لولا إيران الإسلامية لضاعت القضية الفلسطينية…بقلم  محمد الرصافي المقداد

ليس هناك أسوأ على شعوب العالم، من كشف دخائل أنظمة حكمها، بافتضاح مواقفها من قضاياها المصيرية، فكم من حاكم تباهى بالوطنية إلى درجة خيلائه بها، ثم انكشف ستره بعد ذلك، فظهرت عمالته في شكلها البشع، لا يحجبها شيء من إدّعاءاته الكاذبة.

ولولا فساد أغلب الانظمة العربية، وخيانتها لشعوبها وأوطانها، لما استطاعت دول الغرب الركوب عليها، وتوجيهها في غير اتجاه دينها مبادئها، وحالها اليوم هو نتاج سنوات عديدة، من المسخ الفكري الممنهج للشعوب المُستعْمَرة، والمُصْطفّةِ فكرنكفونيا(Francophonie)،

 أو كومنولثيّا (Commonwealth) تبعا لمستعْمِريها، لذلك أقول: إنّ أساس ما أصابنا من تخلّف وذلّ وهوان، سببه التّبعية للدول الإستعمارية الغربية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنتهي محنتنا، من دون القطع الحقيقي مع تلك المنظومة الإستعمارية، وأشكالها المتلوّنة بمختلف ألوان التبعية.

هذه الأنظمة المخدوعة ببهارج الغرب، تخلّت طوعا أو كرها عن قضايا شعوبها المصيرية، وأهمّها على الإطلاق قضية فلسطين، التي عبثت بها كما اشتهت أمريكا وبريطانيا، صانعتي مشروع توطين الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وقد عشنا وشهدنا مقدّمات الخيانة، منها الهزائم التي لحقت بالجيوش العربية سنتي 48و67، وافتتاح موسم التخلّي عن القضية، من مصر إلى الأردن، وانتهاء اليوم بمؤامرة الدّول الغربية، المتحالفة مع الإرهاب التكفيري الوهابي على سوريا، التي فشلت في اسقاط النظام السوري، وإحلال نظام عميل محلّه يقلب رأسا على عقب سياسته الخارجية، لتصبح ضمن الأنظمة المطبّعة مع الكيان الصهيوني.

 أمنية غربية صهيونية، تبخّرت بإسراع إيران إلى تقديم يد العون إلى سوريا حكومة وشعبا، وبدل أن ينجح المخطط الثلاثي الغربي الوهابي الصهيوني، في قطع جسور التواصل، بين إيران قائدة محور المقاومة، وبقية محورها في سوريا ولبنان، إزداد هذا المحور متانة وقوة، بظهور الحشد الشعبي في العراق وقضائه على داعش، واللجان الشعبية في سوريا وقضائها على الجماعات الإرهابية المسلحة، الغازية للعاصمة دمشق وبقية محافظات السورية، فاندحرت منها مهزومة مأزومة، ولم تبقى لها باقية سوى في (إدلب)، محميّة من تركيا وأمريكا وحلف النّاتو.

لم يقف هذا الهلال المبارك المشهّر به، عند تخوم فلسطين المحتلة – والمنزعج منه وهو بهذه الحال من الموفقيّة التي تكبر كل يوم، فقد عبّر عن موقف صهيوني – بل امتد إلى اليمن، والعدوان المعلن عليه، بسبب ثورته الإسلامية، ومواقفه المعادية للصهيونية والاستكبار والعمالة، وأنصار الله ولجانه في اليمن، يمثلان طلائع الأمّة الصالحة، ويحملان نفس الأهداف التي يحملها محور مواجهة العدو الصهيوني، ويتقاسمان هموم الأمّة الاسلامية مع بقية رفقاء العزّة والإباء، هذا المحور المبارك لم يعد كما صوّرته المخابرات الأمريكية، وأوحت به إلى عميلها ملك الأردن سنة 2005، بالتحذير منه بدافع طائفي، هلالا شيعيا مهدّدا، ممتدا من إيران إلى سوريا ولبنان، بل أصبح بفضل الله تعالى بدرا مكتملا نوره، مشعّا بمشهد يخطف أبصار الناظرين، ممانعا للصهيونية والإستكبار، ومعاديا للطائفية التي مزّقت الأمّة الإسلامية.

واليوم وبعد كل هذه الإنجازات الرّائعة، لم تعد صورة المشروع الإسلامي الإيراني، في تحرير فلسطين غائمة، أو غير معلومة للعالم بأسره، والمستهدفون مِنْ استكبار عالمي بزعامة أمريكا، يدركون جيّدا مدى الخطر، الذي يحمله مشروع التحرير هذا، الذي دعا إليه الإمام الخميني، وأقامه أبناؤه بعقولهم وسواعدهم، صرحا صلبا، لم يعد بمقدور أحد تفتيت مكوَّنه، وزمان التأسيس هذا قد بلغ مداه، وحقق مبتغاه، ولم يبق سوى مجال وزمان التنفيذ، وساعة صفره أصبحت أقرب من أسبوع إلى آخر، والقدس في مدى تخليصها من رجس الصهيونية المجرمة أصبحت أقرب.

والأسى اليوم بدأ يعمّ أولئك الذين أداروا ظهورهم عن إيران الإسلام، متجاهلين نصوصا صريحة بشان قومها، بعد أن هاجموها سابقا ومنهم لا يزال قائما على ذلك، مشككين في عقيدتها الإسلامية، وفي صدق نواياها تجاه العرب، قد وجدوا انفسهم غارقين في مستنقع من الكذب والبهتان، قد بارت تجارتهم، وأفل بريقها الذي لمّعته ادّعاءات قوى الكفر والنفاق، وظهر زيفها بحيث لا يقف وراءها سوى سذّج وسفهاء العقول، يكفي أن نستعرض تضحيات إيران الإسلام، منذ إعلان قائد ثورتها مشروع تحرير القدس وفلسطين، لتتّضح صورة تكالب القوى المعادية للإسلام المحمّدي، على النظام الإسلامي الإيراني، حامل لواء تحرير فلسطين، واستعادة العزة للأمة الإسلامية، ولن يفرّط هذا المحور العزيز في شبر واحد من الأرض، مهما بلغت به التضحيات، وهو يحمل وراءه مشروع الوحدة لإسلامية الشاملة، وفق أحكام الله تعالى.

لقد أحيا الإمام الخميني قضية فلسطين، وقد كانت على أبواب الضياع والإندراس، وحقق بنداء يوم القدس العالمي، تلك الصرخة العالية، التي افتتحها الشعب الإيراني، ليستفيق المسلمون وأحرار العالم، على هول المظلمة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، قتلا ذريعا لأبنائه، وتهجيرا قسريا لأهله، وانتهاكا لمقدساته، فتقول الشعوب كلمة العدل بشأن قضيّته المهضومة الجانب، وتناصر أهله بكل ما في وسعها، من أنواع الدّعم الماديّ والمعنويّ، أما الجانب العسكري فله رجاله، من فئة المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقريبا يفتتحون موسم التحرير، وسيفاجأ العالم بأسره أن الاستكبار والصهيونية هما في مَثَلِهِمَا عنكبوتان اتخذتا بيتا بيننا، وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت (1).

المراجع

1 – مثل الذين اتّخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت إتّخذت بيتا وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. (سورة العنكبوت الآية 41)

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه