الرئيسية / ملفات / خيارات الفلسطينيين في مواجهة خطة الضم الإسرائيلية

خيارات الفلسطينيين في مواجهة خطة الضم الإسرائيلية

بقلم: د. باسم عثمان-الكاتب والباحث السياسي |

لموقع يديعوت احرنوت الالكتروني الثلاثاء 30/6/2020 توقع غانتس الشريك الأساسي في الحكومة الإسرائيلية،  انه لن يتم بدء تنفيذ إجراءات الضم غدا الأربعاء وقال:”…الشمس ستشرق من الشرق وتغيب في الغرب..”،  واكد غانتس تأييده لمخطط الضم:” اعتقد ان خطة ترامب هي الاطار السياسي – الأمني الصحيح الذي يتعين على دولة إسرائيل دفعها قدما… واحضار اكبر عدد ممكن من الشركاء الى هذا النقاش من دول المنطقة وبدعم دولي”،  وحول اقوال نتنياهو ان تنفيذ المخطط ليس منوطا بغانتس،  اعتبر الأخير انه:” اذا قررت الحكومة صباح غد فرض السيادة وان الاتفاق “الائتلافي” يسمح بذلك،  فإنني سأضطر الى احترام الاتفاق” ،  هذا في الوقت الذي حدد فيه نتنياهو الأول من تموز/يوليو موعد البدء في تنفيذ إجراءات مخطط الضم.

يبدو أن نتنياهو تسلق شجرة عالية ولا يعرف كيف ينزل عنها،  خصوصا بعد اتساع المعارضة على خطته- فلسطينياً وعربياً ودولياً وحتى داخل كيان الاحتلال وحكومته ( ليس على المبدأ وانما على توقيته)- في ضم الأغوار وشمال البحر الميت،  حيث ما زال الغموض يكتنف عملية الضم وإجراءاتها بانتظار ما ستقرره الإدارة الامريكية،  اذ ليس من الواضح بعد إذا ما كانت حكومة نتنياهو وغانتس ستبدأ في تنفيذ مخطط الضم في الأول من تموز/يوليو الحالي،  أم أنها ستتراجع أمام تداعياته واستحقاقاته،  حيث ان أمريكا تخشى من ان تمس فكرة الضم بعلاقات “إسرائيل” مع العرب التي تربطها بها اتفاقيات معلنة،  في الوقت الذي لن تتخلى فيه أمريكا عن فكرة الاجماع داخل الحكومة الإسرائيلية،  بين نتنياهو وغانتس،  حول خطوات الضم ان كانت كلية او جزئية او رمزية.

ووفق التقديرات فان السيناريو الذي سيتحقّق: هو الشروع في ضمّ جزء من الضفة الفلسطينية المحتلة (30%) طبقاً لـ ” رؤية ترامب”،   أو الامتناع عن أي خطوة حاليا وتأجيلها لتوقيتها الى ما بعد الانتخابات الامريكية،  او اجراء ضم رمزي لمستوطنات او كتل استيطانية،  تساعد نتنياهو على النزول من اعلى الشجرة وايفائه بوعوده الانتخابية،  وما بينهما من سيناريوهات وسط معارضة فلسطينية وعربية وأممية الرافضة لخطة الضم الإسرائيلية بكل “سيناريوهات اجتهاد نتنياهو” لترسيمها،  بالتزامن مع الخلاف القائم بين أمريكا وإسرائيل حول مساحة الضم ومناطقه وأيضا توقيته،  حيث أعرب نتنياهو عن انزعاجه من الاشتراطات الامريكية على “الإجماع الإسرائيلي” داخل الحكومة الراهنة،  للأقدام على أي سيناريو محتمل لخطة الضم الإسرائيلية.

في هذا الإطار ينتهج نتنياهو تكتيك التلويح بانتخابات جديدة للضغط على شريكه غانتس في الائتلاف الحكومي،  وإذا نجح في تمرير خطته في الضمّ ولو جزئيا،  يكون قد أسَّس لمسار يُعزِّز به موقعه السياسي والانتخابي والدعاوي في حال نفذ وعيده بانتخابات مبكرة على خلفية الموقف الداخلي الاسرائيلي من خطة الضم،  ويكون ايضا قد حدَّد عنوان الانتخابات المقبلة ومحور التنافس فيها،  لاستقطاب جمهور اليمين واليمين المتطرف حوله لتحقيق ما يطمح اليه.

ولكن في ظل الخلافات القائمة: بين نتنياهو وغانتس من جهة،  وبين الاشتراطات الامريكية ونتنياهو من جهة اخرى،  وما يدور من خلاف بين كوشنر وفريدمان داخل أروقة الإدارة الامريكية حول الخطوة القادمة للضم،  وكيفية اتخاذها: بالتوافق مع أطراف عربية ودولية أو من دونها،  حيث يرى كوشنر تأجيل الضم القانوني والاكتفاء بالضم والاستيطان الزاحف على الأرض،  والتركيز على فوز ترامب في الانتخابات الامريكية القادمة،  بينما يتحمس فريدمان للضم واغتنام الفرصة التاريخية بوجود ترامب حيث من المحتمل عدم فوزه في الانتخابات القادمة،  ذلك كله يجعل من سيناريو التأجيل حاضراً على أجندة حكومة نتنياهو،   وهو ما تناولته الصحف الإسرائيلية ونوهت اليه.

وهنا،  تبقى الكلمة الفصل للشعب الفلسطيني الذي أعربت عنه كل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من تخوفها من ردة فعله،  وحذَّرت من أن يشكل الضم الشرارة لاشتعال الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ مما يؤدي إلى تغيير المشهد الداخلي والإقليمي والدولي.

سيناريوهات الضم على أجندة “الحكومة الإسرائيلية”:

تأجيل الضم “الكلي أو الجزئي” لفترة مؤقتة:

يقوم هذا السيناريو على تأجيل الضم الى ما بعد الانتخابات الأميركية القادمة،  وفي حال فاز ترامب سيتم دعوة الفلسطينيين للمفاوضات على أساس “رؤية ترامب” من جديد،  وهذا سيكون بمثابة البلسم الشافي وقارب النجاة لسياسات الرسمية الفلسطينية وتكتيكاتها ورهاناتها العقيمة على خيار المفاوضات في انتكاساتها المتتالية وطريقها المسدود،  في الوقت الذي سيتم استثمار ذلك دعاويا واعلاميا من قبل اعلام السلطة و”انجازاتها” في “فرملة” خطة نتنياهو في الضم ومبررا لاستئناف خيار المفاوضات من جديد!!.

ولان “التطبيل والتزمير” الدعاوي والتضليلي للجمهور الفلسطيني من سمات الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية،  متجاهلين عمدا ان اية مفاوضات قادمة “ان كانت بضم او عدمه”،  سيكون سقفها الفلسطيني التفاوضي “رؤية ترامب”: أي المناورة بين الضم “القانوني” للأراضي الفلسطينية والضم الاستيطاني الزاحف من خلال الكتل الاستيطانية وتهويد الارض.

السيناريو الثاني: ضم جزئي او رمزي:

يقوم هذا السيناريو على إقدام الحكومة الإسرائيلية على ضم “جزئي او رمزي” لبعض المستوطنات او لكتل استيطانية او مساحات جزئية من المنطقة (ج) من أراضي الضفة الفلسطينية،  للتأكيد على مصداقية الوعود الانتخابية لليمين المتطرف،  و”لملمة” ما تبقى من جمهور اليمين الإسرائيلي وجمهرته حول شعار الدورة الانتخابية القادمة للكنيست الإسرائيلي،  في مواجهة بيني غانتس الشريك الأساسي في الحكومة الحالية،  ومن ثم دعوة الفلسطينيين لمفاوضات جديدة ماراثونية وعقيمة.

هذا السيناريو سيضع حجر الأساس للضم الكلي و”القانوني” في السياسات الإسرائيلية اللاحقة،  ان فاز نتنياهو او غانتس او أي شريك اخر،  بغطاء عربي ودولي او بدونهما.

السيناريو الثالث: فشل الحكومة الإسرائيلية في الاجماع على اليات الضم:

إذا فشل نتنياهو وغانتس على اجراءات الضم،  هذا يعني الذهاب الى انتخابات مبكرة وجديدة للكنيست،  وهنا ستكون حظوظ نتنياهو الاوفر حظا من غانتس حسب ما تشير اليه اخر الاستطلاعات الإسرائيلية،  ولن يفوز فقط بأغلبية المقاعد النيابية للكنيست،  وانما بالحصانة القضائية من محاكمته من تهم الفساد أيضا.

خيارات الفلسطينيين:

من مساوئ اتفاق أوسلو أنه أفرز نخب سياسية واقتصادية تتباهى في استعراض امتيازاتها ومصالحها الخاصة انسجاما مع انتكاسات الحالة الفلسطينية الداخلية وارتباط مصالحها بوجود الاحتلال،  وهي تعي تماما أن استقرار وضعها المعيشي وأسلوب حياتها يرتبط بوجود مؤسسات السلطتين الفتحاوية والحمساوية (في الضفة والقطاع).هذا يوضّح أنّ قرار “التحلل” الذي اتخذته السلطة الفلسطينية من الاتفاقيات دون استراتيجية وطنية وسياسية واضحة ومتكاملة تقوم على مبدأ الشراكة والتوافق الوطني،  ليس أكثر من ردة فعل،  وهي بذلك تراهن على عودة “المياه الى مجاريها”،  لأنها تدرك تماما ان الاحتلال لا يستغني عن خدماتها وخصوصا في التنسيق الأمني وتخفيض كلفة احتلاله للأراضي الفلسطينية،  في الوقت الذي تتمنى فيه-نتيجة الخلافات الامريكية الإسرائيلية،  والخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية- ان يتم وقف “الضم القانوني” الكلي او الجزئي او تأجيلهما،  ليتسنى لها العودة مجددا الى رهاناتها السابقة وسياستها الانتظارية في “احتلال المواقع الثابتة” وتبني مبدأ “ردة الفعل وليس الفعل نفسه”،  والعودة مجددا الى انتاج “مسيرة السلام” بكل تبعاتها الكارثية على القضية الفلسطينية.

في ذات السياق تعيش بقية أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية أزمات مركبة (بنيوية وبرنامجيه)،  لا تسعى الى احقاق البديل الوطني رغم ادراكها له،  وتحتل موقعها الوسطي في تجاذبات طرفي السلطة الفلسطينية في (الضفة وغزة) وتجتهد في تبرير موقعها هذا على قاعدة اختلال ميزان القوى الداخلي الفلسطيني والإقليمي والدولي،  وطبيعة المرحلة للمشروع الوطني الفلسطيني،  وكمية القمع المزدوج الذي تتعرض له من الاحتلال والسلطة.

ان الرهان على السلطتين الفلسطينيتين في الضفة والقطاع ان تستبدل من خياراتها ورهاناتها وتحالفاتها وحتى امتيازاتها،  وان تكون أقرب الى الخيار الوطني واستحقاقاته الميدانية،  هو ضرب من الخيال وشكل من اشكال المراهقة السياسية،  في الوقت الذي يقع على عاتق كل القوى الوطنية والديمقراطية والمجتمعية والمدنية الفلسطينية ان تمتلك زمام المبادرة في انتاج البديل الوطني وتفعيله دون الاكتفاء بالتلويح به حتى لو كان الثمن باهظا،  لان ما تمر به القضية الفلسطينية يستدعي المواجهة بالفعل وليس التنديد لتكتيكات ردات الفعل للرسمية الفلسطينية.

ما العمل؟:

ان توفير مستلزمات الصمود للشعب الفلسطيني فوق ارضه المهددة باي شكل من اشكال الضم،  هو من أولويات الدفاع الاستراتيجي عن المشروع الوطني الفلسطيني،  وحجر الأساس في برنامج المواجهة للاحتلال ومشاريعه التصفوية،  برنامج يقوم على التوافق والشراكة الوطنية لكل أطياف الحركة الوطنية الفلسطينية انطلاقا من رؤية الواقع والتعامل معه لتغييره،  بكل الخيارات الوطنية الممكنة دون هيمنة او اقصاء،  برنامج يراهن على الجماهير وامكاناتها ويوفر مستلزمات النهوض الوطني من خلال التحضير لانتفاضة شعبية عارمة في كل الأراضي الفلسطينية،  وهي قادرة ان تنتج قيادتها الميدانية والوطنية والسياسية الامينة على أهدافها وطموحات الشعب الفلسطيني.

ان الشعب الفلسطيني بحاجه لاستراتيجية ورؤية وطنيه واقعية تتعامل مع الواقع لتغييره وتعيد للفلسطيني ثقته بنفسه،  “أوسلو” أفرغ القضية الفلسطينية وحول السلطة لمشروع توظيف ومكاسب وامتيازات،  لكن الشعب والوطنية الفلسطينية تمتلك دوما البديل الوطني وخياراته.

على القيادة الفلسطينية أن تعتمد مقاربات وخيارات جديدة،  أو تتنحى جانبا وتفسح المجال لقيادة ميدانية جديدة.

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

أمريكا لم يعد بمقدورها لعب دور الشرطي في العالم…بقلم تحسين الحلبي

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 أدركت الإدارة الأميركية في ذلك الوقت أنها الدولة …