فلسطين من وعد “بلفور” إلى وعد “ترامب”: من التّطبيع إلى الصّهْيَنة

بقلم د. مصباح الشيباني |

اعتمدت الحركة الصهيونية كما هو موثّق في عديد المصادر التاريخية، منذ و”عد بلفور” (02 نوفمبر 1917) خطة استراتيجية واضحة لتهويد فلسطين وبناء مشروعها الاستيطاني والإمبراطوري في المنطقة العربية عبر مختلف الوسائل والمخططات والخدع والأساطير السياسية وعبر مقولة :” ما أصبح في يدنا هو لنا، وما يزال في يد العرب هو المطلوب”.

ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي تحالف العدو الصّهيوني مع الإقليمية العربية قبل الإعلان عن قيام دولة “إسرائيل”(1948) وبعده ( لقد انطلق هذا المشروع الاستسلامي منذ أن كانت فلسطين خاضعة إلى الانتداب البريطاني إثر الحرب العالمية الأولى عام 1918). فمنذ عشرينيات القرن الماضي، طرحت عديد المشروعات والمبادرات للتّسوية وللتفويت في الأرض العربية في فلسطين وفي غيرها من الأقطار العربية. وبدأ التّطبيل والتهليل، وعبر مختلف وسائل الدّعاية السّياسيّة والإعلامية، من قبل بعض قادة النّظام العربي الرّسمي لوأد الثورات العربية ( 1928،1936، 1976…) ولإسكات صوت البندقية في مواجهة العدو الغاصب لأرضنا وفرض منطق التّعايش السلمي معه.

لقد أصبح الهدف الاستراتيجي لهذا التّحالف العلني أحيانا والمتخفي أحيانا أخرى، بين الحكام العرب والصهاينة، هو العمل على إجهاض أي حراك شعبي عربي أو فلسطيني مقاوم للعدو الصهيوني وقمعه استجابة للضغوط الخارجية أولا، وتحسبا من تداعياته على قواعد أنظمتهم الاستبداديّة ثانيا. ولتحقيق هذه الأهداف، اعتمدت هذه الأنظمة جميع أصناف الحملات في التّشويه الإعلامي والتطبيع الثقافي والمغالطة في التسويق لطبيعة الصّراع القائم بيننا وبين “دولة إسرائيل” في فلسطين المحتلّة، ومحاولة إظهاره على أنّه صراع حدود وليس صراع وجود. كما انخرطت أغلب الأنظمة العربية في مسرحة “المفاوضات” مع العدو منذ 1970وفق شروطه، وأصبحت حليفا رئيسيا له في تصفية المقاومة العربية والفلسطينية بالاغتيالات لرموزها تارة وبالسّكوت عن حروب الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها الشعب العربي في فلسطين وفي غيرها من الأقطار العربية تارة أخرى.

وفي ظل الأحداث الاعصارية التي عاشتها منطقتنا العربيّة منذ عام 2011، سعت هذه الأنظمة، بقيادة حكام إمارات الخليج العربي، إلى خلق حالة من التشتّت الدّاخلي وقلب معادلات الاشتباك مع هذا العدو وتغيير عناوينه وأهدافه، في محاولة منهم لتغيير مسارات التفويت في فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى، أي تغيير “ثوابت التّطبيع” والانتقال به إلى حالة “الصّهينة” ( الانخراط الفعلي في تحقيق المشروع الصهيوني) ووضع الشعب العربي والإسلامي ومقاومته أمام واقع جيو ــ سياسي جديد، وتغيير وجهته نحو عدو وهمي. فتحقيق مشروع “الشّرق الأوسط الجديد” الذي تحوّل مع ترامب إلى “صفقة القرن” والعمل على تحويله إلى واقع ” جيوـ سياسي” كان ومازال يشكل مطلباً ملحّاً وهدفاً مشتركا بين هذه الأنظمة العربية والأحزاب الرجعيّة ــ إسلاموية وليبرالية ــــ وبين الكيان الصهيوني. وأصبح الوطن العربي كله يواجه أخطر مؤامرة من قبل نظم الفتن والابتزاز والنّهب والفساد والتجويع، ويتعرّض إلى أخطر سياسة عدوانية مجنونة تقودها شلل سياسية إسلاموية إرهابيّة أعمتها مصالحها الذاتية الضيقة، وقوى غربية استعمارية أعمتها سياسة الاستعلاء والهيمنة والتفوق المادي والعسكري في نظام عربي رسمي مضطرب فاقد لجميع آليات الضّبط والتوجيه والإستقلاليّة.

إنّ هذه الاستراتيجية الجديدة في الانتقال من “التطبيع” إلى “الصهينة”، انطلقت منذ 2011، ووضعت خطّتها منذ قمة “جامعة الدول العربية” في الأردن ( الدورة العادية عدد28، 2017،) التي تم من خلالها تحويل أولويات النّضال العربي ومقاومته المسلحة للعدو الصهيوني، وتغيير أساليب الاحتواء لهذه المقاومة عبر آليات تطبيعيّة جديدة مثل: الاستبعاد والتّشويه والحصار المادي والإعلامي والرمزي، في محاولة منها لترميم قواعد أنظمتها التي أصبحت متهالكة وآيلة للسّقوط في كل حين.

نعتقد أنّه على الرّغم من انخراط هذه الأنظمة في مشروع “صفقة القرن” عبر تبييض عمليات الاختراق الأمني والعسكري الصهيوني للمنطقة والتحالف معه لتهيئة الطريق نحو قيام “دولة إسرائيل الكبرى”، وإطلاق سطوة مختلف أشكال معاول التّخريب والتهديم “العنيف” و”النّاعم” لوحدة شعوب الأمة واتساع “مدارات الفوضى” فيها، وكلّ محاولات “أقزمة” المقاومة المسلّحة وانتصاراتها وصمودها سواء في لبنان أو في فلسطين وفي سوريا أمام الأعداء، سوف يكون مآلها جميعا الفشل مثلما فشلت محاولات سابقة، وسوف تظلّ تركض وراء سراب “السّلام” و”التطبيع” و”الصهينة” مع العدو مهما تعدّدت وتلوّنت أشكالها “الخشنة” ( عبر الإسلام السياسي والإرهاب) أو “النّاعمة” ( عبر السّياسة والإعلام والاقتصاد)، ولن ينعم العدو الصهيوني بالاستقرار على الأرض العربية، لأنّ الأمر، وبكل بساطة، ليس في عهدة الأنظمة العربية ، ولا في عهدة رؤساء حكوماتها أو ملوكها ولا شيوخها، ولا في عهدة جامعة الدول العربية، ولا في عهدة منظمة الأمم المتحدة، ولكنّه في عهدة الشعب العربي ومقاومته الباسلة في مختلف المواقع وعبر كل الأشكال. ولهذا، فإنّ أيّة جهة رسمية أو غير رسمية، عربية كانت أو فلسطينية، تتواطؤ مع العدو وتقبل التطبيع معه، لا تُمثل إلا ذواتها ولا يمكنها مهما ادّعت من “شرعية” أن تتنازل عن حق ليس من حقّها التصرّف فيه، ويصدق فيها قول الشّاعر:

 

وينبحُون النبح كالكلاب

                     طريقهم ليس على الصّواب

وليس فيهم من فتى مُطِيع

                      فلعْنة الله على الجميع

 

 

التعليقات متوقفه