في ذكرى اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية الـ 66 …”نحن ثرنا فحياة أو ممات” (الجزء الاول)

بقلم: شـعبـان يـاسـيـن -كاتب من الجزائر

عشية الذكرى الـ 66 لاندلاع الثورة لتحريرية الجزائرية المظفرة التي زلزلت عرش فرنسا داخل الجزائر وخارجها في الفاتح من نوفمبر سنة 1954، نواصل سلسلة مقالاتنا في هذا الجزء الأول تعريفا بهذه الثورة العظيمة التي تعد واحدة من أبرز ثورات النصف الثاني في القرن العشرين ،سقط فيها أكثر من مليون ونصف مليون شهيد، وأنّ الجزائريين ألهموا العالم بمقاومة استمرت 132 عاماً للتحرر من الاحتلال الفرنسي الدموي للجزائر، وكان لهذا الاستقلال ثمن غال دفعه الشعب الجزائري الذي قدم الكثير من التضحيات الجسام التي لاتزال أثارها إلى اليوم ..
الثورة الجزائرية أو ثورة المليون شهيد، اندلعت في 1 نوفمبر 1954 ضد المستعمر الفرنسي ودامت 7 سنوات ونصف استشهد فيها أكثر من مليون ونصف مليون جزائري وقامت الثورة بقيادة جبهة وجيش التحرير الوطني الجزائرية، ونجحت الثورة في تحقيق أهم أهدافها بحصول الجزائر على إستقلاله في 5 جولية1962.
في البداية اقتصر الكفاح المسلح على تنفيذ عمليات وهجمات ضد ممثلي النظام الاستعماري ورموزه، وبدءاً من سنة 1956 أصبح هذا الكفاح حرباً تحريرية حقيقية تبناها كل الشعب على المستوى الريفي أو الحضري، ومن جهة أخرى تواصلت العمليات العسكرية، بقيادة جيش التحرير انطلاقاً من الحدود المغربية والتونسية، وإلى جانب الحرب التي دامت أكثر من سبع سنوات أمكن تدويل القضية الجزائرية عبر النشاط الدبلوماسي المكثف، وإدراج القضية ضمن جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
كانت هذه الحرب ثورة بكل معنى الكلمة، إذ إن الجزائريين لم يكتفوا بطلب إصلاحات، بل كافحوا بالسلاح ضد المؤسسات الاستعمارية، لإحداث تغيرات اجتماعية هامة ممثلة من طرف فلاحين تقلدوا مسؤوليات معتبرة ونساء جزائريات مساهمات في المعركة التحريرية كالرجال وشخصية جزائرية معترف بها من طرف عدة دول حاضرة على الساحة الدولية، كل هذه العوامل والتغيرات التي تجذّرت غداة الحرب، هي التي تسمح بالتكلم على ثورة تحريرية حقيقية.
عرفت الجزائر مقاومة عسكرية طويلة الأمد ضد الاحتلال الفرنسي، منذ بدايته عام 1830، بقيادة كل من الأمير عبد القادر الجزائري في الغرب والباي الحاج أحمد في الشرق، تلتها بعد ذلك انتفاضات شعبية وبعدها راحت فرنسا تكرس وجودها في الجزائر، وتعمل على تنظيم إدارتها، بحيث تستطيع القضاء على كل ما له علاقة بأصالة الشعب وثقافته ولغته وتقاليده، إلا أن إصرار الشعب الجزائري على التمسك بهذه المقومات أفشل خطة الاستيطان الفرنسي، وتجلى هذا التمسك من خلال المطالب الاجتماعية التي رفعها الأعيان والجمعيات والأحزاب السياسية إلى السلطات الفرنسية التي رفضت حكوماتها المتعاقبة الحوار معها، سواء كانت معتدلة أو متطرفة، بل راحت ترد على هذه المطالب بأساليب شتى من القمع والقتل والسجن والنفي والتضييق على الحريات، وتزوير الانتخابات، وأمام هذا الواقع وجدت الحركة الوطنية الجزائرية نفسها أمام خيار واحد لاسترجاع الحرية والاستقلال، وهو الكفاح المسلح.
لهذا بدأ الحزب الوطني ( حزب الشعب الجزائري – حركة انتصار الحريات الديمقراطية) بتحضير الكفاح المسلح، وهذا على الرغم من الأوضاع الصعبة سواء تعلق الأمر بالضغوط والتشديد الفرنسي، أو تلك الأزمة التي عرفها حزب الشعب الجزائري نفسه، وتمّ تحديد تاريخ الأول من نوفمبر 1954 لانطلاق الكفاح المسلح تحت لواء جبهة وجيش التحرير الوطني الجزائريين.
وقد بدأت هذه الثورة بقيام مجموعات صغيرة من الثوار المزودين بأسلحة قديمة وبنادق صيد وبعض الألغام بعمليات عسكرية استهدفت مراكز الجيش الفرنسي ومواقعه في أنحاء مختلفة من البلاد وفي وقت واحد ومع انطلاق الرصاصة الأولى للثورة، تمّ توزيع بيان على الشعب الجزائري يحمل توقيع الأمانة الوطنية لجبهة التحرير الوطني ودعا البيان جميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية إلى الانضمام إلى الكفاح التحريري ودون أدنى اعتبار آخر وتمّ تشكيل الأمانة الوطنية لجبهة التحرير الوطني من تسعة أعضاء.
شملت هجومات المجاهدين عدة مناطق من الوطن، وقد استهدفت عدة مدن وقرى عبر المناطق الخمس : باتنة، أريس، خنشلة وبسكرة في المنطقة الأولى، قسنطينة وسمندو بالمنطقة الثانية، العزازقة وتيغزيرت وبرج منايل وذراع الميزان بالمنطقة الثالثة، أما في المنطقة الرابعة فقد مست كلا من الجزائر وبوفاريك والبليدة، بينما كانت سيدي علي وزهانة ووهران على موعد مع اندلاع الثورة في المنطقة الخامسة ( خريطة التقسيم السياسي والعسكري للثورة 1954 -1956).
وباعتراف السلطات الاستعمارية، فإن حصيلة العمليات المسلحة ضد المصالح الفرنسية عبر كل مناطق الجزائر ليلة أول نوفمبر 1954 ، قد بلغت ثلاثين عملية خلفت مقتل 10 أوروبيين وعملاء وجرح 23 منهم وخسائر مادية تقدر بالمئات من الملايين من الفرنكات الفرنسية. أما الثورة فقد فقدت في مرحلتها الأولى خيرة أبنائها الذين سقطوا في ميدان الشرف، من أمثال بن عبد المالك رمضان وقرين بلقاسم وباجي مختار وديدوش مراد وغيرهم.
لم يكن سهلاً القضاء على ثورة أول نوفمبر، على الرغم من الأوضاع الصعبة التي انطلقت فيها الثورة: ندرة الأسلحة، وعمليات التمشيط، وصعوبات الاتصالات، ومحاولة كل منطقة أن تقود الجماهير الشعبية بحسب ظروفها وأن تساند المجاهدين بجميع الأسلحة ومناوشة العدو ومواجهة عملياته الوحشية، كما حاول المسؤولون في الخارج إظهار صورة الجزائر المقاومة وعملوا على تزويدها بالأسلحة.

المرحلة الأول: 1954-1955

وتركز العمل فيها على تثبيت الوضع العسكري وتقويته، ومد الثورة بالمتطوعين والسلاح والعمل على توسيع إطار الثورة لتشمل كافة أنحاء البلاد.
من الجانب الفرنسي، فإن ممثليه من حكومة وإدارة وأحزاب والرأي العام، كانوا كلهم ضد أعمال أول نوفمبر، فقد أعلن رئيس الحكومة أمام مجلس النواب: «في الجزائر لايمكن أن يكون هناك انفصال، هنا فرنسا»، أما وزير الداخلية الفرنسي فقد صرح: «لا أقبل التفاوض مع أعداء الوطن، التفاوض الوحيد هو الحرب»، وكان التطبيق العملي لهذه الكلمة تجنيد قوات الأمن والجيش للقضاء على هذا التمرد، فبينما تقوم الشرطة بملاحقة كل المسؤولين والمنتخبين والمناضلين في الحزب الوطني، فإن الجيش الفرنسي يلاحق مجاهدي جيش التحرير الوطني المتحصنين في جبال الأوراس وبلاد القبائل. وفي سنة 1954 كان هناك أقل من 1000 جندي لجيش التحرير الوطني، يواجهون 50 ألف رجل لأكبر قوة عسكرية أوروبية.
وفي سنة 1955، أصبحت حرب التحرير واقعاً حيث انضم إلى جيش التحرير وطنيون مشحونون بحماس المقاومة، وشباب مطارد من الشرطة يبحثون عن ملجأ في الجبال، وكذلك المجندون الجزائريون الفارون من الجيش الفرنسي والذين التحقوا بالمجاهدين. وهكذا تحولت الحرب إلى قوة ثورية، كما أسهمت هجمات المجاهدين وسكان الأرياف للشمال القسنطيني في أوت 1955 في تقوية سلطة الثورة.
ففي صيف 1955، فكر زيغود يوسف قائد الناحية الثانية للشمال القسنطيني في هجوم شامل للمجاهدين ضد القوات الفرنسية رداً على محاصرة الأوراس وإبعاد الملك محمد الخامس عن العرش، وتم تحضير ذلك عن طريق حملات توعية وجمع الأسلحة والمتفجرات والمؤونة والأدوية وتنظيم محكم لمجاهدي مختلف قطاعات الناحية الثانية بدأت الهجمات يوم 20 أوت في وضح النهار، خلافاً لعمليات أول نوفمبر 1954، وجرت اشتباكات دامية في سكيكدة وضواحيها بين الفلاحين المسلحين بالهراوات والقضبان الحديدية والمعاول والسكاكين، مقابل الجنود الفرنسيين المسلحين بأحدث الأسلحة، وتعرضت المواقع العسكرية في قسنطينة للهجوم، وكذا تصفية أعوان الفرنسيين، لقد هوجم ما يقرب من ثمانين مركزاً، وقد أدى ذلك إلى تخريب وتقتيل رهيب، حيث تتحدث بعض المصادر عن 12 ألف ضحية من الجزائريين، فقد كانت القوات الفرنسية تطلق النار على كل الجزائريين الذين تصادفهم…
كان هذا القمع مصدراً للكراهية التي لم تترك أي مجال لحل سلمي، فقد استقال المنتخبون كما عزم قادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري UDMA والمركزيين الالتحاق بجبهة التحرير الوطني، وأكدت الدول العربية تضامنها مع الكفاح الجزائري، وكشفت سياسة فرنسة لمنظمة الأمم المتحدة، وهكذا عمت الحرب كل أرجاء الجزائر.

المرحلة الثانية 1956- 1958

شهدت هذه المرحلة ارتفاع حدة الهجوم الفرنسي المضاد للثورة من أجل القضاء عليها، إلا أن الثورة ازدادت اشتعالاً وعنفاً بسبب تجاوب الشعب معها، وأقام جيش التحرير مراكز جديدة ونشطت حركة الفدائيين في المدن، كما تمكّن جيش التحرير من إقامة بعض السلطات المدنية في بعض مناطق الجنوب الجزائري وأخذت تمارس صلاحياتها على جميع الأصعدة.

المرحلة الثالثة 1959- 1960

كانت هذه المرحلة من أصعب المراحل التي مرّت فيها الثورة الجزائرية، إذ قام المستعمر الفرنسي بعمليات عسكرية ضخمة ضد جيش التحرير الوطني. وفي هذه الفترة، بلغ القمع البوليس حده الأقصى في المدن والأرياف.. وفرضت على الأهالي معسكرات الاعتقال الجماعي في مختلف المناطق، أما رد جيش التحرير، فقد كان خوض معارض عنيفة ضد الجيش الفرنسي واعتمد خطة توزيع القوات على جميع المناطق من أجل إضعاف قوات العدو المهاجمة، وتخفيف الضغط على بعض الجبهات، بالإضافة إلى فتح معارك مع العدو من أجل إنهاكه واستنـزاف قواته وتحطيمه.

يتبع …

 

 

 

التعليقات متوقفه