كتب غالب قنديل: المستقبل العربي والصراع المستمر ضد الهيمنة

ليست المعركة ضد الهيمنة نزهة سهلة، لكن الخضوع لتلك الهيمنة النهّابة لن يحمل إلا الكوارث

تبثّ الولايات المتحدة ودول الغرب والكيان الصهيوني مناخا لتعميم الإحباط، ولكسر الطموحات العربية ووأدها بمعونة الأنظمة التابعة والخاضعة للهيمنة، التي أشهرت استسلامها للمشيئة الأميركية – الصهيونية، ودخلت عهدا جديدا من عهر التعامل مع العدو. فقدّمت له كلّ ما يلزم اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وإعلاميا، وبما يتخطّى الطلبات الأميركية – الصهيونية المعروفة طوال العقود الماضية.

 

أولا: إن ما حقّقه الاختراق الصهيوني ليس بسيطا، ولا يُستهان به من حيث تأثيره على الرأي العام العربي وعلى معادلات الصراع. وتجاهل هذه الحقيقة هو ضرب من الغباء. فالتقييم الواقعي لما حصده المعسكر المعادي شرط لا بدّ منه لتنظيم المقاومة الشعبية والسياسية ضد الهيمنة الأميركية – الصهيونية.

إن ما جرى حتى اليوم من اختراقات كبيرة على الصعيدين الاقتصادي والأمني، وكذلك في المستوى السياسي، هو تعبير أصيل عن توازن القوى بين محور الهيمنة ومحور المقاومة. وبالتالي، فإن تعديل هذا التوازن لصالح خيار التحرّر والاستقلال يطرح تحديات برنامجية وسياسية وثقافية، وإدارة طويلة النفس للنضال التحرّري العربي، بما يسمح بانبثاق موجة وعي تحرّري جديد، تعمّم ثقافة المقاومة ورفض الهيمنة والاستعمار، وتنطلق بعمق الى تأسيس أنماط جديدة من التنظيم والعمل النضالي الشعبي في جميع الدول العربية. وهذا التحدّي يتطلّب استنفارا للنخب، واستقطابا للشباب على أساس برامج وخطط تشمل جميع البلدان العربية، وتنطلق بالذات من الأقاليم التي اكتسبت مناعة وقوة في رفضها للهيمنة، وقدّمت تجاربها الخاصة التي تستحق الدرس، والسعي الى تطويرها منهجيا واقتباس دروسها.

ثانيا: إن النضال التحرّري في لبنان وفلسطين وسورية واليمن والعراق يقدّم روافد جدية لحركة تحرّر عربية تستحق الحياة. وهذا أمر يطرح تحدي العمل الفكري والثقافي، واستنباط أشكال جديدة للنضال الى جانب السعي لبلورة قنوات التفاعل الممكنة مع سائر الدول العربية حزبيا وشعبيا، وصولا الى جبهة للمقاومة العربية، تتولى مجابهة العدو الصهيوني وخططه بكفاءة وقوة.

ليست المعركة ضد الهيمنة نزهة سهلة، لكن الخضوع لتلك الهيمنة النهّابة لن يحمل إلا الكوارث. وجميع تجارب العالم تؤكد هذه الحقيقة، التي لا تكفي بمفردها لتهاوي الخطط الاستعمارية من تلقاء ذاتها. فالمسألة هي الصراع بين إرادة النهب والهيمنة وإرادة التحرّر.

إن التحدي الراهن عربيا هو بلورة إرادة التحرّر والتعبير عنها ثقافيا وسياسيا، وهذا مرتبط بتطوير الخطاب السياسي الوطني والقومي بما يواكب القضايا المستجدة، ويبدع أشكالا وأنماطا معاصرة في التعبير عن التطلعات القومية والوطنية ومشروع البناء المستقبلي للبلدان العربية في سياق عملية التحرّر من سيطرة اللصوصية الاستعمارية وعملائها. وهذه العملية التاريخية تستدعي تنظيم الجهود، وابتكار الأشكال الجديدة والممكنة لاكتساب العقول والقلوب، وتعبئة القوى الشابة في المجتمعات العربية ولفضح الأطماع الصهيونية لخوض معركة التحرّر والتقدّم الحضاري في جميع المجالات.

ليس هذا الهدف مستحيلا ويقتضي تحقيقه حشد الجهود وتنظيم القدرات والإمكانات الفتية والمبدعة في سائر الدول العربية، لبناء نخبة مقاتلة تحمل مشروعا قوميا، يتطلّب تقدّمُه اختزان خبرات الأجيال التي سبقت، والبناء على ميراثها في إبداع البرامج وخطط العمل والخطاب السياسي الراهن لقضية التحرّر العربي. وتلك هي المهمة الراهنة على جدول النضال الوطني والقومي، ولا عذر للمتخاذلين.

التعليقات متوقفه