Btc roulette

تونس: تغيير الدستور.. ضرورة وليس خيارا !!..بقلم الناشط السياسي محمد البراهمي

 

تُعاني تونس منذ العام 2014 أزمة في النظام السياسي تحول دون استقراره وتعريف مصالحه والقيام بوظائفه كنظام سياسي، فمن الأساسيات المفترضة للنظم السياسية بعامة، وجوب امتلاكها لأدوات تضمن لها التكيف مع المواقف الطارئة، وتمكنها من إيجاد الحلول الناجعة لمواجهة تلك المواقف، وتمنح الأنظمة القدرة على الإستمرار، ومنع أي تداعيات من إرباك النظام وفواعله الرئيسيين ، ومن بديهيات النظم أن الأعراف السياسية والدساتير والقوانين النافذة والهياكل المؤسساتية والسلطات هي الكوابح الرئيسية لمنع تصدع النظام و فشله في إحتواء الأزمات.. اتسمت الحياة السياسية في تونس ما بعد 2014 بإنتهازية تنافسية، وفي بعض الأحيان تكون إقصائية حكمت النظام السياسي، وبدلاً من تحقيق وعود بناء نظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة، ويحمي الحقوق، ويرسخ دولة المواطن، ظهر استبداد الأحزاب الدينية أو الإسلام السياسي كواحد من أخطر أنواع الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تاريخ تونس المعاصر، هكذا تجاهل النظام السياسي مفهوم حيادية المؤسسات في الأنظمة الديمقراطية، حيث تكون الدولة محايدة وعدم التدخل في شؤون الأحزاب السياسية، وضمان العدالة في المشاركة وفي الحق باختيار الاتجاهات السياسية والفكرية ضمن دولة مدنية ديمقراطية.. و بالتالي يعيش النظام السياسي التونسي الهجين حالياً أزمة معقدة على المستويات كافة وفي القطاعات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أدت إلى ظهور الاضطرابات السياسية وانعدام السلم الاجتماعي ، وتعدد الولاءات والقيم والمرجعيات الوطنية، وكثرة الصراعات والتناقضات، وتفاقمت ظاهرة التفكك السياسي والتحلل الاجتماعي، وأصبحت أجهزة الدولة مشلولة وضعيفة، مما أدى إلى اللجوء إلى ممارسة العبث السياسي في مراحل زمنية مختلفة أوصلت البلد إلى حافة التقسيم، فضلاً عن اختلال تنفيذ سياسات الدولة الخاصة بالتنمية و العدالة الاجتماعية ، الأمر الذي عمّق أزمات النظام السياسي، إذ أصبح مُعرض لانهياره كدولة مع عدم وجود استراتيجيات ناجعة للوصول بالدولة إلى حافة البناء من جديد.

إنّ أحد أسباب الأزمة السياسية التونسية تكمن في دستورها الذي وُلد بعيوب مرحلة “ما بعد الثورة” ، التي اعتبرت أن مواجهة الاستبداد تكون بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتحصين البرلمان، حتى وضعت صلاحيات الرئيس في منازعة مع رئيس الحكومة وأصابت النظام السياسي بالشلل..، لم يكتب الشعب التونسي الدستور في 2014 ، ولم تشارك في كتابته النُخب الوطنية من المفكريين والأكاديميين ، بل كتبته أيادي حزبية سياسية والاختلاف الإيديولوجي والمكوناتي الكثير بينهم في تقسيمه، قبل أن يتم التصويت عليه، وقد سمي في ذلك الوقت “لجنة صياغة الدستور” المفتقرة إلى المنطق، ولا تملك أي مؤهلات رصينة في كتابة دستور لبلد مثل تونس ، وخصوصًا بعد مرحله انتقالية شهدت الإطاحة بالنظام البائد في 2011.. سنحت الفرصة بعد التغيير السياسي في تونس بعد الثورة ، وفي ضوء الدستور الحالي ان يكون النظام السياسي التونسي نظاماً برلمانياً معدّل ، لم يكن متماهياً مع اسس وخصائص النظام البرلماني أو الرئاسي الذي يقتضي التعاون والتوازن ما بين السلطتين التشريعية و التنفيذية.. في النظام السياسي الحالي الذي أتى به دستور 2014 تم تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ، ومنح مجلس النواب افضلية دستورية وسياسية ادت الى عرقلة اداء الحكومة، والتداخل ما بين سلطة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ، وهذا من شأنه تقوية وتعزيز مجلس النواب على حساب السلطة التنفيذية، واضعاف مركز رئيس الجمهورية ، الامر الذي يتوجب العمل على تعديل دستوري يضمن اقامة التوازن والتعاون ما بين السلطتين التشريعية و التنفيذية..و بالتالي وجوب تعديل الدستور يجب أن يستحضر فشلَ تطبيق النظام البرلماني المعدل والذهاب نحو نظام رئاسي تكون الحكومة مسؤولة أمامه وأمام مجلس النوّاب بعيداً عن وصاية زعماء أحزاب السلطة، و الغاية من جعله دستوراً جامداً معناها الإصرار على بقاء تشوهات ولادة هذا الدستور، في الوقت الذي يُعَد هذا الأمر المبرر الرئيس في الدفع نحو تغييره، لأنّها تعبير واضح وصريح عن مدى قصر نظر القوى السياسية والأطراف التي ساهمت في كتابته ورغبتها في أن تكون الفترة الانتقالية هي الحاكمة والمتحكّمة في مستقبل الحياة السياسية، وهذا خلاف منطق التاريخ الذي تخبرنا تجاربه بأنَّ معيار تطوّر تجارب الأمم ورقيّها مقترن بظروف المستقبل وليس وفق شروط الماضي، وتصحيح التشوّهات في النظام السياسي الهجين الذي أسس لنموذج دولة داخل دولة، لأنَّ تلك القضايا هي التي تعيد ثقةَ المواطن بالنظام السياسي وليس دعاوي وخطابات الإصلاح و الشعبوية البرلمانية و الحزبية .. وفي تجارب الدول التي تسير في ركب الديمقراطية يكون الدستور هو الضامن لحلّ الإشكاليات السياسية التي تواجه النظام السياسي، إلاّ أنه في تجربة تونس ، على العكس من ذلك، بات الدستور الذي كُتب في عام 2014 جزءاً من المشكلة وليس الحل! وأصبح حجر عثرة أمام أيّ محاولة لتجاوز الصفقات والتوافقات في تشكيل السلطات التنفيذية.. وبدلاً من أن يكون الدستور في تونس هو الضامن لتفكيك الانسدادات السياسية، أصبح جزءاً لا يتجزأ من تركيبة هذه الانسدادات و بالتأكيد لم يكن دستوراً نموذجياً لبلد تراكمت فيه الأخطاء السياسية.. يجب رفع ألغام الصياغات المبهمة والملتبسة وتلك التي تحمل أكثر من قراءة وتفسير و تأويل، واستبدالها بصياغات قانونية واضحة لا تقبل الاجتهاد، وتغيير كل ما يشير إلى دولة المكونات التي استغلها المتنفذون في صراعاتهم على السلطة ومكاسبها لمصالحهم الشخصية والفئوية والحزبوية، وأسسوا في ضوئها نظام المحاصصة الحزبية ونهج تقاسم السلطة، وولدوا الانقسام وهددوا وحدة نسيج الشعب التونسي.. لذا فليس صحيحاً بقاء الدستور دون مراجعة أو تغييره ، بل يتطلب الأمر مراجعة بما يتناسب مع التطورات و المتغيرات..و الإصرار على بقاء هذا الدستور هو تعبير أصدق عن رغبة الإخوان و حلفائهم في هذا النظام، لأنه يفكك الدولة الوطنية و كل من يدافع عن النظام البرلماني المعدّل ، يدافع عن المصلحة الاستراتيجية للإخوان.. و قد تبيّن أنّ ما إعتبرناه ثورة كان مؤامرة أتت بالإخوان و اتباعهم ليأخذوا تونس رهينة و يتقاسمون الغنيمة بينهم… الدستور يتعرض لتجاوزات كثيرة و تأويلات من قبل الأحزاب المتنفذة والكيانات السياسية التي كانت تتقاسم السلطة في البلاد، إضافة إلى أن الكثير منها يفسر الدستور بالطريقة التي تحلو له، وهو ما يشير إلى وجود حاجة ماسة لتعديله أو تغييره لمصلحة تونس..

إنّ أول خطوة تحتاجها تونس ، هي إعادة صياغة وكتابة الدستور الحالي الذي جاءت به مجموعة من الإنتهازيين الذين طمعوا في ثروات وأموال التونسيين ، ولأنه كتب على المقاس و من غير إرادة سياسية حقيقية ، وهذا مغاير ومعاكس تمامًا لما تتطلبه التجربة الديمقراطية والوطنية، و في صالح تعزيز الديمقراطية تحتاج هذه المرحلة إلى كتابة وصياغة دستور جديد ، ويتم التصويت عليه عبر استفتاء شعبي من جميع التونسيين ومن حق الشعب رفضه أو الاعتراض على بعض من المواد التي باستطاعة اللجنة أن تغير منها، من حقهم رفض الدستور الحالي لأنه كتب لأجل المصالح الشخصية الحزبية والخارجية لا لأجل خدمتهم وراحتهم وأمنهم..إنّ الأزمات المتتالية والتحديات تؤكد حجم وحقيقة الخلل البنيوي في النظام القائم وطريقة الحكم، وأن المسؤولية التاريخية والوطنية تقتضي العمل الجاد على إنهاء دوامة الأزمات التي تعصف بالبلاد، و يستوجب ذلك الإقرار بأنّ منظومة الحكم التي تأسست بعد عام 2014 تعرضت إلى تصدع كبير و فشلت في إدارة الشأن العام ، ولا يُمكنها أن تخدم المواطن الذي بات محروماً من أهم حقوقه المشروعة، لذا فنحن بحاجة ماسة إلى عقد سياسي جديد يؤسس لدولة قادرة ومقتدرة وذات سيادة كاملة، و من غير الممكن أن يتحمل المواطن التونسي ضريبة الصراعات والإخفاقات السياسية والفساد إلى حد التلاعب بقوته اليومي.. أرى أنّ أولى خطوات الحل تبدأ بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني المعدّل لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية، وبسبب السلوك السياسي الإنتهازي الغنائمي للطبقة السياسية سوف تبقى مؤشرات انعدام الثقة بين المجتمع والنظام السياسي..، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني المعدّل إلى الرئاسي.. و إنّ أحد أهم مداخل اصلاح النظام واستقراره هو الإقدام على تعديل الدستور، بما يوضّح صلاحيات كل سلطة، وحقوق المواطنين وحرياتهم وعيشهم الكريم.. و بالتالي الدعوة إلى تغيير الدستور ضرورة وليس خيارا…

هذه المرحلة المفصلية تقتضي موقفاً موحداً ومتماسكاً مع الرئيس قيس سعيّد والشعب التونسي، وتوحيد الجبهة الداخلية بالغ الأهمية في مثل هذه اللحظة التاريخية للخروج بالبلاد إلى شاطئ الأمان و التصدي للمؤامرات الداخلية و الخارجية .. و لا شك في أنّ الإصلاحات التي يقوم بها الرئيس قيس سعيّد ستطوي مرحلة سياسية امتدت لسنوات من العبث و الفشل من أجل الإتجاه نحو دولة ديمقراطية حقيقية اجتماعية، والخروج من الديمقراطية الفاسدة إلى ديمقراطية سليمة تضمن تمثيلية حقيقية للشعب..

وعلى ضوء ذلك، يبدو أنّ تغيير الدستور و النظام السياسي القائم في تونس سوف يتحول إلى محور رئيسي للتفاعلات التي تجري بين القوى السياسية المختلفة خلال المرحلة القادمة التي تشهد استحقاقات سياسية مهمة، وعلى رأسها الانتخابات البرلمانية في 17 ديسمبر المقبل..

عاشت تونس حرّة مستقلّة
عاش الشعب التونسي العظيم

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه