لا مكان للاحتلال الامريكي أو التركي ولا لأذنابهم الشمال السوري في سوريا…بقلم الدكتور بهيج سكاكيني

توقع الامريكي ان إحتلاله مناطق واسعة في الشمال الشرقي لسوريا ورعاية أداته الرئيسية من “قوات سوريا الديمقراطية” والتي في معظمها مكونة من الاكراد الطامحين الى تكوين جيب كردي في تلك المناطق التي تعتبر السلة الغذائية لسوريا والتي كانت تؤمن على ما يقارب من 90% من إحتياجات النفط والغاز للشعب السوري, سيدوم لفترة طويلة تتيح لهذا الاحتلال تضييق الخناق أكثر وأكثر إقتصاديا على الدولة السورية الى جانب محاولته الى تمزيق الخارطة السورية بفصل هذه المناطق عن الدولة السورية.

منذ بداية الاحداث في سوريا 2012 على وجه التحديد وبعد أن نجح حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة في غضون اسابيع قليلة بإسقاط الدولة الليبية وقتل العقيد معمر القذافي وتحويل الدولة الليبية الى دولة فاشلة يتحكم في مناطقها أمراء الحرب وتنظيم القاعدة والتي لم تشهد حالة من الاستقرار الى الان, توجهت أمريكا ومع أدواتها في المنطقة وجندت مئات الالاف من جحافل الارهابيين من اكثر من 80 دولة بحسب المعلومات المؤكدة من أجهزة الاستخبارات الغربية لتدمير الوطن السوري وجره الى المظلة الامريكية واستراتيجيتها في المنطقة. هذه الاستراتيجية التي كانت وما زالت احد ركائزها الاساسية تدمير الدول الوطنية الى جانب تدمير جيوشها وقدراتها العسكرية والاقتصادية والحاقها بالركب الامريكي اسوة بالنظام العربي الرسمي وخاصة الخليجية منه. هذا المخطط الذي عمي أو تعامى البعض عنه إما لقصر نظر في التحليل السياسي أو للعمالة للولايات المتحدة والمنظومة الراسمالية العالمية. هذا المسلسل المترابط الذي بدأ بتحييد مصر عن الصراع الاسرائيلي في الغزو الامريكي والبريطاني الى العراق عام 2003 وتدمير ليبيا ومحاولة فعل شيئا شبيها بالدولة السورية ومن ثم العدوان الهمجي الذي قادته السعودية على اليمن وفصل جنوب السودان عن جنوبه ومحاصرة لبنان حاليا الى جانب حرف بوصلة الصراع في المنطقة باعتبار إيران العدو الرئيس وليس الكيان الصهيوني الغاصب.

واتى العدوان الكوني على سوريا ومحاولة تقسيم الجسد السوري على اسس طائفية ومذهبية وعرقية هو الطريق الاستراتيجي لتحقيق هذا الهدف. ولا بد ان تبقى هذه الحقائق التاريخية ماثلة أمامنا حتى نتفهم ما جرى وما يجري الان على الارض السورية وخاصة في الشمال السوري الذي تحاول كل من الولايات المتحدة وتركيا ومن خلال سيطرتهما المباشرة أو غير المباشرة عبر أدواتهم لتغيير البنية الديمغرافية لتلك المناطق الى جانب النهب المستمر لثرواتها من محاصيل زراعية او نفطية وذلك للضغط على الدولة السورية إقتصاديا وعرقلة إعادة البناء لما دمرته الحرب الكونية التي فرضت على سوريا الى جانب تحقيق الاطماع التركية في الاراضي السورية ومحاولة تقسيم الشمال السوري بعيدا عن سيطرة الدولة السورية. هذه الاحلام ما زالت تراود الولايات المتحدة وتركيا وبغض النظر عن التصريحات المضللة والكاذبة التي تظهر بين الحين والاخر حول إحترام وحدة الاراضي السورية فكل ما يجري على الارض يخالف هذه التصريحات.

الولايات المتحدة ومن خلال عنجيتها وغطرستها وتفاخرها بقدراتها العسكرية وبالرغم من هزيمتها المذلة الحديثة في أفغانستان بعد إحتلال دام عشرون عاما لم تتعلم أو لا تريد استيعاب أن الشعب المحتل عاجلا ام آجلا سينهض لمقاومة الاحتلال وإغتصاب ارضه ومقدراته وعلى انها مجرد مسألة وقت. وهذا ما تؤكده بعض التصريحات التي تعبر عن ذهول بعض السياسيين والعسكريين الامريكيين عما حصل في الفترة الاخيرة في الشمال السوري حيث تعرضت القواعد الامريكية لاكثر من خمسة هجومات بالصواريخ لهذه القواعد الى جانب المنشآت النفطية التي تسيطر عليها القوات الامريكية وبعض هذه الهجمات أحدثت اضرارا مادية بليغة. وهذه الضربات الموجعة أجبرت قيادة القوات الامركية في المنطقة الى تحريك انظمة مضادة للصواريخ.

هذه الاحداث وردة الفعل الامريكية يجب ان تقرأ جيدا لا ان نمر عليها مر الكرام لانها تدلل على تطور نوعي الى حد كبير في قدرات المقاومة الشعبية المسلحة السورية في تلك المناطق. فمنذ مدة ليست بالقصيرة كنا نسمع عن عملية هنا وعملية هناك وبمقاومة شعبية تتخذ طابع المظاهرات والحركات الاحتجاجية على التواجد الامريكي أو على السياسة التي تنتهجها قوات سوريا الديمقراطية في إدارة تلك المناطق من التضييق على الأهالي وإختطاف الشباب والاطفال وإجبارهم للانضمام اليها بحجة محاربة الارهاب, الى جانب عملية إغتيالات لبعض قيادات العشائر العربية المناهضة للوجود الامريكي وقسد, اللعبة التي اصبحت مكشوفة. ومن هنا لا بد ان ننظر الى العمليات الاخيرة بقصف القواعد والمعسكرات الامريكية بالصواريخ وبهذه الكثافة وفي مسافة زمنية قصيرة على انها تشكل تطورا نوعيا في المقاومة الشعبية المسلحة وعلى أنها انتقلت الى مرحلة جديدة من حيث إكتساب الخبرات العسكرية والعملاتية والتسليحية وأن هنالك قرار قد إتخذ في مواجهة الاحتلال الامريكي وأذنابه في تلك المناطق.

 وما ينطبق على الاحتلال الامريكي سنرى قريبا انه سيكرر في المناطق التي تسيطر عليها تركيا وأذنابها فهنالك حالة من الغليان الشعبي في تلك المناطق التي تتعرض الى فرض تغييرات ديمغرافية من قبل الجانب التركي الى جانب محاولة فرض المناهج التعليمية التركية وتدريس اللغة التركية في المدارس على امل تحويلها الى لواء اسكندرون آخر.

* كاتب وباحث اكاديمي فلسطيني

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه