لماذا وقفت الولايات المتحدة حائلا امام صدور قرار أو حتى بيان من قبل مجلس الامن الدولي…بقلم الدكتور بهيج سكاكيني

بات من الواضح ان الولايات المتحدة هي من يقف حجر عثرة أمام ان إصدار مجلس الامن الدولي قرار أو حتى بيان يخص الاعتداء الهمجي للكيان الصهيوني بدء من عملية التطهير العرقي للاستيلاء على بيوت العائلات الفلسطينية في الشيخ جراح في القدس الى الاعتداءات على المحتجين الفلسطينيين في باب العمود الى الاعتداءات الوحشية على المصلين في باحات مسجد الاقصى ومحاولة إقتحام المسجد الاقصى والقاء القنابل المسيلة للدموع والصوتية داخل المسجد ومنع المصلين من الخروج منه. واتبع كل هذا بالعدوان على غزة والقصف العشوائي على السكان المدنيين المستمر وقصف الابنية السكنية التي انهالت فوق سكانها والتي خلفت العديد من الشهداء اكثرهم من الاطفال والنساء الذين اصبحوا بنك الاهداف اليومي المستمر لطائراتهم بعد عجزهم عن تدمير القوة الصاروخية للمقاومة التي ما زالت تطلق الصواريخ تجاه مواقع استراتيجية على مدن فلسطين المحتلة.

 ونحن ندرك ان البيان لا يعني شيء في نهاية المطاف لان معظم البيانات التي تصدر تبدأ بان مجلس الامن في مثل هذه الحالات  يعبر عن قلقه للاحداث الجارية…الخ ويطالب الطرفين بضبط النفس وعدم التصعيد بمعنى انه في النهاية يساوي كالعادة بين الضحية والجلاد بين المعتدي والمعتدى عليه بين المحتلة اراضيه والذي يعمل على تحرير ارضه وهو حق تكفله كل القوانين والاعراف الدولية وبين المحتل والمستعمر.

نحن لم نتوقع ولن نتوقع من مجلس الامن أو من الولايات المتحدة إصدار قرار أو بيان لصالحنا ولو بحده الادنى وهذا ما تعلمناه منذ نشوء الكيان الصهيوني على أرضنا الفلسطينية وللان وإذا ما صدر قرار متوازن بحده الادنى مثل قرار 242 لم يلتزم الكيان الصهيوني به مطلقا وكان دائما وأبدا يلقى الدعم والتأييد الاعمى من قبل كل الادارات الامريكية جمهورية كانت ام ديمقراطية فدعم الكيان الصهيوني هو إحدى الركائز الاساسية الثابتة في السياسة الخارجية الامريكية منذ بداية خمسينات القرن الماضي للان وهذا لن يتغير على الاطلاق.

الولايات المتحدة معنية بإظهار هذا الدعم الان داخل مجلس الامن ربما أكثر من أي وقت مضى لعدة اسباب. فهي أولا ترى أن هذا الكيان وربما لاول مرة في تاريخه أصبح يجابه خطرا وجوديا حقيقيا. وهذا الخطر لا يهدد فقط هذا الكيان بل يهدد المصالح والاستراتيجية الامريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام في منطقة الشرق الاوسط التي تتمتع بموقع استراتيجي غني بالثروات وخاصة مصادر الطاقة من بترول وغاز طبيعي. والكيان الصهيوني خلق لان يكون قاعدة متقدمة للامبريالية العالمية في المنطقة والمدافع عن مصالحها الاستراتيجية. وهذه نقطة جوهرية يجب علينا أن ندركها  فكل انواع الدعم الذي تقدم لهذا الكيان المغتصب لا يقدم منحة أو هبة من جمعية خيرية بل يقدم لان له دور وظيفي في المنطقة وربما يتعداها لمناطق أخرى مثل أمريكا اللاتينية وأفريقيا أيضا كما حصل سابقا ويحصل حاليا الان. التهديد الوجودي الذي يتعرض له هذا الكيان من قبل محور المقاومة مجتمعة ومن الشعوب العربية التي لم ولن تطبع مع هذا الكيان الغاصب ولن تستسلم كما استسلمت وطبعت أنظمتها هو بمثابة تهديد لمصالح الامبريالية العالمية وعلى رأسها الامبريالية الامريكية.

والامر الثاني إن وقوف الولايات المتحدة ضد إصدار اية قرار او بيان فيما يخص هذه القضية هي رغبتها في عدم إقحام الامم المتحدة وخاصة مجلس أمنها في اية قضية تمس الصراع العربي-الاسرائيلي ونقول الصراع العربي- الاسرائيلي وليس الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي عن عمد لان التطبيع وتوقيع معاهدات سلام مع هذا الكيان الغاصب من دول النظام العربي الرسمي لم يعني ولن يعني التطبيع مع هذا الكيان من قبل شعوبنا العربية.

الولايات المتحدة تريد الابقاء على حالة استفرادها وهيمنتها واستئثارها في إدارة هذا الصراع والتحكم بمفاصله الرئيسية وكيفية تفكيكه لصالح العدو الصهيوني وبما يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة, وهي لا تريد للامم المتحدة أو مجلس أمنها أي دور في هذا لان هذا يفقدها التحكم والسيطرة على مخرجات وتداعيات الحلول الخارجة عن سيطرتها. والولايات المتحدة معنية أكثر من أي وقت مضى للحيلولة دون إصدار اي قرار أو حتى بيان أو منعها نظرا للتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية والتي أفقدتها ما اطلق عليه النظام العالمي أحادي القطب الذي نشأ وتجذر على اثر الانهيار الذي حصل في الاتحاد السوفياتي وتفكك جمهورياته في مطلع تسعينات القرن الماضي والذي اعطى الفرصة الذهبية للولايات المتحدة ان تصول وتجول في الكون وتعتدي وتغزو البلدان التي ترفض الانصياع للارادة الامريكية وتتناغم مع سياساتها الاستراتيجية الكونية.

الولايات المتحدة التي فقدت هيمنتها وسيطرتها على الساحة العالمية التي اصبحت تتميز بتعدد الاقطاب كما يراه العديد من المحللين والخبراء السياسيين ومن ضمنهم المخضرم كيسنجر لا تريد ببساطة دخول الصين وروسيا القوتين الصاعدتين على الصعيد العسكري والاقتصادي والسياسي أن تدخلا على خط التسويات في هذه المنطقة التي استفردت بها لفترة. فجرد تاريخي سريع يبين ان معظم الاتفاقيات ومعاهدات “السلام” التي وقعت مع الانظمة العربية التي طبعت مع الكيان الصهيوني تمت عن طريق الولايات المتحدة فقط دون إشراك أي طرف دولي بها. إتفاقية كامب ديفيد (1979) بين مصر والكيان الصهيوني كانت بإشراف الولايات المتحدة على زمن الرئيس كارتر , إتفاقية أوسلو (1993) مع ياسر عرفات وقعت في واشنطن على عهد الرئيس كلينتون إتفاقية وادي عربة بين الاردن والكيان الصهيوني عام 1994 كانت بإشراف الولايات المتحدة على زمن الرئيس كلينتون, كامب ديفيد (2000 ) رئيس عرفات ويهود باراك على زمن الرئيس كلينتون, كل المفاوضات العبثية التي اجريت بعد توقيع إتفاقية أوسلو وما تلاها من إتفاقيات كانت بالاشراف المتفرد للولايات المتحدة التي الصقت زورا انها بإشراف بما سمي بالرباعية. وخارج هذا الاطار فإن الاتفاقية  التي وقعت بين الدول الستة الكبرى وإيران حول برنامجها النووي تمت بعد سنوات من المباحثات السرية بين الولايات المتحدة وإيران دون علم أي طرف دولي حتى من الموقعين على الاتفاقية وعرضت عليهم للتوقيع عليها عام 2005 . ثم ما سمي بصفقة القرن التي اعلنتها ادارة الرئيس ترامب بعد الاتفاق عى بنودها وصياغتها مع الكيان الصهيوني أيضا تمت دون على “المجتمع الدولي” وتبعتها إتفاقية “ابراهام” مع الدول الخليجية لمزيد من التطبيع “والسلام” مع العدو الصهيوني. والان تضغط لعودة المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني وكأن شيئا لم يكن لنعود الى الحلقة المفرغة التي ستؤدي الى الضم الكامل والرسمي لكل فلسطين التاريخية.

الولايات المتحدة تريد ان تبقي قضية الشعب الفلسطيني وغيرها من القضايا في المنطقة بيدها وخارج مجلس الامن الدوليلتديرها إما مباشرة أو بشكل غير مباشر من خلال أدواتها في المنطقة التي تثق بعمالتهم وعبوديتهم للبيت الابيض وخدمة للكيان الصهيوني من مصر الى قطر الى السعودية الى الإمارات. الولايات المتحدة أوعزت منذ البداية لكل من قطر ومصر على وجه التحديد ومن خلال وزير خارجيتها للضغط على المقاومة الفلسطينية للقبول بتهدئة على غرار ما سبق في الماضي وضمن وعود كاذبة كما حصل في الجولات السابقة.

كاتب وباحث اكاديمي فلسطيني

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه