في عالم ما بعد أميركا.. كيف تحقق الشعوب الاستقلال الشامل؟…بقلم سليمان صالح*

القراءة المتعمقة للواقع واكتشاف التحديات والفرص تفتح المجال لتحقيق أهداف طويلة المدى، من أهمها بناء القوة في عالم يتغير بسرعة، والذي يريد أن يحقق النمو والتقدم ويبني مكانته في المشهد العالمي المستقبلي لا بد أن يتعلم كيف يستجيب للتحديات ويحولها إلى فرص.

وقراءة المشهد يمكن أن توضح لنا كيف يمكن أن نبني علاقاتنا الدولية وتحالفاتنا مع دول تتزايد قوتها ومكانتها في القرن الـ21، لكن الأمر ليس سهلا، فالكثير من الدول تحتاج إلى عملية تصحيح نظر لتبصر الحقائق بدلا من التحديق ببلاهة في ما تحت أقدامها كالدجاج.
كما تحتاج تلك الدول إلى علماء يواجهون السلطات بالحقائق، ويرفضون النفاق وتجهيل الشعوب وتضليلها، إن العالم يشهد تغييرا في كل المجالات تجعله على أبواب مرحلة جديدة من التاريخ سوف تشهد إعادة توزيع القوة.

العالم يشهد الآن حركة الابتعاد عن السيطرة الأميركية نحو اللامركزية في النظام العالمي ونمو دول غير غربية، لذلك فإن أفضل إستراتيجية تقوم بها الولايات المتحدة هي أن تتعايش مع هذا الوضع الجديد بدلا من أن تقاومه

من أهم تلك التغيرات التي يمكن أن نلاحظها بوضوح ظهور دول تتحدى السيطرة الأميركية وتحاول أن تبني نظما اقتصادية وسياسية متحررة من التبعية لأميركا، ويمكن أن تؤثر على موازين القوى، وهذا ما يجعل العالم يتحرك نحو ما يطلق عليه فريد زكريا عالم “ما بعد أميركا”.
بعد نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية كان من الواضح أن الولايات المتحدة قد بلغت أوج قوتها وسيطرتها على العالم، وبدا أن العالم قد استسلم لهذه الهيمنة وتعايش معها.
وخلال الأعوام الـ30 الماضية تزايدت قوة الشركات الأميركية عابرة القارات بعد أن أجبرت الولايات المتحدة الدول على خصخصة اقتصادها لتفتح المجال أمام هذه الشركات للسيطرة على الاقتصاد العالمي، وعلى الرغم من ذلك يرى زكريا أن أميركا قد أصبحت تواجه تحديا يفرض عليها إعادة التفكير في دورها العالمي، فلماذا ذلك؟

اللاعبون الجدد

 

على الرغم من السيطرة الأميركية تزايدت أهمية الدور الذي يقوم به لاعبون جدد على الساحة العالمية، وتعتبر الصين من أهم أولئك اللاعبين، حيث تزايدت قوتها في المجال الاقتصادي نتيجة التفوق في الابتكار وإنتاج الأفكار الجديدة، وبدأت الجامعات الصينية تقوم بدور مهم في زيادة تفوق الصين في مجال الاختراعات.
كما أن هناك دولا أخرى مثل تركيا بدأت تدخل السباق في مجال الابتكار، وتتبنى إستراتيجيات متميزة في مجال البحث العلمي وتشجيع العلماء على المنافسة في مجال إنتاج الأفكار الجديدة التي يمكن أن تكون هي المصدر الرئيسي للقوة في القرن الـ21.
هذا السباق في مجال الابتكار واستغلال المواهب والإنفاق على البحث العلمي سيؤثر على تشكيل موازين القوى وسيعيد بناء عالم الأعمال وإدارة الموارد الأكاديمية والمالية.
في ضوء ذلك، فإن العالم يشهد الآن حركة الابتعاد عن السيطرة الأميركية نحو اللامركزية في النظام العالمي ونمو دول غير غربية، لذلك فإن أفضل إستراتيجية تقوم بها الولايات المتحدة هي أن تتعايش مع هذا الوضع الجديد بدلا من أن تقاومه، لكن هل يمكن أن تقتنع أميركا بذلك؟

التخلي عن القيادة

 

إن الولايات المتحدة يجب أن تدرس الواقع لتدرك أن عليها أن تتخلى عن موقع القيادة في النظام العالمي لتفتح المجال للتعاون مع المشاركين الجدد في نظام عالمي جديد، وأن تبحث عن حلول وسط، وأن تتعلم كيف تعيش في عالم “ما بعد أميركا”.

وأهم ملامح ذلك العالم هو أنه لن تكون فيه قوة عظمى، وأن هناك قوى تكافح للحصول على نصيبها من كعكة الاقتصاد العالمي، وأن السيطرة الأميركية قد وصلت إلى نهايتها على الرغم من أن أميركا ما زالت تتمتع بميزات تنافسية، من أهمها قوة الدولار كعملة رئيسية للعالم.
ما زالت أميركا قوية، لكنها تعاني الكثير من المشكلات الاقتصادية الناتجة عن إنفاقها على حربي أفغانستان والعراق، والذي تجاوز 6 تريليونات دولار.
وأميركا أيضا لم تعد تستطيع أن تقود العالم بالمثال أو القدوة، بمعنى أن تقدم للعالم النموذج الذي يمكن أن تقلده الدول في الحكم الديمقراطي والدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، خاصة بعد أن قامت بتأييد الانقلابات العسكرية التي أجهضت التجارب الديمقراطية وانتهكت حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن المؤكد أن العداء لأميركا تزايد في كل العالم، وتناقص الانبهار بها، وأصبحت الشعوب تنظر لها على أساس أنها العقبة التي تعوق تحقيق أهدافها في الحرية والديمقراطية.

شرطي العالم

 

يشير جون ميرشايمر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو إلى فشل السياسة الخارجية الأميركية وتدهور دورها القيادي العالمي، وأن هذا الفشل نتج عن اختيار أميركا إستراتيجية السيطرة على العالم واعتمادها على القوة العسكرية في تحقيق أهدافها والقيام بدور شرطي العالم.
ولقد كان لتلك الإستراتيجية الكثير من النتائج السلبية، من أهمها -كما يشير زبيغنيو بريجنسكي- أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت تمر بموجة من عدم الاستقرار، وأن الشعور بالظلم يتزايد في العالم الإسلامي، وهذا سيؤدي إلى حالة عدم استقرار عالمي.
ويضيف بريجنسكي أن العالم يتغير بشكل لا يتفق مع استمرار السيطرة الأميركية، حيث تحاول الصين وروسيا تحدي تلك السيطرة والقيام بدور في بناء عالم جديد.

تناقص الثقة

 

كان من أهم نتائج الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2008 أنها قللت الثقة في النظام الاقتصادي العالمي الذي تسيطر عليه أميركا وتديره.
ويشير جون إكنبري إلى أن تلك الأزمة هددت الدور القيادي الأميركي في النظام الاقتصادي العالمي، وأدت إلى ظهور فاعلين غير غربيين، مثل الصين التي تزايد دورها في الاقتصاد العالمي.
والنموذج الصيني يمكن أن يؤثر بشكل كبير على التفكير الاقتصادي، خاصة في ما يتعلق بأهمية الثروة البشرية كأساس للقوة الاقتصادية وبناء القوة في كل المجالات.
إن الصين يمكن أيضا أن تبني علاقات تقوم على تبادل المنافع مع الكثير من الدول التي أدركت أنها يمكن أن تحقق نتائج إيجابية من تعاونها مع الصين.

أوهام الانتصارات الحاسمة

 

هناك حقيقة مهمة توضحها الأحداث خلال العقدين الماضيين وهي أن أميركا تمتلك قوة عسكرية لم يعرف لها التاريخ مثيلا، لكن هذه القوة لم تعد قادرة على تحقيق انتصارات حاسمة، لذلك اضطرت أميركا إلى أن تجلس مع طالبان على مائدة المفاوضات بعد حرب استمرت 20 عاما لتتفاوض على الانسحاب.
تلك الحقيقة تجبر الجميع على إعادة التفكير في موازين القوى واستخدام القوة الصلبة، وطالما أنه لا يمكن تحقيق نصر حاسم فإن الذي يمتلك القدرة على الصبر والاستمرار في الصراع لزمن طويل هو الذي يمكن أن يحقق النصر في النهاية، كما أن الذي يمتلك القوة العسكرية الصلبة مهما بلغت لا بد أن يدرس قبل استخدام التجربة الأميركية في العراق وأفغانستان ليتعلم حدود القوة.
لذلك، فإن مفهوم “ما بعد أميركا” -الذي استخدمه فريد زكريا عنوانا لكتابه- لا يعني أن أميركا ستختفي أو أنها ستفقد قوتها الصلبة، لكنه يعني ضرورة البحث عن وسائل جديدة لبناء علاقات دولية تقوم على قواعد جديدة، من أهمها الوعي بأن عصر السيطرة قد انتهى، وأن من حق الشعوب أن تقرر مصيرها، وأن تتعاون لتحقيق مصالح مشتركة، وهذه هي القاعدة التي بنت عليها الصين إستراتيجيتها لتشكيل علاقاتها مع الدول الأفريقية التي ستجد أن مصلحتها تتمثل في التعاون مع الصين، لأن ذلك سيوفر لها الفرص للتحرر من التبعية للغرب الذي أذلها وأفقرها طوال القرنين الماضيين.
وهذا التعاون يمكن أن يتزايد عندما يحدث تغيير في نظم الحكم في الدول الأفريقية ويصل إلى السلطة ممثلون حقيقيون للجماهير يعبرون عن أشواقها للحرية والاستقلال.
هذا الاتجاه سيزيد الأزمة الأميركية، ولن تتمكن أميركا من استخدام قوتها العسكرية خوفا من تكرار تجاربها في أفغانستان والعراق، وبعد أن اتضحت أزمة فرنسا في الساحل الأفريقي، لذلك لن يكون أمام أميركا سوى أن تتخلى عن إستراتيجية السيطرة وقيادة العالم، وأن تحاول البحث عن حلول جادة لأزمتها الداخلية التي تتزايد نتيجة تراكم الديون وانتشار البطالة وتناقص القدرة على تقديم الخدمات للشعب، وانهيار حلم دولة الرفاهية والديمقراطية.
أما بالنسبة للدول الآسيوية فإن هناك الكثير من الفرص لزيادة قوتها، وتحقيق معدلات نمو عالية، وتوسيع مجالات التعاون مع الدول الأخرى.
هذه هي بعض الحقائق التي يمكن أن توضح المشهد في عالم “ما بعد أميركا”، لكن هناك حقائق أخرى، من أهمها أن أشواق الشعوب للتحرر وتحقيق الاستقلال تتزايد، وان تناقص قدرة أميركا على السيطرة وحماية النظم المستبدة سيفتح المجال أمام هذه الشعوب للثورة على واقعها المر لتحقق استقلالها الشامل وتقرر مصيرها وتبني نظما تعبر عنها.
وهذه الشعوب سيكون لها دور مهم في بناء عالم جديد لم تتضح حتى الآن ملامحه، لكنه بالتأكيد سيكون مختلفا عن ذلك العالم الذي تشكل خلال القرن الـ20، في ضوء ذلك تتزايد حاجة كل الدول إلى تطوير علم استشراف المستقبل.

 

*سليمان صالح

أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس الشعب في برلمان الثورة ووكيل لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس 2012

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه