الرئيسية / زوايا نظر / منبر حر / في ذكرى رحيل عزيز إيران والإسلام…بقلم محمد الرصافي المقداد

في ذكرى رحيل عزيز إيران والإسلام…بقلم محمد الرصافي المقداد

ألهبت خطبه ومؤلفات أفكاره، طلبة وأساتذة الحوزة العلمية بقم،  وجماهير الشعب الإيراني التواقة للحرية،  فاندفعوا وراءه ثائرين على أوضاع بلادهم،  مطالبين بتغييرها،  سقط شهداؤه في حوادث مشهودة،  مضرجين أرضهم بدماء طاهرة،  روت أديمها بحرارة عشاق الأرض والوطن،  وعرجت أرواحهم إلى محلات القدس الأعلى،  التي وعد بها الله عباده،  المتاجرون معه تجارة لن تبور،  باذلين إياها  رخيصة في سبيل إسلامه الخاتم،  الذي عاد غريبا كما بدأ غريبا.

هكذا بدأ كفاح الإمام الخميني في تفاعله مع شعبه، ومضى في أدائه المتصاعد، يؤسس لغد اسلامي عالميّ واعد،  لم يكن يتوقعه أحد، سوى ذلك الوحي الذي كان النبي قد تلقاه من ربه،  وكشف عن مضمونه لصحابته، مشيرا إلى شخص سلمان،  إنه في آخر الزمان،  سيثور قومه من أجل الإسلام،  ولن يعيقهم شيء من أجل نصرته،  ولو تعلق الإيمان بالثريا فإنهم سينالوه بعزم رجال كزبر الحديد.

لم يكن بوسع النظام القمعي الملكي أن يفعل شيئا،  بعد اعتقال الإمام الخميني وسجنه،  سوى نفيه خارج إيران،  فقضى متنقلا بين تركيا(11 شهرا) والعراق(13 سنة) وفرنسا (حوالي 4 أشهر)، وكان في حساب الشاه ونظامه الدكتاتوري، أنه بنفيه قد تخلص من خطر محدق به،  لكنه أخطأ في تقديره،  لأن القائد الرباني الحكيم،  يبقى أداؤه بنفس النسق والقوة والعزم،  حتى لو أبعد عن موقعه بين جماهيره.

لم يُعِقه نفيه وإبعاده عن شعبه وبلاده عن قيادة ثورة شعبه ورعايته،  وفي أوج اندلاعها وتفاعلها قرر العودة الى طهران،  وكان قرارا جريئا يعرف سرّه وحده، وعاد صباح يوم1/2/1979 غير عابئ بتهديد نظام الشاه بإسقاط الطائرة، وكان في انتظاره واستقباله أكثر من ثلاثة ملايين ثائر من أبنائه البررة،  وخلال عشرة أيام ( عشرة الفجر المباركة)، انتصر بهمة هؤلاء الرجال،  الذين فتحوا صفحة جديدة،  من الإسلام المحمدي المعاصر،  أضاءت بأنوار بهجته سائر الأرض.

صفحة أظهرت أن ما حمله الإمام الخميني،  هو إسلام بعيد عن الطائفية،  إسلام يدعو إلى الوحدة بين مكوناته،  ولا يقبل منطق التفريق فيه،  إسلام محمّديّ تعمّ آثاره الإنسانية جمعاء،  بقضايا تحررها،  وانعتاقها من استغلال الإستكبار والصهيونية العالمية،  إسلام لم يكن يرى في إيران سوى قلعة لأحرار،   ومنطلق ثوار العالم،  الذين نصبوا أمام أعينهم،  محنة الإنسان المستضعف في الأرض،  بقطع النظر عن دينه ولونه وفكره،  وعبّروا عن تمام استعدادهم لنصرة قضاياه حيثما كانت.

نظام إسلامي بمداه الثّوريّ التحرّري الإنساني، تجاوز إيران إلى دولٍ وشعوب أخرى،  تعاني من الظلم والاستضعاف،  حرّك أعداؤه لتشويه شخصه وأفكاره،  ومحاصرته وضرب مشروعه،  بكل الوسائل المتاحة لديهم،  لكنهم فشلوا في النّهاية في عرقلته،  وأقصى ما توصّلوا إليه إلى حد الآن،  الحدّ من سرعة انتشاره خارج إيران،  بواسطة حملاتهم الدّعاية المضادّة،  فلم يتسنّى له أن يدخل كلّ العقول،  وبقي في إطار ثُلّة من المؤمنين بمبادئه الإسلاميّة المعلَنة.

لقد تجلى هذا الإيمان بالفكر الإسلامي الثوري،  الذي انتشر من فكر الإمام الخميني وكبار تلامذته،  في بداية صحوة إسلامية مطلع الثمانينات،  تمخّض عنها نشوء حركات مقاومة للإستكبار والصّهيونية في فلسطين ولبنان، تفاعلت معه إيجابا طلائع الشّعوب الإسلامية،  بما أحدث الرّجة الثّورية في قلوب التوّاقين،  لمستقبل إسلاميّ مشرق بأمل إقامة دولة العدل الإلهي.

شعبيّة الإمام الخميني تمدّدت توسّع نطاقها،  بصورة لم يتوقع أعداؤه حصولها،  فالملايين الذين استقبلوه يوم نزل بمطار طهران،  تضاعفوا الى عشرات ملايين،  قامت أولى طفرتهم بواجب وداع جثمانه الطاهر،  عبّرت به عن سنفونية عشق،  قلّما عزفتها من قبل مشاعر وقلوب المحبّين،  ثم تتالت قوافل العشق تأوي إلى هذا الرّكن الحصين،  فلم تزد غيبة شخصه عن عالمنا سوى تعاظما،  وهذا شأن كل عالم ربّاني إذا مضى وترك علما،  ناب عنه علمه ومثّلته أفكاره،  بحضورها في العقول الساعية إلى الله،  والعاملة من أجل نصرة الحقّ وأهله.

الإمام الخميني كما في حلوله الفريد من منفاه إلى عاصمته طهران،  قبل انتصار ثورته الإسلامية،  فقادها خلال عشرة فجر مباركة،  ( من 1/2 إلى10/2/1979)،  وكما في رحيله المحزن،  الذي شقّ على قلوب المؤمنين به،  مثل مرحلة أساسية من تاريخنا الإسلامي المعاصر،  وكما في بقائه في قلوب وعقول أبناء ثورته،  وأبناء الأمّة الإسلامية،  التي لم تتلوّث بالدّعايات المثيرة للسّخرية،  من قرف عقول مروّجيها.

في ذكرى رحيله الحزينة،  نقف بكل إجلال وإكبار،  أمام رجل صدق ما عاهد الله عليه،  لنستحضر شيئا من آثاره المباركة التي خلّفها وراءه،  من مشاريع أثمرت فتوّة نظام إسلامي،  ظهرت نجاحاته جليّة للعالم، وبرهن بالأدلّة التي تقطع الشكّ على كل مرتاب،  إلا أن يكون عميلا للصهيونية والاستكبار،  كارها للحق من وجهته التي أطلّ منها،  ولن يزيده ذلك سوى بعدا عنه،  نقف اليوم في ذكراها الـ  31لنستحضر سنوات الوعد الإلهي،  ونترحّم على هذه القامة العظيمة،  ونعاهد روحه بأننا أبناء الإسلام المقاوم،  لن نتخلى عن نهجه الذي أذن بالمسير فيه،  وقدّم لنا مشروع عزّة الأمة،  وصكّ خلاصها من عبودية أعدائها،  هذا زمن أبناءه الذين يسطرون كل يوم ملحمة عز وشرف،  ولا عزاء للمتخاذلين والحاقدين.

شاهد أيضاً

عبد الناصر في ذكرى رحيله…العرب في اسوأ حال…بقلم ميلاد عمر المزوغي

خمسون عاما على رحيله ولا يزالون يسعون جاهدين للنيل منه، ويبقى شامخا رغم تغيبه، ويظلون …