كورونا مُفجِّر الأسئلة…”أو الأُبعاد الفلسفية والسياسية لهذا الوباء العالمي”

بقلم فوزي حساينية: كاتب جزائري |

من المعروف أنَّ أهم شيء في الفلسفة كما يقول الفلاسفة والدارسون للفلسفة، هو أن طرح الأسئلة المناسبة يعدُّ في أحايين كثيرةٍ أهم من تقديم الأجوبة، ورغم ما قد يتضمنه هذا الطرح من مبالغة إلا أنَّه وفي مجمله يعكس جانبا مضيئا مشرقا من الأدوار التي تضطلع بها الفلسفة في مسيرة التقدم الإنساني، ذلك أن طرح الأسئلة المناسبة يعني الدفع بعملية التفكير والتدبُّر في الأفكار والآراء إلى أبعد مدى ممكن، ورفض الخضوع لمنطق أن الأمور باقية على حالها أوهي كما تقررت من قبل.

وإزاء وباء كورونا وما فعله لحد الآن بالشعوب والدول، نجد أنفسنا أمام سيلٍ منهمرٍ من التساؤلات وقليل من الإجابات، تساؤلات تمسُّ الناس في يومياتهم المادية والوجدانية، كما تمسُّ الإنسانية ككل في حاضرها ومستقبلها، وهنا أتذكر أن المفكر الراحل محمد أركون كان كثيرا ما يُعلن إعجابه وافتتانه بالقول الشهير لفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة الذي كانَهُ أبو حيان التوحيدي والذي أعلن : ” إن الإنسان أشكل عليه الإنسان ” كان ذلك في القرن الرابع الهجري، ويمكننا نحن الآن في القرن الواحد والعشرين أن نردد على نفس الوتيرة : ” إن الإنسانية أشْكلتْ عليها الإنسانية ” فإزاء محنة وباء كورونا، وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لم تعد القضية قضية الإنسان، بل أصبحت قضية أو بالأحرى أزمة الإنسانية في عموم أحوالها وشوؤنها، كورونا ليس هو أول وباء يضرب الإنسانية بهذه الحدَّةِ وبهذه السرعة والاتساع فحتَّى في القرن العشرين كانت ثمة أوبئة فتكت بالملايين مثل الأنفلونزا الاسبانية سنة 1918 التي حصدت ملايين النفوس، ولكن وباء كورونا هو أول وباء يضع الإنسانية في مواجهة ذاتها بشكل مباشرٍ، ويعيدها إلى أكثر الأسئلة وجودية واتصالاً بالحياة والموت،سواء تعلق الأمر بالإنسان الفرد أو بالمجتمع الإنساني في مختلف أبعاده المادية والقيمية،فعلى مستوى الإنسان الفرد، اكتشف المرء أن مجرد الاقتراب من الآخر والتحدثِ إليه قد يكون أمراً قاتلا أو بالغ الخطورة على الحياة، ومن ثمَّة انكشفت أمامنا فجأة مدى هشاشة الحياة وافتقارها للحماية والقدرة على الصمود، حياة لكي نحافظ عليها ونوفر لها احتمالات أفضل للنجاة لا يملك العلم إلا أن ينصحنا بالعزلة وتجنب المخالطة، فالتواصل الاجتماعي ومايتضمَّنه من علاقات تأثرٍ وتأثيرٍ، أو ما عبَّر عنه البعض بأن الإنسان  كائن اجتماعي بطبعه، هذا الطبع بالذات هو ما فرض علينا كورونا أن نتخلى عنه، وإلا فإنَّ الثمن سيكون رهيبا، الموت لنا ولمن نخالطهم، حتَّى ولو كانوا من أحبِّ الناس وأعزهم علينا، وحتى التعامل الاجتماعي مع الموت فرض علينا كورونا أن نُغيره، فلم يعد ثمة مجالٌ لمراسِم العزاء، والالتقاء والتحدث عن خصال الفقيد، فالالتقاء وتقديم العزاء صار خطرا ماحقا يهدد بنقل العدوى،وبثِّ الرعب وهستيريا الخوف من الإصابة، وحتَّى إرسال الأموات إلى مثواهم الأخير، صارعملية محفوفة بالمخاطر، إذ أصبح من المحتم التعامل مع الدفن، لا كعملية لها جلالها وقُدسيتها فحسب، بل كعملية تحفُها الكثير من المخاطر، مما يُوجب قلة المُشيعين مع السُّرعة والحذر الشديد في إنجازها فكأنَّ  كورونا منح للأموات من ضحاياه وهم يُشيَعون إلى قبورهم ، القدرة على بثِّ الموت أو الرعب من الموت فيمن يشيعونهم ! أي أنَّه لم يعد هناك فاصل حقيقي بين الموت والحياة، بين الأموات ومن يشيعونهم من الأحياء، وكأن عالم الحياة وعالم الموت قررا إسقاط فواصل الزمن، وحواجز المكان بينهما، وتلقين الإنسان درساً يكون قد بدأ في نسيانه، وهو أن الموت ليس نهاية للحياة فقط ، بل هو جزء من الحياة نفسها، كما أن الحياة ليست حصنا   واقيا من الموت بل عليها أن تستمد القدرة على الاستمرار من مواجهة الموت نفسه، والذي ازدادت شراسته وقدرته على حصد النفوس بفضل تحالفه مع كورونا، ولكن من يكون كورونا المُرعب الرهيب هذا ؟ إنَّه كائن لا يمكن رؤيته بالعين المجردة إلا إذا تم تكبيره 2600 مرة ، ولكن من أين يستمد قوته الفتاكة على القتل وإزهاق النفوس ؟ الواقع أن العلماء والباحثين لم يقصِّروا في محاولة الإجابة على هذا السؤال، وآراؤهم مبثوثة ومشروحة في شتى المواقع المختصة، وتكفي الإشارة هنا إلى ماقاله البعض من أن عبث الإنسان بالأنظمة البيئية وتدميره لمختلف توازناتها الحيوية، قد فرض على الكثير من الكائنات المجهرية التكيف مع هذا الوضع مما جعلها تكتسب خصائص غير معروفة لنا، وهذا هو جوهر التحدي الذي فرضه فيروس كورونا المستجد على مختلف المخابر العلمية في أرجاء الدنيا، هذه المخابر التي تمكنت من تفكيك شفرته الوارثية، ولكنها لم تتمكن لحد الآن من إيجاد العلاج الحاسم ، الأمر الذي يضعنا أمام لحظة فلسفية هائلة، فكل التطور العلمي والتكنولوجي الذي اكتسبه الإنسان وقف عاجزا أمام هذا الكائن المجهري المستجد !؟ الإنسان الذي صعد إلى الفضاء، ونزل إلى أعماق المحيطات، وهيمن على الذرة وقواها الجبارة، وقف شبه عارٍ أمام التحدي السافر لكورنا، ومن المؤكد أن بعض المخابر العلمية ستتوصل إلى إيجاد العلاج المناسب لهذا الوباء، ولكن الدروس التي تعلمناها من هذا التحدي عديدة ومهمة ، إنها دروس تخصُّ الإنسانية ككل،ولا تخصُّ الإنسان كفردٍ، ومن أهم تلك الدروس التي وقفنا عليها عياناً نذكر:

أولا: لقد أحدث كورونا صدمات اجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية هائلة، وهي صدمات لم ينجو من وقعها وتداعياتها احد فخلافا للمجاعات وبعض الأوبئة السابقة التي كانت تنزل بإفريقيا وبعض جهات العالم المتخلفة، جاء كورونا عاما عادلا، بحيث ألغى الحدود والحواجز، وفرض نفسه على الجميع مذكرا بقوة أن الثراء والتقدم العلمي، لا يكفيان وحدهما للاعتصام والنجاة من بطش كورونا، وأنَّ على الإنسانية أن تتصرف كوحدة واحدة، وأن تعود إلى قيم التعاون والتعاضد والمساعدة المتبادلة، وبمعنى أدق فقد أحدث كورنا هزة أخلاقية مزلزلة لضمير الإنسانية وأخلاقياتها المتداعية تحت وطأة العولمة الظافرة.

ثانيا: أظهر كورونا بوضوح بعض الاختلافات الهامة بين مختلف المناطق الحضارية في العالم، فبينما سارعت اليابان حكومة وشعبا منذ البداية إلى تقديم يد المساعدة إلى الصين، وقفت كبريات الدول الأوربية موقفا سلبيا مخزيا من معاناة واستغاثات إيطاليا وصربيا، وأغلقت على نفسها الأبواب والنوافذ،ضاربة عرض الحائط بأبسط موجبات التضامن الأوربي، مما دفع بالفيلسوف الفرنسي ميشيل أنفريMichel Onfray  في تعليقه على سوء تعامل القادة الأوربيين مع أزمة وباء كورونا، إلى القول في حوار مع مجلة لوبوان (le point) الفرنسية الأسبوعية : ” إن أوربا في طريقها لأن تكون العالم الثالث الجديد “، ومن الصحيح أن الإتحاد الأوربي تحرك متأخرا لتدارك الوضع كتخصيص مبلغ 300 مليار يورو لدعم المؤسسات المتضررة ، والتخلي عن شرط الحد الأدنى للعجز في الميزانية للدول الأعضاء، إلا أن لحظة ألم عميقة تم تسجيلها في الضمير الأوربي، لحظة مؤلمة، وربما ستكون تداعياتها القريبة أعمق حدة وألما.

ثالثا: لقد أبرزت جائحة كورونا بوضوح أهمية الدور المركزي للدولة في مختلف أنحاء العالم،ففي مواجهة كورونا وتداعياته الهائلة، كانت الدولة بمختلف أجهزتها المدنية والعسكرية هي خط الدفاع الأول والصلب عن المجتمع وكانت الحاجة واضحة إلى مركزية القرار الذي يضمن حماية الحدود البرية والبحرية والجوية ويعصم من التردد والتشرذم وتشتت الجهود، وحقيقة بروز أهمية الدولة في مواجهة هذه الأزمة الوبائية العالمية، ستكون لها آثارها العميقة على الفكر السياسي ليبراليا كان أم غير ليبرالي فإذا كان من المعروف أن الدولة هي أهم شخص في القانون الدولي العام، فإن هذه الحقيقة ستكتسب حتما أبعادا سياسية وفلسفية أخرى بعد  جائحة كورونا.

رابعا: يشير البعض بمناسبة أو غير مناسبة إلى أننا سنكون إزاء نظام دولي جديد بعد كورونا ، فهل هذا وارد حقا ؟ لا أعتقد ذلك، فالراجح أننا لن نكون إزاء نظام دولي جديد، لأنَّ الوصول إلى ذلك يتطلبُ أكثر من كورونا، كما أن الصين لن تتولى قيادة العالم بعد كورونا، ليس فقط بسبب أن الصين ليست مستعدة بعدُ لمثل هذا الدور، بل هي لا تريده أصلا، على الأقل في المدى المنظور، لأن الصين لها انشغالات واستحقاقات تنموية داخلية ضخمة، تتطلب تغليب الحضور الداخلي على الحضور الخارجي، ولذلك فإن من مصلحة الصين أن يستمر النظام الدولي الحالي الذي يتوافق مع توسعها التجاري العالمي، وبذلك تتركز السياسة الخارجية الصينية على محيطها المباشر( تايوان ، بحر الصين الجنوبي، كوريا الشمالية ..) وعلى ضمان استمرار التعاملات التجارية، وتدفق المواد الطاقوية والمعدنية، وباختصار الصين بعد كورونا لن تصارع الولايات المتحدة على قيادة العالم، بل سترافع من أجل استمرار النظام الدولي الراهن، مع السعي لتحسين مناخ الأعمال والتعاون الدولي، ومجمل ما ذكره الدكتور طارق ليساوي في مقاله المنشور برأي اليوم ” هل فعلا أزمة كورونا تشكل فرصة لتحقيق الحلم الصيني” ؟ يعد قراءة ممتازة لبواعث ولمآلات الموقف الصيني وتطوراته المرتقبة، وإن كان تنبؤ الكاتب في خاتمة المقال بــ” انهيار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية ” يحتاج إلى مناقشة معمقة، لسببين بسيطين، وهما : 1- أنه لايوجد دليل نهائي على أن ” نظام العولمة المالية والتجارية وعولمة الأزمات والأوبئة قد بلغ نهايته ” كما ذكر الدكتور طارق ليساوي، وما توجه عشرات الدول إلى صندوق النقد الدولي لطلب النجدة المالية لمواجهة تداعيات كورونا إلا دليل على أن الأفق لم يتضح بعد فيما يخص مصير نظام العولمة. 1- وهو أن نظاما دوليا معينا لا يمكن أن ينهار إلا إذا كان ثمة بديل جاهز ليحل مكانه، وهو أمر غير متوفر في حالتنا على الأقل في المدى المنظور. ومصير نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية سيتقررعندما تترسخ بوضوح في المحيط الدولي حقيقة الأقطاب المتعددة، مع مزيد من التراجع  وعلى كافة المستويات في القوة والدور الأمريكي، ولكن أيضا بحدوث تحولات جوهرية في منطقة الشرق الأوسط ، وهي التحولات التي برزت بعض مؤشراتها من خلال الصراعات الإقليمية والدولية الدائرة في المنطقة.

خامسا: إن استبعاد قيام نظام دولي جديد بعد كورنا، لا يجبُ أن يجعلنا نستبعد حدوث تحولاتٍ هامة في المشهد الدولي والإنساني، مثل ظهور بداية لتحالفات دولية وإقليمية جديدة،تصبُّ في مصلحة حثِ السير نحو عالم متعدد الأقطاب وهي العملية الجارية منذ عقدين على الأقل، مع تصاعد هائل في القوى الناعمة لبعض الدول التي سارعت إلى مساعدة الدول الأخرى، مثل الصين وروسيا وكوبا، هذه الدول بادرت إلى مد يد المساعدة إلى مختلف دول العالم في مقابل المواقف السلبية للولايات المتحدة الأمريكية مثلا، وهو ما يعد تراجعا أخلاقيا كبيرا، وانتقاصا ملموسا من تأثير ” القوة الناعمة ” لأعظم دولة في العالم. سيكون الإتحاد الأوربي بدوره في مواجهة الأسئلة الصعبة التي لم يواجهها ربما منذ سنوات طويلة، وهو ما يفسر تحذير رئيس المفوضية الأوربية الأسبق ” جاك دلور” من أن انعدام التضامن قد يجلب ” خطرا مُميتا للإتحاد الأوربي ” ، وليس من المستبعد أن نرى صعود بعض التيارات القومية في القارة العجوز، كما أن ظهور تيارات أدبية فكرية فلسفية جديدة هو من بين الأمور الواردة جدا، لأن الأزمة الطاحنة التي تسبب فيها كورونا قد مست الإنسان- والإنسانية – في أدق تفاصيل حياته المادية والمعنوية ووضعته بشكل مباشر وصارخ أمام الرُعب والخوف مع اهتزاز واضح للثقة في العديد من المسلمات وشبه اليقينيات التي كان يُعتقد أنها مكاسب ثابتة ودائمة في إطار المنظومة الليبيرالية العالمية المُهيمنة.

لقد فجر كورونا كمّاً هائلا من التساؤلات، ابتداء من ماهية ومصدر كورنا نفسه، وهل هو صفعة إلهية للإنسانية على تمردها واستكبارها، أم هو مكر شيطاني أُوحي به إلى البعض لاستغلال التقدم التكنولوجي في تدمير الآخر وإضعافه في إطار حرب حضارية غير معلنة ؟ وغيرها من التساؤلات التي لا يمكن في الواقع استبعاد أي منها، لأن ذلك يتناقض مع حكمة اللحظة التي تتطلبُ منا التواضع في الاستنتاج وعدم الإدعاء بامتلاك القدرة على الفصل في الحكم والقول، لأن مسلكا مثل هذا يتناقض مع جوهر الفلسفة التي ترفض أن تكفَّ عن السؤال، ويتناقض أيضا مع جوهر السياسة التي نعرف أنها عند الضرورة قادرة على كل شيئ ! لكن لعل أهم سؤالين مطروحين الآن هما : متى يمكن التحكم في هذا الوباء ؟ وهـل سيتعزز التضامن الدولـي و الإنساني أم أننا سنشهد انتكاسة تاريخية كبرى في هذا الصدد ؟