دبلوماسية الكوارث…بقلم عماد خالد الحطبة

يبدو هذا العنوان مألوفاً للكثيرين، لكن الحقيقة إنه عنوان لكتاب للكاتب الأميركي إلهان كيلمان صدر عام 2011 تتويجاً لعقد من الدراسات التي تناولت هذا الموضوع.

ما ميّز هذا الكتاب الواقع في 174 صفحة، شموليته واعتماده على عدد كبير من الأحداث الواقعية، وتناوله الدبلوماسية المرتبطة بالأحداث التي تقع على مستوى عالمي مثل الجفاف في سيريلانكا وإندونيسيا في مطلع الألفية الثانية، أو تلك الأحداث والكوارث التي تكتسب صفة المحلية كما هو الحال في إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة الأميركية عام 2005.

يحاول الكتاب دراسة تأثير المساعدات التي يقدمها العدو في حال الكوارث، وتأثيرها على إحلال السلام بين الأطراف المتصارعة.

يتجنب الكتاب التفاصيل والأرقام والمساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمات الدولية، ويركز على تطور العلاقة بين أطراف الصراع المحليين أو الدوليين في حال ضربت كارثة ما منطقة الصراع.

يخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أن تبادل المساعدات في أوقات الصراع يعزز فرص السلام بين الأطراف المتصارعة، لكن ذلك يكون على المدى القصير فقط، إذ تختفي الجهود الدبلوماسية بعد خفوت وهج الكارثة وتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبلها.

ما دفعني للعودة إلى قراءة هذا الكتاب كان سلسلة الحوادث التي أصابت مصر خلال الأسابيع الأخيرة، وكنت أعتقد أن الكتاب يتحدث عن استغلال الكوارث للضغط على الشعوب والحكومات لتقديم التنازلات في الصراعات الدولية والمحلية.

رغم أن الكتاب لم يتطرق إلى هذه القضية، إلا أنه قدم دراسة مهمة مكّنت السياسيين من القيام بالعكس تماما؛ بل إن الدول الكبرى لم تكتف باستعمال الكوارث الطبيعية كوسيلة للضغط على الشعوب، بل عمدت إلى صناعة كوارثها الخاصة بهدف تحقيق أهدافها السياسية وإخضاع الدول والشعوب للسياسات الاستعمارية.

نستطيع اللجوء إلى الكثير من الأمثلة التاريخية وأبرزها كارثتي هيروشيما وناغازاكي، لكنني سأقتصر على قراءة في الكوارث الحديثة، وما يتعلق بها بمنطقتنا على الخصوص. بالعودة إلى مصر، فبعيداً عن الحدث العابر الذي وقع في قناة السويس، فإن مصر تتعرض لضغوط هائلة من عدة أطراف عربية ودولية من خلال قضية سد النهضة.

رغم أن الظاهر من القضية هو الحديث عن تأثيرات السد على الري والزراعة، إلا أن خطر هذا السد على قدرة مصر على توليد الطاقة يعتبر الأهم، فالطاقة اليوم هي العمود الفقري للتقدم في كافة المجالات الاقتصادية، وحرمان أي دولة من قدرتها على توليد الطاقة يعني التسبب في كوارث اقتصادية، وبالتالي يمكن الضغط دبلوماسياً على مصر لتقديم تنازلات مهمة في ملفات سيادية مقابل ضغط مقابل على إثيوبيا لزيادة حصة مصر من مياه النيل.

في نفس الملف، صنع الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية كارثة ما يسمى بـ”الربيع العربي”، واستغل نتائجها للضغط على الدول ومحاولة ابتزاز تنازلات مهمة منها.

إن ما نراه اليوم من سيطرة الولايات المتحدة على مصادر النفط في سورية، وقيامها مع المليشيات العميلة لها بحرق المحاصيل وتخريب السدود، وقطع الطرقات والمياه عن المواطنين، ثم مفاوضة الدولة السورية على إيقاف عملياتها العسكرية ضد قوات الاحتلال وعملائها، أو محاولة الضغط عليها لانتزاع تنازلات في القضايا السيادية، كل هذه الخطوات تقع في مجال ما يمكن تسميته “دبلوماسية الكوارث” لكنها دبلوماسية لا تشبه ما ذهب إليه كيلمان وغيره من الباحثين.

قبل سورية نهبت الولايات المتحدة نفط العراق وذهبه وحرقت حقوله ودمرت بنيته التحتية، وبعد سورية دعمت العدوان السعودي على اليمن، الذي كان يحصد يومياً الآلاف ما بين ضحايا الحرب والأوبئة ونقص الغذاء.

في سياق الدبلوماسية نفسها لجأت الإدارة الأميركية الجديدة إلى وقف المساعدات العسكرية للمملكة السعودية فيما يتعلق بالحرب على اليمن، لكنها لم تفرض على السعودية طرح مشروع معقول لوقف إطلاق النار، بل على العكس دعمت مع حلفائها في المنطقة ما سمي بالمبادرة السعودية لوقف إطلاق النار والتي رفضها اليمنيون جملة وتفصيلاً.

ويرى بعض الخبثاء أن القصف اليمني لمنشآت النفط السعودية وما نجم عنه من ارتفاع في أسعار النفط يلقى هوى أميركياً، لكون منتجي النفط الصخري الأميركي يحتاجون لسعر برميل نفط يتجاوز 50 دولاراً للاستمرار في العمل، الأمر نفسه ينطبق على قصة ناقلة الحاويات البنمية التي جنحت في قناة السويس والتي لقيت تغطية إعلامية واسعة اتسمت بالتهويل ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، في حين لم تستغرق الأمور على أرض الواقع سوى بضعة أيام لحل الأزمة.

كما يبدو العنوان مألوفاً، فإن المضمون معروف للجميع، ولا نعيده على القراء من قبيل التذكير أو التحذير، لكن لطرح التساؤل هل يمكن أن نستخدم دبلوماسية الكوارث لمصلحتنا على الطريقة التي طرحها إلهان كيلمان؟

في ظل الكارثة الكبرى التي تحيق بالبشرية بانتشار وباء كورونا، شاهدنا نماذج إيجابية لدبلوماسية الكوارث ليس بين الخصوم فقط، ولكن بين الأصدقاء أيضاً.

لعل اتفاقية التعاون الصيني- الإيراني، والموقف السوري من أزمة الأوكسجين في لبنان نماذج تستحق الدراسة والتكرار في العلاقات بين الدول العربية، رغم الخلافات بينها. جميع الدول العربية تعاني من أزمات اقتصادية يمكن للتعاون الثنائي أو المتعدد إيجاد حلول لها وتمهيد الطريق لحل جزء من الخلافات بينها.

نفس الأمر ينطبق على العلاقات مع الدول الصديقة التي تعاني من الصلف الاستعماري مثل كوبا وفنزويلا.

ذات يوم في التاريخ ذاب الجليد الذي غطى علاقات الولايات المتحدة مع الصين فوق طاولة التنس بما سمي في حينه دبلوماسية البينغ بونغ، فهل تدفعنا الكوارث التي تحيق بأمتنا إلى دبلوماسية كوارث إيجابية تعيد إلينا الأمل بالمستقبل؟

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه