة التامة، وبنفس الوقت يحقق مبدأ الفصل التام بين “السلطات”، وهذا له تأثير إيجابي أكبر بكثير من الفصل بين “الصلاحيات” المعمول به في النظام البرلماني المعدّل.. وأعتقد أنّه في ظل بيئة سياسية مازالت في طور البناء والتطور فإن النظام الرئاسي هو الأصلح لتونس ، حتى يمكن أن يكون لدينا توازن دقيق بين السلطات، ولا نسمح لسلطة أن تتغول على السلطات الأخرى، وتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات ، ولهذا يُعتبر النظام الرئاسي، الذي يوفر الفصل التام بين السلطات ، هو الأفضل والأنسب بالنسبة لتونس الجديدة ..

إنّ بناء دولة القانون يختلف عن بناء السلطة وعند البحث عن حلول لإعادة الحركة والحياة للعملية السياسية بعد ان اصابها الشلل فلابد من التفكير بعلاجات تختلف عن سابقاتها ، و لتصحيح مسار العملية السياسية وتصويبها يتطلب ملئ الفراغات التي أنتجتها هذه العملية البائسة منذ عام 2011 الى يومنا هذا. واختيار برنامج حكومي تصحيحي لبناء دولة مؤسساتية حقيقية تستعيد هيبة الدولة.. و بالتالي تونس اليوم و أكثر من أي وقت مضى بحاجة لإنقاذها من أنياب الفساد و التبعية، ولكي نقوم بتصحيح مسار العملية السياسية التي أضرت بالعباد والبلاد..و المرحلة القادمة تحتاج إجراءات تعيد ثقة المواطن في الدولة وإعادة الإعتبار للديمقراطية الحقيقية التي تقوم على أساس حماية مصالح الشعب والعدالة للجميع على قدم المساواة وانهاء الإفلات من العقاب وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، و محاسبة الفاسدين و مافيات الفساد التي تتحكم في مصير تونس هي الأولوية القصوى من أجل إنقاذ ما تبقى من الدولة، وخاصة توفير الحد الأدنى من الكرامة للمواطنين، وهو ما كان مفقودا في الفترة السابقة..

عاشت تونس حرّة مستقلّة
عاش الشعب التونسي العظيم

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه