حول إيجابيات وباءِ كورونا، أو موسم العودة إلى الثقافة والإنسان ! !              

بقلم   فوزي حساينية: كاتب جزائري |

     منذ حوالي أربعة أشهرٍ لا صوت يعلو على صوتِ كورنا ، هذا واقع نعيش في ظلِّه وتحت وطأته جميعا،كما لا شك في أن كورونا قد ألحق أضرارا فادحة ولا يزال بالأفراد والمجتمعات،ولكن هل هذا كل شيء ؟ وهل يمكنُ مثلاً أن تكون لهذا الوباء المثير للفزع والجدل بعض الإيجابيات ، وماذا عساها  تكون؟ نعم ثمَّة إيجابيات ولو أنَّها تتكشف من قلب المعاناة والألم، إيجابيات لم تكن منعدمة قبل هذه الجائحة ولكنَّها أصبحت أكثر أهمية و بروزاً بعد الغزو الكوروني لمختلف أصقاع العالم، فعلى صعيد عام تمَّ إعادة اكتشاف أهمية التضامن الدولي، وأن الدول كما الشعوب في حاجة مؤكدة إلى هذا التضامن،لا فرق في ذلك بين دولة عظمى أو دولة صغرى، مما قاد ولو بصورة أولية إلى وعي أفضل بوحدة المصير الإنساني رغم كل الاختلافات والتبايُنات.

 تم الوقوف أيضا على أهمية مؤسسات ومخابر البحث العلمي،ومدى حيوية امتلاك الدولة قدرات تؤهلها لتصنيع المعدات الطبية، وقد برزت ألمانيا والصين بقوة في هذا المجال، ومنها أيضا هذا التركيز والانتباه المُستحق لأهمية الأطباء والممرضين،وهذا الالتفات المتأخر جدا لأهمية الدور الصحي والاجتماعي لعمال النظافة، الأمر الذي قد يقود بعد جائحة كورونا إلى تقدير أفضل لهذه الفئات ماديا ومعنويا خاصة في الدول المغاربية التي يعاني فيها عمّال النظافة من مشاكل عويصة ماديا ومعنويا بسبب التسلط البيروقراطي، وقلة التقدير للدور الاجتماعي والصحي الذي ينهض به عمال النظافة باللَّيل والنَّهار.

   ومن الجوانب المضيئة لكورونا أننا وقفنا على أهمية بعض الفئآت والجمعيات المؤمنة بثقافة العمل التطوعي ودوره في المساعدة والتخفيف من حجم الضيق والمعاناة، الأمر الذي يجب أن يقود إلى التساؤل بعد كورونا عن جدوى آلا لاف الجمعيات التي تتلقى سنويا سُيولاً من الأموال ولكنَّها لا تقدم أي نفع للمجتمع ، ومنها هذا التحسُّن الواضح في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي خلت إلى حد بعيد من السفاسف والتنابز والتعصب للآراء ، وأصبح التركيز فيها على التوعية والدعوة إلى التضامن، من أهم إيجابيات كورونا أيضا أن الدول وجدت نفسها أمام حتمية عدم التأخر عن مقتضيات اللَّحظة وأولوياتها، فتغيَّرت طرق وآليات اتخاذ القرار مما وجَّهَ ضربة قاصمة للبيروقراطية الثقيلة والمُستنزِفة عادة للكثير من الوقت قبل التصرف،ومن هنا قامت العديد من الحكومات باللجوءِ إلى تقنية الاجتماع والعمل عن طريق العالم الافتراضي-تقنية الفيديو كونفرانس- وهو ما قامت به كذلك الكثير من الشركات لتجنب تدهور أعمالها، وهو تغيُّر لن يتوقف تأثيره عند حدود الأزمة الراهنة، كما رأينا جميعا كيف عاد الحديث قويا وبجدية أعمق عن ثقافة وتقنية التعليم عن بعد، باعتبارها حلاً ناجعاً لمواجهة تداعيات الوضع الحالي،أو ما قد يأتي من أوضاع مماثلة، بل ومن محاسن كورونا أنَّه زودنا بقدرة أكبر، وإحساس أعمق بالتاريخ وصرنا بذلك قادرين على أن نفهم أكثر حقيقة ما عانته الأجيال الإنسانية قبلنا من جوائح وطواعين كنا نقرأ عنها، ولكننا الآن نستطيع أن نشعر بها  شعورا مباشرا.        

  ولاشك كذلك أن موضوع الاقتصاد في زمن كورونا قد عاد بقوة إلى الواجهة، فقبل كورونا تتبادر إلى أذهاننا مباشرة الحسابات المُعقدة، والجداول البيانية،والإحصائيات ومؤشرات البورصة، والبنوك، ورؤوس الأموال، والصعود والهبوط المجنون لقيمة الأسهم وقرارات كبار المسيريين، وكان الغائب الأكبر عن هذا كله هو الإنسان والأخلاقيات التي ينبغي أن تؤطر وتوجه حياته واحتياجاته، لكن مع ظهور واستفحال كورنا وما فرضه من تحديات فيما يخصُّ معاش الناس و قوتهم اليومي، تذَّكر الكثيرون تلك القيم التي تم إهدارها على مذبح البحث الدؤوب عن  النجاح الاقتصادي، وأول هذه القيم، مركزية وأولوية الإنسان التّي فككتها الحداثة تفكيكا، وكذا أهمية الرصيد الأخلاقي في جميع الأحوال، إذ من الثابت والواضح أن أي مجتمع يفتقر إلى رصيد أخلاقي يمتد ليشمل على الأقل القسم الأكبر من النُخب، وأفراد المجتمع، لن يفلح في التصدي البنَّاء لهذا الوباء، ولن يحقق- بعد الوباء- نهوضا اقتصاديا ناجحا ومستمرا، ولو توفرت له مليارات الدولارات، وآلاف المسييرين، وكل الهياكل والمؤسسات المرتبطة بالدولة الحديثة كما نعرفها اليوم، ويكفي هنا أن نشير إلى ما أُثير حول تعامل العديد من الدول المتقدمة مع كبار السن، وما كشفت عنه هذه المعاملة من اضمحلال ثقافي وتدهور إنساني .

  لكن ما هو المقصود بالرَّصيد الأخلاقي ؟ الرَّصيد الأخلاقي ببساطة هو الجانب الثقافي في المجتمع، فلا نجاح اقتصاديا أو سياسيا دون نجاح ثقافي ، يضمن توفر جملة من القيم والمعايير التي تشكل القاعدة المناسبة، وقوة الدفع الكافية ، والإطار القيمي والمعياري الفَعَّال الذي يوفر مُكنة التحرك والتقدم أمام مختلف مكونات المجتمع، وبتعبير آخر فإن الرصيد الأخلاقي يستمد أهميته من كونه هو القاعدة الأساسية التي بدونها لا يمكن للمجتمع أن يشكل رأس ماله الاجتماعي، ورأس المال الاجتماعي كما يُعرفه فرانسيس فوكاياما في كتابه ” الثقة،الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرّفاه الاقتصادي ” هو : “..طائفة راهنة من القيم أو المعايير غير الرسمية والمشتركة بين أبناء جماعة ما ويهيئ لهم بذلك إمكانية التعاون مع بعضهم البعض، وإذا حدث وتوقع أعضاء هذه الجماعة أن آخرين سوف يسلكون على نحو آمن يمكن الركون إليه، فإنّهم في هذه الحالة يثقون في بعضهم بعضا ويكون للثقة دور مادة التشحيم التي تجعل أية جماعة أو تنظيم يعمل ويدور بكفاءة اكبر .

 وهكذا فالمجتمعات التي تفشل في بناء أو اكتساب رصيد كاف وإيجابي من رأس المال الاجتماعي تبقى معرضة لكل ألوان الإخفاقات والاضطرابات والدوران غير المجدي حول الذات، وما ينجم عن ذلك من هدر للموارد وتكريس للحيرة واللاثقة، والشعور الفردي والجماعي، بالضياع واللاجدوى. 

 هذه القضية إذاً قضية الأخلاق والثقافة ، والقيم ، ودورها في نجاح أو فشل تجارب النهوض الاقتصادي والحضاري بمعنى أدق واشمل، هي محل اهتمام كبير لدى الباحثين في الولايات المتحدة الأمريكية ، وعلى سبيل المثال يمكن العودة فضلا عن الكتاب سابق الذكر إلى كتاب ” الثقافات وقيم التقدم ” وهو عبارة عن أعمال ندوة نظمتها جامعة هارفارد منذ عدة سنوات.

الإخفاق في المجال الثقافي والأخلاقي يُؤسس لكل الإخفاقات ومحاولة تجاهل هذه الحقيقة يقود دائما إلى طريق مسدود ولهذا فإن الثقافة مُهمةٌ وتُفسِّر كل شيء،الثقافة التي يعتبرها جوزيف ناي في كتابه ” القوة الناعمة ” بأنها “..مجموعة القيم والممارسات التي تخلق معنىً للمجتمع ” وهذا تعريف جيد بلا شك، لكنَّه قد لا يناسب مجتمعاتنا التي لا تزال تبحث أصلاً عن كيفية الوصول إلى المعنى، والتعريف الذي أراه يناسب حاجتنا ووضعنا هو تعريف الأستاذ “محمد علي آذر شب” أستاذ الأدب العربي بجامعة طهران، ويقول فيه : ” الثقافة هي مشروع تحريك الجماعة البشرية نحو الإبداع الحضاري في مختلف المجالات “، الثقافة إذن مشروع، أي رؤية فكرية ديناميكية، لحاضر المجتمع ومستقبله، وغاية هذا المشروع محددة وشاملة ، جعل المجتمع قادرا على الاضطلاع بالإبداع معتمداً على عبقريته الخاصة، وثقته بذاته الحضارية بالدرجة الأولى، على أن تمتد دائرة هذا الإبداع لتشمل مختلف مجالات الحياة، أي أن الثقافة كمشروع ، لا تستثنِ أحداً، وهذا عين ما يحتاجه المجتمع المغاربي وما هو في أمسِّ الحاجة إليه خاصة بعد التطورات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة المغاربية والعربية منذ عقدين على الأقل.

 وبالعودة إلى سؤالنا الرئيس : هل لكورنا إيجابيات ؟ نعم هناك إيجابيات،رغم ما فيه من سلبيات، وهذه جدلية لا يجب أن نندهش لها، فمن صميم المحن والأرزاء قد تنبثق مزايا لم تكن تخطر لنا على بال،كما لا يجب أن نندهش عندما يقودنا التأمل العميق في هذه الجدلية مباشرة إلى الثقافة وإلى الإنسان لأن الأصل والبداية الحقَّة توجد هناك، وفي وقت الأزمات يبحث الأفراد كما المجتمعات عن الأصل وعن البداية المُنْطَلَقْ، ولاشك أن الأصل والمُنطلق كان دائما وسيبقى ثقافيا إنسانيا، وهذه فضيلة كورونا الكبرى، إعادتنا إلى الثقافة وإلى الإنسان أفلا يستحق كورونا جائزة نوبل للسلام ؟