حقيقة مودّة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم…بقلم محمد الرصافي المقداد

لا يزال السّجال قائما بين طرفين إسلاميين، حول مسائل متعلّقة بأهل البيت عليهم السلام، والطرفان يعتقدان بقيمتهم الدينية والروحية، ومنزلتهم عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك يدّعيان محبّتهم، ونحن لا نشكّ في ذلك قطعا، لأنّ من وقر في قلبه مثقال ذرّة من بغض هؤلاء الأطهار، فسيحشره الله أعمى وأضلّ سبيلا، فكيف السبيل لمعرفة من أعطاهم حقهم الواجب على كل مسلم، ومن بقي على ادّعائه في محبّتهم وتوقيرهم دون أن يصدر منه مؤيّد يعطيه صدقه فيما ادّعاه؟

من هم أهل البيت الواجب محبّتهم واتخاذهم أولياء؟

بداية يجب علينا استحضار النصوص الصحيحة المبيّنة، من هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، موثّقة لدى الأمّة قاطبة، والتي لن يجد أي طرف مناصا من الاقرار بصحّتها، فلا يحتاج أحد إلى التماس سبيل التأويل وإتّباع الظنّ، ذلك أن الظن لا يغني عن الحق شيئا، ومحاولات إدخال من لم ينصّ عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن هؤلاء الأطهار، هو ضرب من التحريف البشري، الذي حرّمه الله من أن يكون في شريعته.

فأقول أوّلا إنّ الإصطفاء سنّة إلهية وكرامة ربّانية، جرت في من مضى من الأمم، فلم يستثني الله أمّة منه، وبما أنه جارٍ بهذا الشكل المتسلسل (إنّ الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذريّة بعضها من بعض)(1) بما أنّ الأمّة الإسلامية يعنيها هذا الفضل، وتشملها هذه الخصوصّية، فإن الاصطفاء فيها قد جرى مجرى التعيين والتنصيص الدّالّ على الصّفوة، كما حصل في من مضوا من الأمم، قال تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا) (2)

لما نزلت هذه الآية كان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيّن مقصدها، وكان من عادته في التبليغ، أن لا يترك شيئا مما أُمر به، دون بيان واضح منه، لكي لا يلتبس الأمر على أمّته من بعده، وقد قام بدوره ذلك على أحسن وجه، وما وصلنا من لبس وشبهات، فهو من تدبير وتحريض الحكام، الذين كانوا مزعوجين من ذلك الإصطفاء الإلهي، وشكّل عاملا فاضحا لتأخيرهم أهل البيت، وأخذ مكانهم في الأمّة تأمّرا عليهم، فعملوا على التشكيك فيه، ومنع النصوص المتعلّقة به تفسيرا.

صحيح أن الآية جاءت ضمن آيات نازلة في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن المُسْتَدَلّ عليه هنا على أساس أنه مخصوص بأهل البيت، المذكورين في الأحاديث الصحيحة، هو جزء من آية في سورة الأحزاب، قد اعتمد صارفوها عنهم وتخصيصها بالنساء، على اساس وحدة السياق، وهو اعتماد باطل، لعدم لزومية وحدة السياق في هذه الآية لاعتبارات عدة، منها أن هذا الجزء جاء مناقضا لما سبقه من الذّكر، بشأن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كقوله تعالى: ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين)(3) وقوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتّقيتن) (4) فما احتملت الآية الأولى، من امكانية صدور الفواحش منهن، والثانية من انّهن لسن كأحد من النّساء شريطة تقواهنّ، وفيه احتمال عكس ذلك بأداة الشرط (إنْ)، من شأنه أن ينفي شمولهن بإذهاب الرجس عنهن وتطهيرهن، وهما من خصوصيات أهل الله الطاهرين، كما هي حال مريم بنت عمران (يا مريم إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين)(5) التي اصطفاها الله وطهّرها، بما أعطاها ملكة العصمة من الوقوع في الأخطاء، ولو كانت الآية من مشمولاتهن لما خاطبهن المولى بذلك النّحو، هذا زيادة على أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خصّهم الله بتأكيد التطهير، تأكيدا تامّا دل على تميّزهم على السّيدة مريم ( ليذهب عنكم الرجس ويطهّركم تطهيرا) فشدّة التطهير هنا، مانعة من الوقوع في الخطأ وارتكاب الذنب، لصفاء معادنهم، ونقاء أرواحهم وسرعة، استجابتهم لأوامر الله وعملهم بأشدّها .

ودليلنا على بطلان وحدة السياق هنا ما جاء في الآية التي في سورة يوسف من قوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين) (6) فتبطل هذه الدّعوى من جهة قرآنية، ومنها نتّجه إلى بيان من هم أهل البيت الطاهرين من جهة النصوص النّبوية، تعريفها بعترته الطاهرين، ذلك أن اغلب المفسّرين الذين جنحوا إلى صرف الآية عن الصّفوة الطاهرة، ومحاولاتهم البائسة لتخصيصها بنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أنهم لم يفلحوا في الإستدلال بنص واحد يثبت دعواهم التي ذهبوا إليها، ومع أنّ نساء النبي لو كنّ معنيات بهذه الآية وخصوصيتها لما تخلّين عنها، ففيها شرف عظيم ومقام رفيع.

كتاب محمد بن جرير الطبري، هو أقدم ما عرفه عموم المسلمين في علم تفسير القرآن، ومن جاء بعده من مفسريه، فهم عيال عليه في الاستدلال برواياته، فقد أخرج في تفسير هذه الآية عددا كبيرا من الروايات، أفادت نزولها في أصحاب الكساء الخمسة وهم: النبي محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، ولم يستدلّ على نزولها في نساء النبي إلا بقول عكرمة مولى ابن عباس، ومقاتل بن سليمان البلخي، المعدودين لدى علماء الجرح والتعديل من الكذابين،( (7

أخرج الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه بأسانيدهم عن أم سلمة(رض) قالت نزلت هذه الآية في بيتي: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.” وفي البيت سبعة، جبريل، وميكائيل، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وأنا على باب البيت، قلت: يا رسول الله، أست من أهل البيت؟ قال: إنك على خير، إنك من أزواج النبي.(8)

لقد كان النبي حريصا على التعريف بصفوته من أهل بيته تنفيذا لأمر الله تعالى، وتكرر منه ذلك دفعا لأي التباس بشأنهم، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: شهدنا رسول اليه 9 أشهر يأتي كل يوم باب علي عند وقت الصلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت:” إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم وتطهيرا”.(9)

وقريب من لفظه عن أبي الحمراء وأنس بن مالك، أخرجهما الترمذي، وأحمد، وابن جرير، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والحاكم، والطبراني، وابن سعد، وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم.(10)

هؤلاء الطاهرين نزلت فيهم آية كريمة، ملزمة بمودّتهم، أجرا لما قدّمه النبي لأمّته، من جهود في التبليغ عن دين الله، وإرساء مجتمعه ونظامه، قال تعالى: ( ذلك الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسالكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) (11)

عَنِ ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ قَرَابَتُكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ ؟ قَالَ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَابْنَاهُمَا. (12)

مودّة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هي أداء لحقّه الذي أجازه الله له مقابل رسالته، شعيرة واجبة على جميع المسلمين، من فهم مودّتهم ومن لم يفهمها، بحيث لا تسقط بجاهلة جاهل أو عناد معاند، قائمة متعلّقة بأعناق الجميع، فمن شاء اتّخذ إلى ربه والى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم سبيلا، والسؤال هنا: أين ذهب هذا الواجب؟ ولماذا أُهْمِل بالأسلوب السّيء الذي حدثنا به التاريخ؟ نعم لقد تناسى هذا الواجب من اتّبع فقهاء السلطان، وائتمر بأمرهم، تحريضا منه على تركه، وتهديدا بالعقوبة لمن يجرؤ على أدائه، وقد ذهبوا في ذلك بعيدا، إلى درجة العداء الصريح، لمن عبّر عن مودته لأهل البيت عليهم السلام، بما رآه لائقا بهم مطمئنا فيه بمعتقده فيهم، سؤال الى هؤلاء إذا قصرت عقولكم عن استيعاب صفوة أهل بيت النبي فلماذا تعاون أتباعهم؟ عفّوا عن ذلك الإثم فإنكم أحزنتم قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلوب أهل بيته بسوء تقديركم.

أما من بقوا على منهاج واجب مودّة هؤلاء الطاهرين فقد عانوا على مرّ التاريخ من ظلم الطغاة وبغي المعتدين على جموعهم وهم في إطار التعبير عن مودّتهم، لا ذنب لهم اقترفوه سوى أنهم أصحاب ذلك الواجب وأهل تلك الشعيرة، يرجون بها قربا إلى الله وأوليائه، تضحياتهم لا تزال تُسجّل في كل مناسبة بدمائهم وأرواحهم التي تزهق من أهل التكفير والإرهاب بلا ذنب جنوه سوى حبهم لأهل البيت عليهم السلام وتعبيرهم عن ذلك بكل تلقائية، ولا أعتقد أن المبغضين سيكفون، طالما أن فيهم صائح فتنة، وداع إليها ومنخرط فيها، وكل يعمل على شاكلته.

المراجع

1 – سورة آل عمران الآية 33

2 – سورة الأحزاب الآية33

3 – سورة الأحزاب الآية 30

4 – سورة الأحزاب الآية32

5 – سورة آل عمران الآية42

6 – سورة يوسف الآية 29

7 – ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص93-97 ترجمة عكرمة وج 4ص173-175 ترجمة مقاتل بن سليمان البلخي المفسر

8 – أبواب المناقب عن رسول الله باب مناقب أهل البيت عليهم السلام ج6ص125ح3787/ سنن الترمذي ابواب تفسير القران/ ومن سورة الاحزاب ج5ص262 ح3205

9 – تاريخ البخاري ج 9 ص25

10 – الترمذي أبواب التفسير باب ومن سورة الأحزاب ج5ص263ح3206

11 – سورة الشورى الآية 23

12 – المعجم الكبير الطبراني ح2576 وح 2608

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه