كتب إدريس هاني*: عشرية من التزييف وقلب الحقائق وبلادات أخرى

قطعت الحرب على سورية مشوارها بالكامل، جرّب الأشرار ومن كانوا شياطين خرساء كل ما في وسعهم لتصفية حسابهم القديم مع دولة ممانعة.. ضاعت فرصتهم، وتبخرت أحلامهم، وكل ذلك بفضل صمود شعب أبيّ وجيش باسل وقيادة حكيمة.

أتذكّر في بداية الأزمة كان الكثيرون مترددين، وأما تجار الأزمات فقد جاؤوا إلى سورية يومها ليعرضوا مبادرات ملتبسة، فيها استهانة بالسيادة السورية.

كان الأسد على قدر كبير من الذكاء السياسي، ففي ذروة التحدي رفض كل مبادرة ملتبسة لا تحترم السيادة السورية، رفض كل من كان يملي شروطاً على سورية أو يحاول استغلال المحنة لتمرير مشاريع مشبوهة.

واليوم ندرك كم كان ذلك مهماً بالنسبة لسورية، حيث لعبت القيادة دوراً استثنائياً في رفع معنويات الشعب السوري والجيش وكل من كان من الأحرار يتطلع إلى انتصار سورية.

عشر سنوات ظهر فيها الحق وزهق الباطل، لا شيء بعد عشر سنوات بات قابلاً للتبرير، فمن كان مع سورية كان واضحاً، ومن كان مع أعدائها كان واضحاً، وسيكون من الغباء أن يُغالط الإنسان سورية قيادة وجيشاً وشعباً، فها هنا منبت الذكاء.

خلال عشرية العدوان، كان كل موقف عدواني أو خرس شيطاني أو تجاهل أو صمت يؤدي إلى مقاتل ومذابح في حق الإنسان السوري، من خرسوا كانوا يذبحون الشعب السوري، لا شيء يبرر عدوانهم أو صمتهم، لأنّ عشر سنوات كانت حمام دم وخراباً كلّف سورية ملحمة من المقاومة.

أذكر، ووحدي أستطيع أن أقولها بالفم الملآن، في بلادنا التي هيمن عليها الإخوان وحلفاؤهم تحت طائلة صفقة حكومات مخرجات ربيع عربي قائض، تربّى هذا الرهط من الإخوان عقائدياً على كراهية الأسد والدولة السورية، حدث هذا منذ ثمانينيات القرن الماضي، لا شيء تغيّر، لا زال الإخوان ومن في حكمهم يكرهون الأسد ويعضّون أناملهم من الغيظ.

وفي العشرية الأخيرة استطاع الإخوان تعميم رؤيتهم على مساحات واسعة، وراهنوا بكل ما لديهم على سقوط سورية، وحاربوا كل من يُشَمُّ منه رائحة الوفاء لسورية، الصامتون لهم تفسير واحد: كانوا ينتظرون سقوط سورية ويلتئم شملهم مع الإخوان.

من تحالف مع الإخوان في عشرية العدوان على سورية فهو غير معني بانتصاراتها، كيف تكون حليفاً للإخوان وهم طليعة التآمر على سورية؟ يحتاج المرء أن يكون مسطولاً ليصدق نياتهم.

بات واضحاً أن يسأل الإنسان نفسه: أين كان يومها؟ مع من كان يصطف؟ ماذا قال؟ ماذا فعل؟ عشر سنوات كانت تتطلّب منهم أن يعيشوا همّ سورية اليومي، غير أنّ ما وقع هو التنكّر والتآمر والتحالف مع خصوم سورية من أول العشرية إلى آخرها.

سورية اليوم لم تعد في حاجة إلى وساطات في الوقت بدل الضائع، لقد انتصرت، وهي تستكمل انتصاراتها، وستشهد سورية التي باتت يومها كفارس يقاتل وحده في بيداء عربية، ستصبح قبلة، ليس فقط لأصدقائها الذين قاموا بالواجب، بل أيضاً ممن بخل عليها بموقف يذكر في سجلّ التضامن القومي.

ألم نقل لكم أنّ فخامته سيبسط له السجاد الأحمر، وستتغير لغات القوم حيث لا يصحّ إلاّ الصحيح، وتغير الحرباء ألوانها.

هناك من باع سورية بموقف، بمصلحة، بتحالف غبيّ مع أعدائها، غير أننا خلال العشرية كلها نبّهنا إلى هذا، لا شيء بات ملتبساً، وهناك من أصبحوا يتحدثون بلغتنا المناهضة للعدوان على سورية بعد سنوات من التآمر حتى ضد مقالاتنا ونشاطنا التضامني، قبل أن يغيروا الوجهة ويركبوا الموج.

قيل للكذاب: أقسم، قال: جاء الفرج. وبعضهم يكفيه ابتسامة أو مجاملة ليحاول عبثاً محو عشر سنوات من التنكر للقضية السورية. لنحسبها بالأيام والأسابيع، أيعقل يا ترى أن لا يكون لك مقال واحد تضامنا مع سورية؟ ثم تحاول أن تتذاكى في بلد دريد لحام؟

سيلجأ الهاربون إلى مغالطة أخرى، مغالطة الخلط، سيتحدثون عن فلسطين ليغطوا عن ماضي لن يموت، لأنّ آثاره لا زالت طرية، ودم الشهداء لم يجف.

فلسطين قضية بديهية لدى الأمة العربية وأحرار العالم، لم نحولها إلى مغالطة لتمرير الدجل؟ لا يوجد عربي -إلاّ آحاد لا يعتد بهم- ليس له قلب على فلسطين، لكن ما معنى التنكر لمحور المقاومة، ما معنى خلط الأوراق؟

اليوم سيغيرون اللهجة، سيتحدثون بلغة ترضي سورية بعد أن انتصرت من دون إذن منهم، وبعد أن انتظروا سقوطها فتعبوا؟ وسنتحدث بلغة أحرار اليمن؟ وسنخفي عشر سنوات من تجاهل كل هذه القضايا، وسنهرب إلى الأمام بعد أن فشلت كل المحاولات. ولا مجال لكي نسألهم عن كتاباتهم حين يخلون إلى إخوانهم الشياطين، كواليس يتوافق حولها الإخوان وحلفاؤهم، ثم يوزعون الأدوار ويتمسرحون.

الانتصار السوري كما قلت سابقاً، له ارتدادات، وله تبعات، وهو انتصار مكلف، ويفترض أن عشرية المقاومة في سورية هي منعطف تاريخي، ولا يمكن أن نفرض على التاريخ السعي القهقرى، فالذين تآمروا على سورية واختلفوا مع خصومها، هم في ظني على الأقل، إلى مزبلة التاريخ، وأنّ كل محاولة لتغيير “اللّوك” هي بلادة، وبأنّنا وثّقنا تاريخ هذا الانتصار، ووثقنا تاريخ خصوم سورية ميدانياً، ولا مجال للاستخفاف بدماء الشعب السوري وشهدائه، ولا مجال لسرقة مجد سورية وانتصاراتها، بعد أن ضربت بيد من حديد على المجرمين القتلة، وأرض الشام أطهر من أن تطأها أقدام المرجفين خلسة، انتصرت سورية وكفى، وللمنافقين الحجر.

*كاتب من المغرب

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه