#صراع “الصلاحيات”.. تونس في حالة إنتظار..!!

بعد عشر سنوات من الثورة تواجه الديمقراطية الناشئة في تونس، تحديات غير مسبوقة ومخاطر، قد تغير نظرة العالم إليها ويكون ثمنها باهظا.. إلى أين تتجه البلاد و ماهي السيناريوهات المحتملة للخروج من المأزق السياسي ..؟

صراع الصلاحيات طفا على السطح من جديد بين رأسي السلطة التنفيذية يُنذر بمعارك قادمة، بعضها ستكون علنية وأخرى ستدور في الكواليس وداخل المكاتب المغلقة، فالبيئة السياسية الحالية لا تزال صالحة لتأجيج هذا الصراع الذي تستفيد منه أطراف عديدة، وسيكون الخاسر الرئيسي لهذا التوتر المتصاعد الدولة من جهة والمواطنين من جهة أخرى..

أزمة سياسية معقدة ومركبة تأخذ في كل مرة شكلاً جديداً من حروب المراسلات إلى التراشق الخطابي وصولًا إلى قطيعة سياسية تامة بين الرئيس قيس سعيّد من جهة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة هشام المشيشي من جهة أخرى.. ليتحول الصراع إلى معركة كسر العظام بين مؤسسات الدولة ، أمام فوضى الحكم الحالي وطبقة سياسية عاجزة عن إدارة الدولة وتكتفي بالهروب إلى الأمام و إدخال البلاد في حالة فراغ..

يبدو أن التحوير الوزاري كان القطرة التي أفاضت كأس الأزمة السّياسيّة، و يعكس إرادة النهضة وحلفائها في تغيير هوية الحكومة من حكومة مستقلة غير متحزبة الى فريق حكومي يعكس التمثيلية البرلمانية للأحزاب ويفصح حتماً عن استجابة من المشيشي لتوجهاتهم السياسية المبنية أساساً على محاولة إضعاف سلطة قيس سعيّد في الحكم في معركة صلاحيات تخاض بالوكالة ضد الرئيس من طرف النهضة و حلفائها التي تريد أن تضع يدها على الوزارات السيادية، مقابل إقصاء وزراء محسوبين على قيس سعيّد ..

الوضع السياسي الذي تشهده البلاد حرج خاصة في ظل رفض رئيس الجمهورية قيس سعيد قبول الوزراء الجدد محلّ الخلاف في التحوير الوزاري لأداء اليمين الدستوري، وفي الأثناء تتصاعد وتيرة الأزمة السياسية على خلفية التحوير الوزاري بين رئاستي الحكومة والجمهورية ووصول البلاد الى طريق مسدود مع كل ما يحمله ذلك من تداعيات وخيمة على البلاد ، في ظل تمسك كل من رئيسي الجمهورية والحكومة بموقفهما، إذ لا يزال الأول، قيس سعيد، مصرّاً على عدم استقبال الوزراء الذين تحوم حولهم شبهات فساد وتضارب مصالح، في الوقت الذي يتمسك فيه الثاني، هشام المشيشي، بفريقه الحكومي.. معركة كسر العظام تشتد بين مؤسسات الدولة بـ سياسة الهروب إلى الأمام تجعلنا اليوم في حالة من العبث.. أزمة تونس المعقدة و المركبة لا يمكن حلها إلا بالحوار ثم الحوار و تقديم تنازلات من كل الأطراف المتصارعة و لن يكون بالإمكان اللجوء إلى حلول دستورية في ظل غياب المحكمة الدستورية و الأزمة سياسية بامتياز و الحل لا يمكن أن يكون الاّ سياسياً بإمتياز ، و يمكننا القول بأن سيناريوهات الحل تتجاوز القراءات الدستورية في ظل غياب محكمة دستورية بإمكانها الحسم بشكل كلي في المسألة..

و أعتقد أنه لا يوجد حل إلا بقيام رئيس الحكومة بخطوة إلى الوراء والتراجع من خلال سحب الوزراء الذين هم محل احتراز من رئيس الجمهورية، أو بالاستقالة وإعادة التكليف لرئيس الجمهورية.. حيث يحتّم على الجميع الوعي بأنهم في معركة استنزاف لا غالب فيها ولا مغلوب، وأنه لا حل إلاّ بالتخلّي عن أسلوب المغالبة والتحدّي والتصعيد، والتنازل من أجل ألا يغرق المركب بالجميع..

تونس اليوم لم تعد على حافة الهاوية بل هي في الهاوية وسيكون لها تداعيات كارثية إذا لم يتحرك العقلاء من جميع الأطراف لإنقاذ ما تبقى من الدولة و تقديم مبادرة من أجل تخفيض حدة التوتر في البلاد وإنهاء الأزمة السياسية التي تعيشها تونس.. و يجب على الأطراف المتصارعة تغليب صوت العقل والحكمة والتحليّ بروح المسؤولية للخروج من هذه الأزمة التي ستكون نتائجها كارثية، ووضع تونس الذي يدعو الى الأسف والحزن في هذه المرحلة الأكثر تعقيداً ، و قد يصبح وضع البلد محزناً أكثر مع تفاقم الأزمة بشكل خطير ، وستكون تداعياتها على الشعب التونسي وخيمة و بشكل مأساوي ومخيف..لا شك و أن التصعيد بين مؤسسات الدولة سيضع البلاد على حافة المجهول، كما من شأنه أن يعمق الهوة أكثر بين النخبة الحاكمة والشارع الغضب من أدائها..

المشهد السياسي كلّه متعفّن، وهذا التعفّن ناتج عن تدني الخطاب السياسي وعن وجود قطيعة سياسية أفقيّة بين مختلف الأطراف المؤثرة في المشهد السياسي وأخرى عموديّة في علاقة الأحزاب و الإئتلاف الحاكم والحكومات المتتالية بالأطراف المعارضة و بين مؤسسات الدولة نفسها.. ، لهذا لا يمكن تحميل طرف دون آخر مسؤولية التعفّن في المشهد السياسي و الجميع يتحمل مسؤولية مايحصل اليوم في الساحة السّياسيّة..

تبيَّن أن الأزمة سياسية بإمتياز ولا علاقة لها بالاستحقاقات الوطنية والاجتماعية التي تنتظرها فئات واسعة من الشعب التونسي، وأنها مرتبطة بتقسيم المواقع والنفوذ و التموقع في المحطات السياسية القادمة بسياسة المخاتلة ومعارك الكرّ والفرّ .. و تونس اليوم تقتضي أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة إلتقاء الأطراف جميعا لإجراء حوار وطني شامل يتفق فيه الجميع على تغليب لغة العقل والمنطق وتقديم المصلحة الوطنية والترفع عن الحسابات السياسية الضيقة وإيجاد حلول جذرية كفيلة بتفكيك عناصر الأزمة الراهنة لمأزق التحوير الوزاري و الحل لم يعد دستوريا بل هو سياسي بين الأطراف المتصارعة على الصلاحيات، في ظل تشبث الرئيس بموقفه بدل الحوار..

على الرغم من أن كثيرين يرون أن الأزمات تعد من طبيعة المراحل الانتقالية، فإن الوضع الدقيق الداخلي والإقليمي الذي تعيشه البلاد التونسية يحتم على الجميع تغليب المصلحة الوطنية والجلوس على طاولة الحوار، لتجاوز هذه الأزمة،..لا تزال الرؤية غير واضحة إلى اليوم نحو بوادر انفراج الأزمة التي بتواصلها من الممكن ان تكون العواقب وخيمة أكثر في ظلّ وضع اقتصادي ووبائي أصعب ..وبذلك تمّ تجميد مؤسسات الدولة، وفتح المجال لمزيد من أسباب إضعافها وإرباكها من الداخل والخارج.. وإلى أن يأتي ما يخالف ذلك، تونس في حالة انتظار..!!

ويبقى السؤال مطروحاً: من القادر اليوم على إخراج البلاد من الوضع المأساوي..!؟

 

#بقلمے :محمد البراهمي -كاتب صحفي و ناشط سياسي

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه