في ذكرى مولد النبي (ص) دعوة للتعامل الإيجابي معه

بقلم: محمد الرصافي المقداد |

الاحتفال بمولد النبي ليس بدعة، ولا هو مستحدث بما ليس من الدّين، ولا يعني أن النبي (ص) لم يحتفل به علامة بطلانه، إنّما هو أداء حقّ بشأنه، وتعبير على اعتراف به، والتزام بدينه، وتقدير لما بذله من جهود، من أجل إخراج أجيالنا من ظلمات الجاهلية، إلى نور الهداية الإسلامية. 

 

ككل سنة تمرّ، ومنذ دخول شهر ربيع الأول، يبدأ استعداد عموم المسلمين، في مختلف بلدانهم وأجناسهم، للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، كل على طريقته، وحسب موروث ثقافته، وهو استعداد تلقائي، نابع من عقيدتهم التي تحرّكهم وتدفعهم، إلى القيام بما درجوا عليه، من إحياء لمولد خير البرية، تعبيرا صادقا عن حبهم له، وتقديرا لما قدمه من تضحيات وجهود، من أجل هدايتهم، ولم يكن هناك خلاف بين الأجيال الإسلامية، على أن الاحتفال بالمولد النبوي، لا ينفصل عن أدب موالاة صاحبه (ص)، وإظهار الالتزام بشخصه، واستحضار سيرته لتجديد العهد به، وفرصة لمراجعة مواقفنا وآدابنا في الحياة، بما يتوافق مع التقيّد بأخلاقه العالية، التي عظمها الله بقوله: (وانك لعلى خلق عظيم)(1)، وجميع ذلك من تفاصيل القران ورسالته الاسلامية، وحياة النبي(ص) كلها، سواء كانت مع أهل بيته، وفي مجتمعه بين صحابته، وحتى إزاء اليهود والمسيحيين والمشركين، هي مجموعة قيم ومبادئ مبنيّة على قوله تعالى: (استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم ) (2).

عندما استفحل أمر الفكر التكفيري الوهابي أواخر القرن الماضي، وأظهر دعوته العلنية بالتوقّف عن الاحتفال به، على أساس أنه بدعة، يجب التخلّص منها، وباشر بشيوخه ودعاته، باستدراج بسطاء المسلمين إلى قبولها، تصديقا لتوهّم ابتدعه مؤسّسي التطرّف، (ابن تيمية ومن بعده ابن عبد الوهاب)، خدعا به كل من صدّق آرائهما واتّبع غلواءها.

والاستخفاف بشخص النبي (ص)، قديم قدم رسالته رسالة الإسلام، فقد وصفه المشركون بالساحر والشاعر والمجنون، وفي ظنّهم أنه بشر مثلهم، يجري عليه ما يجري عليهم، من أعراض انفعالاتهم، واقتبس الصحابة منهم ما اقتبسوه، من كونه بشر يتكلم في الغضب والرضا، فردّوا عليه وتطاولوا على مقامه، فنسبوه إلى الهذيان في مرضه الذي مات فيه، والمسحور الذي لا يدري ما يفعله، بل لقد أطنب البخاري وبقية المدونات السّنية – وما أبعد كثير مما جاء فيها عن السنّة النّبوية الصحيحة – في نسبة ما لا يرتضيه على نفسه حتى المسلم البسيط، وما قيل أن المسلمين لقوها بالقبول، محض كذب وافتراء، لأن دارسيها من البحّاثة في علوم الرّواية، قد كشفوا سترها الذي كانت متغطّية به، وأظهروا فيها كثيرا من الروايات الموضوعة، التي تتناقض مع شخص النبي(ص) الذي اصطفاه الله، وما يستدعيه ذلك من عصمة كاملة، تمنعه من الوقوع في أي خطأ، وهو الانسان الكامل من منظور الاصطفاء الالهي، وسيرته العطرة التي بين ايدينا، يجب ان تنقى من كثير من الأكاذيب، التي وضعت من شخصه ومقامه (3) و(4).

من مبدأ إظهار مقام وقيمة النبي(ص) عندنا كمسلمين، نحتفل بذكرى مولده، تعبيرا منا على مدى تعلّقنا به، وهو المرسل رحمة للعالمين، ووجوده بيننا روحا وسلوكا ومبادئ، يستوجب منا إبقاء تواصلنا معه، بالأسلوب الذي درج عليه أسلافنا، ولكن بأكثر وعي، في نفي كل نقيصة عنه، والنبي (ص) بنظر علماء وعقلاء المسلمين، قرآن عمليّ، ومجموعة متكاملة من القيم الإنسانية الرفيعة، التي شكلت الإسلام في كافة تفاصيله وتطبيقاته.

استهداف النبي(ص) لم يقتصر على رميه بما هو براء منه، بل تعدّى ذلك إلى جرأة أخرى، لا تقل فظاعة عما لحق به في تراثنا الروائي، فقد جاء في تقرير كتبه الصحفي البريطاني (أندرو جونسون Andrew Johnson) على صحيفة (الاندبندنتThe Independent)، أن المملكة العربية السعودية تخطط لنقل قبر الرسول، ودفن رفاته في مقابر البقيع، في قبر غير معلوم.

وجاء في التقرير الذي تصدّر الصفحة الاولى للجريدة البريطانية، ان هذا المخطط يأتي ضمن مخططات، توسعة وتجديد الأماكن المقدسة في السعودية، وقال جونسون في تقريره: إنّ هذ الأمر قد يؤدي إلى إحداث فتنة في العالم الاسلامي، وأضاف جونسون أن الدعوة إلى تدمير الحجرات المحيطة بقبر الرسول، والتي لها أهمية خاصة لدى الشيعة، من شأنها أن تثير بلبلة في العالم الاسلامي، فضلاً عن أن نقل قبر النبي(ص) قد يؤدي إلى فتنة لا مفر منها.(5)

ويبدو أن هذه الدعوة صادرة من مشيخة الوهابية أربكت النظام السعودي وجعلته يسارع الى التّبرّئ منها، خشية انقلاب العالم الإسلامي برمّته عليه، ولولا ذلك لأقدم على تنفيذ جريمته، وله سبق في هدم البقيع، بتحريض شيوخ الوهابية جناحه الثاني في الحكم، الذين أصدروا فتاويهم ببدعية البناء على قبور الصالحين بما فيهم النبي(ص)، وان إبقاء تلك الآثار على حالها، من شأنها أن تجرّ المسلمين الى الشّرك وعبادة القبور حسب دعواهم، وكما يحلو لهم تسمية المسلمين الشيعة بعبّاد قبور كذبا وافتراء عليهم، تشويها لعقيدة المسلمين الشيعة في التوحيد، ولو فهموا حكم مودّة قربى النبي(ص)، وهي شعيرة يعظمونها بما جسّد محبتهم، وولاءهم لهؤلاء الاطهار عليهم السلام، لما حكموا على البناء على قبور الصالحين بالحِرمة، وزيارة مشاهدها بالشّرك.

مهما بلغ تشويه الوهابية لسنّة الاحتفال بالمولد النبوي، فإن محاولاتهم التأثير على المسلمين بتركه، قد باءت بالفشل، ومن كان مصداق قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (6) حقيق بأوفياء دينه، أن يكون بالمقابل، عزيز عليهم في شخصه، وتفاصيل حياته، ودقائق دينه، فلنكن محمّديين حقا أيها الإخوة الكرام، ولنرفع التّحدّي في وجه كل من يتآمر على الاسلام، ورمزه المقدّس أبو القاسم محمد (ص).

جدير بالذكر هنا أن إيران الإسلامية، قد جعلت من تاريخي مولد النبي (ًص)، يومي 12 و17 ربيع الأول، مناسبة مهمّة، أطلقت عليها أسبوع الوحدة الإسلامية، تقام فيه مختلف الفعاليات الثقافية، في كافة أرجاء إيران، ويستدعى فيه كبار العلماء، من مختلف البلاد الاسلامية والعالمية، للحديث عن النبي الأكرم(ص) آدابا وسيرة، واحياء لما قد أماته الظالمون من قيم اسلامية، وفي مقدّمتها رابطة الأخوّة والوحدة الإسلامية، التي بنى أسسها بعد هجرته الى يثرب، قيم نحن في أمس الحاجة اليها، لوقف نزيف البغضاء والعداوة، والتحامل بباطل ما يروّجه لنا أعداء أمتنا – المفترض أن تكون أمة واحدة بمنطوق القرآن – (إنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة) (7) فهل سنعي ما يحاك ضدنا، ونلتفت الى ما يعدّه اعداءنا لمحق ديننا؟ أم أننا سنواصل السير على نفس درب التجاهل؟

 

المراجع

 

1 – سورة القلم الآية 4

2 – سورة الأنفال الآية 24

3 – الإساءة إلى النبي(ًص) نعيب الزمان والعيب فينا

4 – البخاري ليس أقل سوء من الصحيفة الدانماركية

5 -علماء من الأزهر يحذرون: نقل قبر الرسول فتنة

6 – سورة التوبة الآية 128

7 – سورة الأنبياء الآية92

 

 

التعليقات متوقفه