Btc roulette

كتب محسن النابتي: تونس والوضع الدولي؟ الفرص والمخاطر

الدرس المستفاد هو التعويل على الذات وبناء مشروع التنمية المستقلة الذي يقتضي بأن تكون الدولة صاحبة الدور المركزي في التنمية

لا شك أن الوضع الاقليمي والدولي عامل من العوامل المحددة في الشأن الداخلي لأي دولة وخاصة لما تكون الدولة في موقع تونس عربيا ودوليا، وبعد 25 جويلية وكما كان منتظرا ازداد العامل الخارجي أهمية لسببين الأول وهو عادي ومنتظر لكل دولة تشهد تحول سياسي فشركائها وحلفائها وحتى خصومها أو أعدائها على السواء يريدون معرفة القادم الجديد وكيفية التعامل معه لتأمين مصالحهم،ولكن العامل الثاني في الحالة التونسية والعربية عموما هو عمالة الكثير من النخب والاخوان الذين اعتادوا استدعاء التدخل الخارجي وهو ما يجعل من ثقل التدخل أكثر دائما في الأقطار العربية.
في الحالة التونسية ومنذ 25 جويلية 2021 وبرغم التهويل الاعلامي فان التدخل الخارجي بقي في أدنى مستوى منتظر بالنسبة الينا، وباستثناء الادارة الأمريكية التي وضعت منذ البداية شروطها المعتادة على الطاولة البقية لا خطورة لهم على الوضع في تونس وشروط امريكا الثلاثة هي :
– لا للصين وروسيا والبقاء تحت مظلتها
– لا اصلاحات اقتصادية وطنية وضرورة بقاء منوال التنمية المتوحش تحت ادارة صندوق النقد الدولي
– لا للذهاب بعيدا في رفض الترتيبات مع “اسرائيل” تحت ما يسمى صفقة القرن والحيلولة دون قيام نموذج رافض في المنطقة ولو بالحد الأدنى.
بقية الفاعلين:
-القوى الاقليمية الجزائر ومصر داعمين لتونس وهذا ما كان ليحصل لو بقيت الجزائر تحت حكم بوتفليقة ومصر تحت حكم الاخوان وهذا عامل مساعد.
– بقية الدول العربية على تناقضاتها كلها أبدت دعما سياسيا وهو عامل مساعد.
– تراجع دور تركيا وقطر جراء صعود قوى اقليمة عربية مما خلق ردعا مهما فالجزائر لا تسمح لتركيا بزعزعة تونس وتركيا ليست حِمل فتح مواجهة مع الجزائر الى جانب مواجهتها مع مصر والسعودية وسوريا في الوطن العربي على اختلاف سياسات هذه القوى، وقطر تحاول اتباع سياسة صفر مشاكل عربيا …وهذا عامل مساعد.
– الاتحاد الأوروبي:من الصعب الحديث عن سياسة اوروبية موحدة
– فرنسا أبرز حلفاء وشركاء تونس في وضع لا تحسد عليه دوليا فهي تخسر في مناطق نفوذها وليس لها حلفاء اقوياء واضحين والقوى العظمى باتت تعتبرها صنف ثاني وهي غير قادرة على الذهاب بعيدا ضد تونس خاصة وتونس مدعومة جزائريا وفرنسا لم تعد حمل النزاع مع الجزائر فقد تكون تونس اخر معاقل نفوذها في القارة.
– المانيا القوية اقتصاديا والساعية لتمتين حضورها في هذا الشأن في مستوى سياستها الخارجية خاصة عربيا يتحرك دبلوماسييها بمستوى شعبة في الاستخبارات الاسرائيلية لاسباب معروفة في علاقة المانيا بالكيان.
– ايطاليا الساعية لكسب نفوذ شمال افريقي يعينها ملفين الهجرة غير الشرعية والغاز هاذين الملفين لصالح تونس.
– بريطانيا طبعا وعلاقتها بالاخوان وستستمر في استعمالهم فسياساتها العجوز وبرغم تنامي تأثيرها في عهد سيء الذكر يوسف الشاهد فلا اعتقد انها قادرة على قلب المعادلات في تونس.
دوليا: جاءت 25 جويلية في ذروة الصراع الدولي بين روسيا والصين من جهة والغرب من جهة اخرى وهذا في صالح تونس اذا أحسنت القراءة والتعاطي وفي رسالة التيار الشعبي لرئيس الجهورية في شهر جوان 2021 جاء فيها ” إن التجارب الوطنية التي نجحت في شق طريقها بنجاح هي التي أدرك القائمون عليها التحولات العالمية من حولهم وأحسنوا التموقع فيها، وهو ما يتطلب منا حسن قراءة وإدارة الصراعات الإقليمية والدولية من حولنا حتى نستفيد هذه المرة ولا نبقى إما هامشيين أو تابعين خاصة وأن الصراع في منطقتنا يتخذ وضعا استثنائيا يرجع الى الموقع الاستراتيجي لبلادنا ووطننا العربي في قلب العالم”
ولنأتي الآن الى تمرين مباشر في الغرض: ذروة الأزمة الآن بين روسيا وبدعم صيني والغرب هي في اكرانيا وقد تصل للمواجهة العسكرية،طبعا نخبة الاخوان وحكم التفاهة قد تقول وما دخل تونس في هذا،لنقول تونس مهمة ومحددة كيف:
أمريكا تحاول التصعيد ضد روسيا في اكرانيا ولكن اوروبا مضطربة لأن اغلبية امداداتها الغازية من روسيا وأي مواجهة ستكلف اوروبا غاليا فلا موسكو ولا واشنطن ستعيش في الظلام ولا موسكو ولا واشنطن ستتعرض للقصف او يأتيها اللاجئين،في هذا الصراع تظهر الجزائر كأحد أهم مصادر الغاز لاوروبا وتظهر معها تونس كأحد اهم ممراته واحد أهم حلفاء الجزائر اذن فأمريكا التي تضغط على اوروبا في اكرانيا ليس لها من بديل تقدمه لطمأنتها سوى غاز الجزائر الذي يمر جزء مهم منه من تونس وبالتالي استقرار تونس امر حيوي …اذن تونس ليست بعيدة عن اكرانيا بالمعنى الاستراتيجي لمن يفهم خاصة روسيا والصين تزحف افريقيا وتزيح فرنسا و امريكا من معاقل نفوذ تاريخية.
اذن بالمحصلة الوضع الاقليمي والدولي بات يشكل فرصة لتونس والمخاطر في أدنى مستواياتها اذ أحسنت الدولة التونسية قراءة التحولات الدولية سواء الحالية أو الاستراتيجية وخاصة عالم ما بعد كورونا التي كانت بمثابة حرب عالمية ثالثة من حيث خسائرها وستكون ايضا تداعياتها على النظام العالمي بحجم الحرب العالمية او أكثر وللأسف في تونس القراءة الاستراتيجية غائبة.
العالم ما بعد كورونا والمطلوب من تونس ؟
من الأكيد أن العالم بعد كورونا لن يكون كما قبلها، وهذا ما تقوله كل المؤشرات وما يذهب إليه عدد كبير من الباحثين من مشارب شتى بما في ذلك من كان في الضفة الأخرى من أمثال المنظر الفرنسي وعالم الاجتماع والمستشار السابق للرئيس الراحل فرانسوا ميتران جاك لتالي الذي نشر مقالا حول تداعيات فيروس كورونا تنبأ فيه بحدوث تغييرات عميقة سيشهدها العالم بأسره حيث قال: “كل منظومات الحكم، ومعها كل أسس السلطة الأيديولوجية ستكون موضع مراجعة جذرية، ومن ثمة سيقع استبدالها، ما إن تنتهي الفترة الحرجة، بنماذج جديدة قائمة على نوع آخر من السلط، وقائمة على الثقة في نوع آخر من المنظومات القيمة”.
لنتقدم أكثر لاستشراف زمن ما بعد كورونا. لقد تقدمت مجلة فورين بوليسي الأمريكية بسؤال: كيف سيبدو العالم بعد وباء كورونا؟ وأجاب عن هذا السؤال نخبة منها الجنرال جون ألين مدير معهد بروكنجز والدبلوماسي نيكولاس بيرنز وريتشار هاس وأستاذ العلوم السياسية في جامعة برنستون جون ايكينبري وكيشور محلوباني وزير خارجية سنغافورة السابق ومستشار الأمن القومي السابق في الهند شيفشانكار مينون، وخلصت المجلة لما يلي:
– فشل أمريكا والغرب بشكل عام في قيادة العالم
– تغير النظام العالمي والتوازن القومي
– انتهاء نظام العولمة الاقتصادية والبحث عن سلسلات توريد محلية
– نسف القواعد الحالية لعمليات التصنيع والإنتاج العالمية
– فشل المؤسسات الدولية في القيام بدورها الذي كان متوقعا في التحذير والتنسيق للحد من الأزمة
– توقع تفكك الاتحاد الأوروبي بعد فشله في مواجهة الأزمة
– المزيد من الانكفاء إلى الداخل وتراجع القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك
– تقوية مفهوم الحكومة المركزية وتعزيز قبضة الحكومات
– قوة الروح الإنسانية ونجاحها في مواجهة الخطر
– المنتصر في الحرب ضد كورونا هو الذي سيكتب التاريخ ويحدد المستقبل بشكل كبير
– سيكون العالم أقل انفتاحا وأقل حرية وأكثر فقرا
وبناء على كل ما سبق يصبح من المؤكد بالنسبة إلينا أن الدرس المستفاد هو التعويل على الذات وبناء مشروع التنمية المستقلة الذي يقتضي بأن تكون الدولة صاحبة الدور المركزي في التنمية. لقد تهاوت كل الخيارات بسرعة البرق وتهاوى خيار تجريد الدولة من دورها وتهاوت الرهانات الخاطئة والشعارات الفضفاضة حول العولمة والاستثمار الخارجي والتعاون الدولي ولم يبقى اليوم للشعب وحتى للرأسمالية الطفيلية مكان لتحافظ على وجودها ما عدا الدولة والقطاع العام.
كما إن احدى المداخل المهمة لاقتحام زمن ما بعد كورونا هو تصحيح النظام السياسي بما يتناسب والمستقبل حيث لا مستقبل للدولة الهشة والمفكك قرارها.
أما اقتصاديا واجتماعيا فوجب علينا أن نخرج من دائرة التردد ونواجه الرأسمالية الطفيلية ونخبتها بكل شراسة ونحول مخاطر هذا الوباء إلى فرصة لتصحيح الوضع كاملا في بلادنا من خلال مشروع تنموي وطني مستقل منفتح على العالم الجديد على قاعدة رابح-رابح.
وهو ما يتطلب جرأة في مواجهة المصالح والقوى الداخلية الضالعة مع القوى الخارجية في تحالف شرس غرضه احباط كل محاولة لبناء مشروع تنموي مستقل وتبني موقف سياسي نضالي ضد التبعية لتحويل التنمية المستقلة مطلبا عاما يشكل ضغطا سياسيا وفكريا واقتصاديا،فقد سهلت هذه الأزمة الناتجة عن وباء كورونا كذلك إمكانية اقناع الناس بضرورة قيام تنمية مستقلة.
وهذا يتطلب تعبئة وطنية شاملة من أجل استلهام الذات الوطنية ووالقيام بتجنيد القدرات القائمة والمحتملة والانفلات من سيطرة النخبة العميلة التي تعمل على اقناعنا بأن النموذج الاقتصادي والسياسي والثقافي التابع هو النموذج الوحيد الممكن وهذا لن يكون الا بالزج بالشعب في قلب المعركة التحررية وضرورة استمرار فعله الميداني لدفع الامور نحو الحسم واسترجاع الدولة وقرارها السيادي ومنع اي محاولة التفاف داخلية او خارجية.

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه