كُنّش الأيّام الثلاثة الأولى من «سيف القدس»: ملاحظات استراتيجية…بقلم د. عادل بن خليفة بالكَحْلة*

  1. مرحلة جديدة في الثورة الفلسطينية التي بدأت منذ ما قبل 1948 ضد الإمبريالية البريطانية-الصهيونية. دون مبالغة، إنها مرحلة نوعية أصبحت فيها المقاومة تبدأ هي المعركة، بينما «إسرائيل» تصبح مدافعة، وهستيرية أكثر من ذي قبل، أي دون استراتيجيا عسكرية واضحة. وأصبحت كل فلسطين تتحرك في اللحظة نفسها من الشمال إلى الجنوب، وبذلك لا ينفرد الكيان الصهيوني بالبؤرة الثورية الواحدة، كما كان من قبل. أصبحت الثورة تجمع بين التظاهر الشارعي الأعزل والعمل المسلّح في الآن نفسه. دخلت الثورة مرحلة عسكرية جديدة. ف«سيف القدس
    » هو أهم خطر جدي «يهدّد إسرائيل منذ تأسيسها»، كما اعترف رئيس الكيان الصهيوني.

      يجب أن نتخلى عن مصطلح «الانتفاضة» منذ الآن. فنحن اليوم في سياقات «ثورة تحرير وطني» حقيقية، يمكن أن تفضي بمراحل إستراتيجية مضبوطة إلى مراكمة تقريب يوم الاستقلال الوطني. «القدس أقرب»!!

  1. منظر مدهش. غير عادّي. جموع الفلسطينيين، نحو 50 ألف فلسطيني، يزحفون نحو المسجد الأقصى، دون خوف، لكسر الحصار الصهيوني الأبارتايْدي عن المسجد الأقصى. وقد كان بالإمكان أن يكون سَوادهم أعظم لولا الحواجز الاحتلالية، هذا يوم غير عادي، ويعني تغييرًا نفسيا واستراتيجيّا في وعي الشعب الفلسطيني داخل حدود الكيان الغاصب.

وأن يهدد الجناح المسلّح من الثورة بالتدخل في ساعة مضبوطة إذا لم يَفك الأبارتايْد الصهيوني حصاره عن المسجد الأقصى. هذا أيضا غير معهود. يتراجع الأبارتايد الصهيوني، ويسعى للانفراد بغزّة المتضامنة مع القدس، ولكن القدس والأحمية المحتلة عام 1948 تتضامن مع غزة. اصبحت فلسطين كتلة ثورية واحدة. هذا مشهد لم نعهده من قبل.

  1. عرفنا ديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية، ديمقراطية الأوليغارشية المالية المتحالفة مع رأس المال الرّبوي اليهودي (الذي كدَّر حياة المقاول الأمريكي هنري فورد). انكشفت أكثر مع زحف الشوفينيين الترمبيّين في غزوة الكابيتول. وهي معروفة بلاعقلانيتها الخارجيّة: كانت طويلا إمبريالية تجاه أمريكا الجنوبية، ثمّ أصبحت إمبريالية عالميّا. وأهمّ محور في استراتيجيتها الإمبريالية زرع الكيان الصهيوني وحمايته بوضع اليهود في محرقة تجاه العالَم كله (ابتزازًا لرأس المال الربوي اليهودي وإبعادًا للخطر اليهودي عن المركز الإمبريالي). فكل السلاح الصهيوني أمريكي، وكل تدريبه أمريكي أيضا. والخاسر الأول هو المواطن الأمريكي دافع الضرائب تحت عنف الدولة الإمبريالية. وليس الاتحاد الأوروبي وأكثر دول أوروبا الغربية بعيدة عن ذلك، فهي ذات ماضِ استعماري، ثم أصبحت خاضعة للمركزية الأمريكية. فقط، علينا أن نقوّي علاقتنا باليسار والتقدميين هناك لنزحزح الموقف الأوروبي، وأن نبحث عن صداقات مع إسكندينافيا وإيرلندة وإسكتلندة اللتين مازالتا تعانيان من الإمبريالية الإنكليزية.

    ومن الغباء الرهان على الرئيس الجديد (بايْدن)، فهو أخطر من ترامب. لم يكن «الخريف العربي» إلا بتدبيره، ولقد قال يومًا ما: «تمنيت أن أكون صهيونيًّا». كانت الولايات المتحدة الأمريكية أبَارْتايْدًا غير معلن في الداخل (راجع: إمامو بركة، ومَلْكولم إكس، و مارتن لوثر كنغ، وغيرهم)، وكانت الداعمة الأولى لأبارتايد جنوب إفريقيا وإسرائيل.

  1. القنوات المسيحية العربية الموجودة على نيل-صات لا تعنيها 3 أيام من الثورة الفلسطينية الراهنة. هل كان المسيح الثائر، السوري، الفلسطيني، الزيلوتي، بعيدًا عن مقاومة الإمبريالية الرومانية ورأس المال الربوي اليهودي المتحالف معه و الذي أصدر «قرار» إعدام ذلك الثائر السوري. قال المسيح: «من لم يكن له سيف، فليبع ثوبه وليشتر سيفا» من اجل المشاركة في الثورة السورية على المحتل. وقال: «أعط ما لقيصر لقيصر [وهو السيف]، وأعط ما لله لله [وهو الحب]». متى ستصبح المسيحية العربية ذات لاهوت تحرّر زيلوتي؟!! هل المسيحية (وأي دين) هي أفيون أم يقظة دائمة؟!! ما أثر «حارس القدس»، المطران كبوجي، على المسيحية العربية الراهنة؟!

      نلاحظ أن المسيح الثائر الزيلوتي على الاحتلال الروماني لبلاده، سوريا، غير متبنّى من المسيحيين العرب لأن مسيحيتهم ما زالت رومانية_قيصرية في أكثرها. وهو غير متبنى من المسلمين لأنهم لا يعلمون أن إصلاح العالم في الإسلام لن يكون بدون ظهور المسيح على «أسوار دمشق» كأنهم مرعوبون من أنّ هذا التبنّي سيجعل المسلمين «مسيحيين»، وكأنهم لا يعلمون أن الإسلام لا يكون إلا بالإيمان بكل أنبياء الكرة الأرضية بمن فيهم المسيح.

  1. في اليوم الثاني من «سيف القدس» كانت الأخبار المسائية لقناة الإنسان الإخوانية- السلفية في تونس بالترتيب التالي: «تصريحات اللجنة العلمية الطبية في تونس»، «تسجيل حالة وفاة جديدة في سوسة»، «ائتلاف الكرامة: الرئيس متعالٍ على الدستور»، «الحياة التجارية تخرق الحظر الصحي في معتمديات ولاية المهدية»، وأخيرًا: «المقاومة تضرب عسقلان، وحصيلة الشهداء في غزّة، ومهاجمة وزارة الخارجية الأمريكية للمقاومة»، «إلى هنا، وصلنا إلى النهاية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

     ونلاحظ عدم وجود شريط سفلي بشاشة هذه القناة. فهناك تنصيص على أوقات الصلوات اليومية فقط، بينما في زمن الحرب العالمية على سوريا كانت الأخبار تبدأ «بالثورة» الإخوانية- السلفية- القطرية- السعودية- الأمريكية في سوريا، وتتوسطها وتنتهي بها، مع هامش تونسي؛ وكان 80% من الشريط السفلي لا يهم إلا تلك «الثورة».. هل «سوريا» في المخيال الإخواني أهم من فلسطين؟!!

    وفي صبيحة العيد، كان السديس يصدح بالقرآن الكريم في قناة الإنسان، كالعادة كل يوم، وهو الذي قال: «اللهم انصر ترامب، فهو عمود للإسلام مع ولي عهدنا محمد بن سلمان!». فاللاوعي السلفي_ «الجهادي» مازال مستحكما في ممارسات هذه القناة.

  1. لم تعلن أحزاب الإخوان المسلمين في ليبيا وتونس والمغرب ومصر وسوريا بيانات ضدّ العدوان الصهيوني الراهن، بينما فيلسوفهم أبو يعرب المرزوقي ينبه أنّ حماس بإعلانها هذه الانتفاضة «إنما تنفذ استراتيجيا شيعية- إيرانية- مجوسية»، و«عليها التخلي عن ذلك». وكانت «تدوينات» (الموقع الإخواني) بعيدة عن متابعة هذه الانتفاضة، على عكس متابعتها ل«ثورة» سوريا المخيالية في الماضي القريب؛ بينما يستمر الإخواني الجديد «ب. أ.» في تدويناته ذات اللغة الزنوية، ويستمر الجامعي «ن.ع» في تشويه الرئيس.
  2. الاستعداد الأخلاقي هو أهم استعداد في حروب التحرير الشريفة. فهو ضمانة أن الله المنتقم، الجبّار، العدل، سيضمن بقاء الانتصار واستمراره ونموّه. هذا رسول الله قبل كل «معركة» (ولم تكن له أي «غزوة») يسأل أصحابه إن كان أخطأ مع أحدهم. نتذكر جيّدا أنه بسهمه دَفع بلطف بطن سوادّ بن غزيّة، ولما سمع الصحابي سؤال الرسول، استغل الفرصة ليقتص منه، فقدّم له بطنه…

     نعم… هذه فرصة أخلاقية أمام حماس، لتطلب المغفرة من سوريا التي كانت صديقة لها لتغدر بها، فتكون مع التدمير العالمي (السلفي- السعودي- القطري- الأمريكي) للدولة السورية المقاوِمة وذات الاقتصاد الاجتماعي.. هذه فرصة.. فسوريا هي التي احتضنت حماس: فضاءًا، وتدريبًا من جيشها، وتسليحا، وسماحا بمرور السلاح الإيراني إليها بالأرض المُحتلة حتى بعد ذلك  «الغدر» سامحها الله… وإنني أستغرب بطء التدين الحماسي في المبادرة بالاعتذار عن الخطإ مع الأخت السورية المظلومة! فلا يمكن لله تعالى، أن ينصُر إلى ما لا نهاية من ترك مِنّة الانتصار الإلهية معلّقة بعدم الاستغفار لمن ظلمناه.

   فهل تكون لحماس شجاعة أخلاقية وتقوم بهذه الخطوة التصالحية. أوّلا لأن الصلح خير، ثانيًا لأن وحدة محور المقاومة من كراكاس إلى طهران هي من أهم الضمانات لانتصار الثورة الفلسطينية، وثالثا لأن المؤمن يخطئ ولكنه يتوب (ومَن مِنا لا يخطئ).. هذه فرصة لحماس  لتضمن ارتفاع نسبة حبنا لها وثقتنا بها… ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (ال عمران ،  135) …

  1. في المستقبل، لن نقول لمن يقول كلمة تكفير في سوريا وإيران إنه «مضلَّل مسكين»، أو «مريض نفسيا» أو«منافق»، بل سنقول: «إنه شيطان، عميل للإمبريالية والصهيونية سواءًا كان واعيا بذلك أو غير واعٍ». فلقد أصبح كل شيء واضحا وضوح الشمس، فهل كانت الثورة الفلسطينية، منذ عام 1948 بهذه القوّة، وما زالت ستقوى، لولا الدعم غير المحدود وغير المشروط من محور المقاومة.
  2. لم تكن هناك ثورة تحرّر في التاريخ دون تضحيات. ولكنّ إبداعية هذه المرحلة من الثورة الفلسطينية يجعلنا نطمئن على مستقبلها وعلى قدرتها على الحماية النسبية لشعبها.

    ما يهم أن استمرارها وتطوّرها رهينان بالتوحّد الحِمَوي والإراديّ الفلسطيني، وصنع القيادة الطبيعية التوحيدية للثورة، ولعلّ نموذج الأب عطاء الله حنا اليوم هو الأقرب إليها نظرا لمراكمته الكثير من الأحداث التضحوية. وهما رهينان للتشبيك الصادق بمحور مقاومة الإمبريالية في العالَم مِن كركاس إلى طهران. وهما رهينان بوضع استراتيجيا واضحة وتفصيلية وعقلانية للوصول الى يوم الاستقلال الوطني عن الإمبريالية الأمريكية_الصهيونية على أرض فلسطين. وإذا رفض اللاعقل المتعصب هذه الشروط، فإنّ قرب القدس سيتأخر أكثر…

 

*(باحث اجتماعي وإناسي الجامعة التونسية)

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه