راحل في أثر الحسين…بقلم محمد الرصافي المقداد

من قبس الحسين أضاء طريقه، فاق ابا ذر في جرأته ووقوفه في وجه المنحرفين، وسلمان في ترحاله طلبا للدين الحق، والمقداد في اقدامه وامتثاله الكامل لطاعة أهل الولاية، إن شئت قلت إنّه مالك الأشتر هذا الزمان – وما أدراك ما مالك – الذي كان لعليّ كما كان عليّ للنبي (ص)، قد جمع خصال السلف الصالح المذكورين، رضوان الله عليهم، قد قام بواجب الدفاع ليس عن الاسلام والمسلمين فقط، بل كانت جهوده وحركته الجهادية الصادقة، كلها في سبيل إرساء قيم الله سبحانه، والدفاع عن الإنسان الذي كرمه خالقه، أيّا كان عِرقه أو معتقده.

فاق شخصه جُغرافيَا إيران، ليتنقّل منها بصفة متواترة، الى حيث دعاه واجبه المقدس، فلم يعرفه جمهور المسلمين والعالم على حقيقته، إلا بعد أن تحققت أمنيته، التي طالما طلبها وسعى إليها سعيها، وهي نيل شرف الشهادة، دفاعا عن القيم الانسانية الرفيعة، قيم الانسان الكامل، وأكمل انسان بنظره ونظر المؤمنين الصادقين من حوله، هو دون شك أفضل مخلوقات رب العالمين، أبو القاسم محمد صلى الله عليه واله وسلم.

لم يخفى اسم شهيدنا عن أسماع العالم واهتماماته، فقد كان مصنفا رقم واحد لدى المخابرات الصهيونية والامريكية الجادّة في طلب راسه، الساعية بأجهزتها وعناصرها في أثره، والباحثة عنه في كل مكان محتمل وجوده فيه، لما مثّله من عقبة كؤود، وخطر كبير على مخططاتهم الإستكبارية، حيث كان سببا رئيسيا في إفشالها.

ما خفي عن العالم، مسلمين وغيرهم، تاريخ هذا القائد الفذّ، الذي دعاه واجب الدفاع عن مشروع نظامه الاسلامي، كان في بداية حياته الجهادية، مشاركا في أحداث الثورة الاسلامية، ومسهما بقسط معتبر في مراحلها الأخيرة، ثم انخرط بعد انتصارها في سلك الحرس الثوري في مارس1981.

لبى نداء الواجب بالانخراط في الدفاع المقدس عن بلاده – الحرب المفروضة على النظام الإسلامي 1980/1988 – وقاد فيها فيلق محافظة كرمان، تحت اسم (ثأر الله)، واستطاع بمعيّة شباب الثورة، أن يفشل المخطط العالمي، المعدّ من أجل اسقاط الثورة ونظامها الاسلامي، الذي وقفت وراءه امريكا والصهاينة ودول الغرب، وعملاؤهم في المنطقة، وقد تجنّدوا جميعا بأموالهم وتقنياتهم ومخططاتهم، من أجل الايقاع بالنظام الاسلامي الفتيّ وإنهاء وجوده، لكن إرادة الله غلبت مع إرادة الشعب في إيران، فاندحر العدوان، وخاب مسعى أمريكا، وكان مصير مخططها الفشل الذريع، وقد كلفت تلك الحرب العدوانية إيران مئات آلاف الشهداء، من خيرة شباب ثورتها والمتحمسين لنظامها، وكلّف أمريكا وعملاؤها خسائر يصعب حصرها.

استبسال اللواء قاسم سليماني في تلك الحرب، جعله مرات عديدة في مواجهة شهادة مستحقة، لكن الله أبى غير ذلك، من أجل استبقائه للمهامّ التي تنتظره، ليؤديها في المستقبل، وبعد انتهاء الحرب انصرف الى اعادة هيكلة فيلق القدس وتقويته، ليصبح من أقوى الجيوش العالمية.

وبعد انتهاء الحرب المفروضة سنة 1988 تسلّم الحرس الثوري مهمة مكافحة المخدّرات، فعادت كتيبة (41 ثار الله) بقيادته إلى محافظتها (كرمان)، وقامت بالتصدّي لعصابات المهربين، الذين كانوا يعبرون من الاتجاه الشرقي للبلاد، على الحدود المشتركة مع أفغانستان، ثم تمّ تعيينه قائداً لفيلق القدس، في الحرس الثوري في عام 1998، وتقديرا لجهوده تمت ترقيته إلى رتبة لواء سنة 2011.

أمّا نشاطه الخارجي، فباعتبار أن فيلق القدس قد تأسس، من أجل الاستعداد للمشاركة في تحرير القدس، فقد أشرف على تقديم المساعدات والخبرات والخطط العسكرية الى المقاومة اللبنانية والفلسطينية، ولم يتأخر شكر وثناء قياداتها على ما قدّمه من جهود، بحيث اعتبروه شهيد القدس وفلسطين.

ثم اقتضت ضرورة استجابة ايران لنداء الواجب، الذي صدر من الحكومتين السورية والعراقية، في مكافحة الجماعات الارهابية الغازية للبلدين – والتي للحرس خبرات معتبرة في مواجهتها والقضاء عليها- أن يتوجّه الشهيد قاسم سليماني الى سوريا، فأشرف على قيادة معارك بابا عمرو الاستراتيجية (مدينة حمص)، وقد انهزم المسلّحون في تلك المنطقة، التي تعتبر غرفة عمليات مُعدّة لسقوط دمشق. كما أشرف سليماني على معارك في ريف حلب، وفي سهل الغاب في ريف (حماه)، ومدينة (القصير) في ريف (حمص)، كما كان له دور بارز في دحر داعش والنصرة، وبقية الجماعات الارهابية من (تدمر) و(الرقة) و(البوكمال).

أمّا في العراق، فقد كان لسليماني دور مفصلي، في إفشال مخطط سقوط بغداد، بعدما استولت داعش على المحافظات الغربية الثلاث، وبلغ تهديدها العاصمة العراقية، وعلى اثر اصدار المرجع الأعلى للعراق السيد على السيستاني فتواه بتشكيل قوات الحشد الشعبي بتاريخ 15/6/2014 ، قامت ايران بفتح مخازن أسلحتها وشحنها الى العراق، وشارك اللواء سليماني بالعديد من جبهات القتال، ضد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش) ،

أمّا في لبنان، فخلال حرب الثلاثة وثلاثين يوما (12جويلية 2006) في لبنان، كان سليماني هدفاً دائماً بالنسبة للصهاينة، حيث كان الاسرائيليون يعلمون بوجوده على الأرض خلال الحرب، لكنهم عجزوا عن تحديد مكانه، هكذا اثبت هذا القائد العسكري، الذي ارعب التكفيريين والصهاينة والامريكيين على حد سواء، أنه من طينة نادرة، قدم حياته فداء للقيم والمبادئ الانسانية، التي هي مبادئ الاسلام في الحرّية والعزة.

اللواء سليماني لم يفرق بين الارهاب التكفيري والصهيوني، فكلاهما يستهدفان العبث بأمن ومستقبل منطقة الشرق الأوسط، بل أنه أكّد أن القتال في الجبهتين السورية والعراقية، هو من أجل القضية الفلسطينية، والقضاء على داعش التي صنعتها أمريكا، يمثّل إزالة عائق حاولت اقامته، للحيلولة دون تحرير فلسطين.

في لقاء له مع وفد فلسطيني عام 2016 قال الشهيد سليماني: ( نحن غير مستعدين للتفاوض أو المساومة على قضية فلسطين مع أمريكا أو غيرها، وأؤكد لكم ذلك، وأن تُبلغوا إخوانكم، أنّ دعمنا لفلسطين مستمرّ، لأن هذا موقفٌ مبدئيٌ، أصولي وعقائدي نؤمن به إيمانا قاطعا، بحيث لا تتغير المبادئ عندنا، وسيظل تحرير فلسطين معتقداً راسخا لدينا حتى يتحقق هدفنا).

ما ظهر من سيرة اللواء الشهيد سليماني، قليل من حركته المقاومة للإرهاب والصهيونية، ومن سلك بيقين نهج الحسين في مقاومة الظلم وطلب الاصلاح، لا بد أن يكون من أولئك الذين انطبقت عليهم الآية الكريمة: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا.)

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه