“فوز اليسار في بوليفيا”: هكذا ثوار..هكذا انتصار

بقلم: عماد خالد الحطبة – كاتب من الأردن |

قبل أيام قليلة انتهت الانتخابات في بوليفيا بفوز مرشح تحالف «الحركة نحو الاشتراكية» اليساري بأكثر من 52% من الأصوات مقابل 15% لمرشح اليمين المتطرف وواجهة الانقلاب الأميركي.

لويس آرسي، المرشح الفائز، كان وزير الاقتصاد في حكومة الرئيس موراليس، أي إنه كان أحد الأشخاص الفاعلين في قرارات حكومة موراليس بتأميم شركات استخراج الليثيوم التي يعتقد الكثيرون أنها كانت وراء الانقلاب على موراليس، لذلك عُرف «بانقلاب الليثيوم» وقد تعزز هذا الانطباع بخروج مدير شركة «تسلا» لصناعة السيارات الكهربائية بـ”تغريدة” على “تويتر” قال فيها:” نحن أقوياء، ننقلب على من نشاء، وفي أي مكان نشاء”.
مثّل اختيار آرسي تحدياً صارخاً لقوى الانقلاب وداعميه، وكان رأي الكثيرين أن يتم اختيار شخصية أقل تهديداً للمصالح الأميركية، لكن «الحركة نحو الاشتراكية» والرئيس السابق موراليس صمموا على التحدي والاختيار. التحدي الآخر، والأكثر قوة، جاء من الشعب البوليفي نفسه، الذي انحاز إلى مرشح اليسار رغم ما يحمله ذلك من مخاطر، أوضحتها تهديدات مرشح اليمين المتطرف، حول إمكانية فرض عقوبات وحصار على البلاد يشبه ما يحدث ضد فنزويلا.
رأى الشعب البوليفي، وقواه الحيّة، أن الوطن والكرامة الوطنية أكبر وأهم من أي تهديد. كانوا مدركين للخطر الذي تلوح به الولايات المتحدة وحلفاؤها الداخليون. فقد عاثت قوى الانقلاب الفوضى في الاقتصاد، وتعيش البلاد أزمة صحية خطيرة بسبب انتشار وباء كورونا، والجيش يقفز متحفزاً ومؤيداً للقوى الانقلابية، وأي أزمة جديدة ستحول البلاد إلى جحيم حقيقي.. لكنهم اختاروا المقاومة.
تحدث المرشح الفائز في أول خطاب له عن المصالحة الوطنية، والبحث عن مقومات الوحدة مع الآخرين لتكون بوليفيا جسداً واحداً في مواجهة الأزمات القادمة. وما لاشك فيه أن «الحركة نحو الاشتراكية» تعلمت من أخطاء الماضي، وهي تدرك أهمية إعادة البناء السياسي والاقتصادي بما يضمن إنهاء دور الاحتكارات الأجنبية، وتحصين الإصلاحات الاشتراكية من رياح الديمقراطية الليبرالية، وبناء جيش وطني حقيقي، يدافع عن الشعب وليس مصالح مستغليه. فقوى رأس المال لن تستسلم بسهولة وستبقى جاهزة للانقضاض على أي حكومة وطنية عندما تسمح الظروف بذلك.
لا شك في أن خطاب التحدي مُبهر للعالم، ونحن نحمل له كل التقدير لشعورنا بأننا شركاء في هذا النصر. أما نحن في محور المقاومة فمعتادون على هذا الخطاب. فقد شهدناه في مواجهة الهجمة الرأسمالية الاستعمارية الأخيرة، وهو ما فعلته المقاومة اللبنانية المنتصرة عام 2000، وما فعلته سورية عام 2003 برفض مطالب كولن باول، وعام 2006 بدعم المقاومة في حرب تموز، وما فعلته قبل أيام برفض أي مفاوضات مع أميركا قبل انسحابها من الأراضي السورية. لقد صمدت سورية وثبتت على موقفها المقاوم في لحظة تخيل فيها البعض أن “انتصار” العدوان “قدر محتوم”، وجاءت كل خياراتها تحدياً ولم تقبل التنازل في أحلك لحظات الأزمة. رفضت دستوراً طائفياً، ومشاريع إدارة محلية تقسيمية، ومشاريع تقاسم سلطة تنتقص من السيادة الوطنية.
وجاء موقف محور المقاومة مدوياً على لسان سماحة السيد حسن نصر الله «كلفة الاستسلام أعلى من كلفة المقاومة». بتضحيات أبطال الجيش العربي السوري والمقاومة، تم إجهاض المشروع الاستعماري الرأسمالي الجديد على الأرض، وبدأت فلول الإرهابيين وداعميهم تولي الأدبار هاربة أمام تقدم الجيش العربي السوري وحلفائه. في تلك اللحظة لم تتصرف الدولة السورية بمنطق الانتقام، لأن الأمر بالنسبة لها حكاية وطن، وليس شهوة حكم.
فتحت الدولة السورية باب المصالحات الوطنية، وقبلت شطط البعض، واعتراض البعض، لكنها كانت تبحث عن كل القواسم المشتركة التي تعيد التماسك إلى جسد الوطن.
لم يثنها الحصار، وتقاعس الكثير من الأشقاء وخيانة بعضهم أحياناً، ولا “العقوبات” التي “توّجها قانون قيصر”، ولا الأزمة الاقتصادية المتصاعدة. فالدم لا يبادل بالنفط ولا بالغذاء.
هذا ما حدث في بوليفيا وفنزويلا وإيران ويحدث في سورية، مهما كان ثمن الحرية والاستقلال مرتفعاً.. فهو يستحق أن نتكاتف لدفعه.

 

التعليقات متوقفه