Btc roulette

لملمة الأدوات تحت مظلة الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وخارجها…بقلم الدكتور بهيج سكاكيني*

 

كثير هي التصريحات الأخيرة سواء من النخب والمؤسسات العسكرية الامريكية او من قبل الكيان الصهيوني. فقياد البنتاغون صرح بأنه لا بد من دمج الدفاعات الجوية في الشرق الأوسط لمواجهة إيران وتلا هاذ التصريح تصريح لوزير الحرب للكيان الصهيوني بأنه لا بد من تشكيل قوة إقليمية لمواجهة الخطر الإيراني والتصريحات بشأن المفاوضات الاتفاق النووي مع لإيران انها متعثرة بسبب التعنت الإيراني وتصريحات القيادات السياسة للكيان على ان القرا الذي اتخذته وكالة الطاقة الذرية والتي ادانت فيها إيران جاء على خلفية معلومات استخباراتية قدمت من الطرف الإسرائيلي بعد الزيارة التي قام فيها رئيس المنظمة الدولية. كل هذه التصريحات يجب ان تؤخذ على انها مترابطة عضويا وجدليا مع بعضها البعض وخلاصتها ونتائجها العملية ستتوج بزيارة الرئيس بايدن الى السعودية والذي أوضح قبل عدة أيام ان الزيارة اشمل واوسع بكثير من قضية الطاقة او زيادة إنتاج النفط وضخه في الأسواق العالمية وتزويد الدول الأوروبية بالطاقة كبديل عن النفط الروسي وعلى انه معني بالدرجة الأولى بضمان “الأمن القومي الإسرائيلي”. 

وكل ما سبق سيترجم على ارض الواقع ويتوج بالزيارة للسعودية التي تم التحضير لها مسبقا وبشكل جيد فالزيارة ستتضمن عقد قمة يحضرها بالإضافة الى الرئيس بايدن وزمرة قرع طبول الحرب المرافقة له ستكون السعودية ومصر والأردن والعراق ومجلس التعاون الخليجي ولا نستبعد حضور وفد رسمي من الكيان الصهيوني فقد أصبح اللعب هذه الأيام من فوق الطاولة وبشكل مفضوح ومكشوف. والغرض بالطبع من كل هذا الحشد للنظام العربي الرسمي هو تشكيل القوة الإقليمية الموحدة بكل إمكانياتها لمواجهة إيران في المنطقة وضمان كما صرح بايدن بعظمة لسانه” ضمان الامن القومي الإسرائيلي”. وهذا طبعا يستدعي جر كل طاقات الأنظمة العربية الرسمية العسكرية والمالية والاستخباراتية والأمنية والاقتصادية في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل فامنهم القومي والمائي والغذائي والاقتصادي المستباح لا يدخل في حسابات الإدارة الامريكية. الواجبات المنوطة بهم وخاصة من الدول الخليجية تمويل هذا الحلف بكل المتطلبات اللازمة وبجانب القدرات العسكرية لبعضهم فهم مطالبين في رفع وتيرة الفتن الطائفية والمذهبية في المنطقة من خلال أجهزتهم الإعلامية لإقناع رجل الشارع العربي “بالبعبع الإيراني” الافتراضي ومحاولة كي الوجدان العربي الجمعي بالقبول بالكيان الصهيوني العنصري على انه جزء من المنطقة وليس جسما سرطانيا وعلى انه الوحيد القادر على حماية الامارات والعروش في المنطقة بالنيابة عن أمريكا. 

هذا التصرف والترتيبات الامريكية في المنطقة يجب النظر اليها من زاوية الترابط مع ما فعلته أمريكا مع الدول الأوروبية والغربية بشكل أوسع فيما يخص القضية والنزاع القائم في أوكرانيا فقد استطاعت تحشيد كل الطاقات الأوروبية وزجها في النزاع في أوكرانيا عن طريق ارسال الأسلحة المتطورة والمرتزقة للقتال في النازيين الجدد الى جانب فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا والتضييق على وسائل الاعلام الروسي في أوروبا …الخ. والامر لم يقتصر على الدول الأوروبية فقط فقد اقحمت استراليا وكندا وغيرها تحت شعار “”من ليس منا فهو علينا وليتحمل العقوبات الامريكية” وأمريكا “أولا وأخيرا”. ويتم الان تحشيدهم أيضا ضد الصين وخاصة بالموقف من تايوان وتأجيج الخلافات معها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. 

كل هذا يصب في ان أمريكا الان أصبحت تعتمد على الأدوات واقصد الأدوات بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وهذا ينطبق على كل الدول الغربية دون استثناء الى جانب الكيان الصهيوني والنظام العربي الرسمي. أمريكا لا يوجد لديها حلفاء بهذا المعنى، بل أدوات تحركهم مثل احجار الشطرنج وتحملهم الأعباء المادية والبشرية لحروبها وهذا ينطبق على حلف الناتو اليد العسكرية الضاربة للولايات المتحدة. لا أستطيع فهم ماذا ستكسب إيطاليا او ما هي مصلحتها على سبيل المثال من شراء الأسلحة من المانيا وإرسالها الى أوكرانيا الى ما يسمى بالجيش الاوكراني؟ ماذا ستجني من مكاسب وهي التي ما زال اقتصادها يترنح منذ الركود الاقتصادي عام 2008 وهي التي استدانت أكثر من مئة مليار من المانيا لتبقى واقفة على رجليها كدولة ولا تعلن الإفلاس كما حدث مع اليونان. 

أمريكا تفعل كل هذا في محاولة يائسة وبائسة لاسترجاع وضع على الساحة الدولية تبقى فيه هي المهيمنة والمسيطرة بالكامل كما فعلت منذ بداية تسعينات القرن الماضي عندما انهار الاتحاد السوفياتي وفرضن نظام عالمي الي سمي بنظام القطب الواحد. هذا النظام الذي انهار او على الأقل نخرت عظامه ولم يعد قادرا على الوقوف بصلابة امام قوى سياسية وعسكرية وتكتلات اقتصادية عالمية صاعدة. وامريكا لكونها قائدة النظام الرأسمالي العالمي لم تعد قادرة لا من خلال نظام العولمة الذي تآكل أو المد النظام النيو ليبرالي من الحفاظ على هذا النظام الذي بات يعاني من أزمات اقتصادية حادة. ومن المتوقع بحسب تقدير الخبراء الاقتصاديين اننا بصدد مرحلة قادمة لا محالة لانهيار هذا النظام العالمي وأمريكا ترى انه من خلال الحروب وإشاعة الفوضى وبيع الأسلحة للإبقاء على المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بصحة جيدة الى جانب الشركات الكبرى المرتبطة بالتصنيع العسكري والطاقة وسيلة من الخروج من ازماتها وخاصة المادية ومديونيتها التي وصلت الى التريليونات وهي التي عمدت على طباعة الدولار على مدى عقود لتغطية انفاقها وخاصة في نطاق الحروب الخارجية والتسلح. هنالك الكثيرون ممن يعتقدون ان هيمنة الدولار ومكانته التي تبوئها في التجارة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بعد الغاء ارتباطه ودعمه بمخزون احتياطي الذهب في الخزينة الامريكية في سبعينات القرن الماضي, هذه الهيمنة أصبحت مهددة بالفعل. وماذا يعني هذا ببساطة ان الولايات المتحدة التي عمدت على طباعة مليارات الدولارات لتسديد نفقاتها لم يعد ممكنا مما يعني تهاوي مكانة الدولار وأسعار صرفه بالنسبة للعملات الأخرى وعدم اعتماده في التبادل التجاري في الأسواق العالمية. 

 أمريكا لن تنجح فيما هي مقدمة عليه ففي مقابل تجمع الأدوات هناك تجمع مقابل ويمتلك من عناصر القوة التي لا يمكن الاستهانة بها سواء على النطاق الاقتصادي أو العسكري وهي تنسق فيما بينها بشكل موسع وذو نظرة وبعد استراتيجي وهذا ما رأيناه من روسيا والصين وإيران وفنزويلا والهند وغيرها. هذا من جانب ومن الجانب الاخر نرى حجم الاضرار التي لحقت باقتصاديات الدول الأوروبية وغيرها التي تشهد معدلات تضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية والبترول والغاز الى درجات غير مسبوقة منذ ثمانينات القرن الماضي نتيجة الاستجابة للضغوط الامريكية بفرض العقوبات على روسيا هذا في الوقت التي يطلب منها دفع عشرات المليارات من الدولارات لتغذية الحرب الدائرة في أوكرانيا والتقليل من الانفاق على الرعاية الصحية والاجتماعية وهذا مما حدا بشعوب هذه الدول للاحتجاج على سياسات الحكومات التي لا تخدم مصالح بلادها. الضرر لم يقتصر على الدول الأوروبية بل تعداها الى كل دول العالم  الافريقية والاسيوية التي باتت بعض شعوبها تتضور جوعا نتيجة الغلاء الفاحش واختفاء المواد الأساسية من الأسواق مثل القمح والزيوت والغلاء الفاحش وهذا سيسبب نقمة على الولايات المتحدة على وجه التحديد فلم يعد احد مقتنعا بأن سبب الغلاء ونقص المواد التموينية الأساسية سببه روسيا وحملتها العسكرية على أوكرانيا وإنما السياسة العدوانية الامريكية وعدم إعطاء الفرصة لتحقيق السلام والاستمرار بضخ الأسلحة المتطورة الى ايدي الجيش الاوكراني المتهالك وقوات ازوف النازية. 

وأخيرا بدأت الأصوات من داخل الولايات المتحدة تعترف بان العقوبات التي فرضت على روسيا بدأت تضرب الداخل الأمريكي بشكل لم تتوقعه في ارتفاع معدل التضخم وارتفاع الأسعار الجنوني الذي وصل الى ما يقرب من 50% وأصبحت الصحف الرسمية والمحللين بداخل الولايات المتحدة تشير الى ان الولايات المتحدة تتحمل جانب ليس بالبسيط لهذا الوضع الاقتصادي الصعب. وحتى مسؤول وزارة الخزانة الامريكية صرح مؤخرا ان العقوبات التي فرضت على روسيا كانت مفرطة وبعض المحللين أشار الى انها القت بظلالها السلبية على الاقتصاد الأمريكي.

أمريكا خسرت حربها في أوكرانيا وخسرت المخطط الذي رسمته في اسقاط الدولة الروسية التي ما زالت صامدة. وخسرت حربها الاقتصادية معها بالرغم من القرصنة واللصوصية بالاستيلاء على ما يقرب من 300 مليار دولار من الأصول الروسية وحربها الاقتصادية من خلال عقوبات لا تعد ولا تحصى. وخسرت سياسيا في احداث الشرخ بين روسيا والصين بل على العكس قربتهم اكثر من بعضهم البعض استراتيجيا. قد يبدو للبعض انها كسبت بلملمة كل الأدوات وراءها في حربها ضد روسيا والصين. نعم هذا على المدى القصير تحليل صائب، ولكن “المسبحة سرعان ما تفرط” وهي بالفعل قد فرطت مع بعض الدول التي تعتبر حليفة لأمريكا والتي رفضت وترفض لغاية الان مقاطعة روسيا اقتصاديا سواء ففي مجال استيراد النفط والغاز او التسلح لمصالحها طبعا. 

  * كاتب وأكاديمي فلسطيني

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه