Btc roulette

ماذا تُخْفي دعوة الشيخ أحمد الطيّب من البحرين؟…بقلم محمد الرصافي المقداد

مع أنّ الدّعوة إلى الوحدة الإسلامية كانت نابعة من القرآن الكريم، وحرْص النبي صلى الله عليه وآله على زرعها في نفوس أصحابه، كان واضحا من خلال سيرته العطرة، لتكون ضامنا لهم على البقاء متعاونين متكاتفين موحّدين، فإنّها لم تجد اهتماما لدى من حكم رقاب المسلمين طوال خمسة عشرة قرنا، بل لقد عرفنا من سير هؤلاء الطغاة، أساليب شتى في التفريق والتفتين بينهم، بما يلهيهم عن المطالبة بحقوقهم من غاصبيها، ولم تظهر دعوة حقيقة للمسلمين كي يتّحدوا سوى في القرن التاسع عشر، عندما ظهر المصلح جمال الدين الأفغاني ( الأسد آبادي)، داعيا الأمة وعلماءها إلى وحدة الصف، لكن دعوته بقيت نخبوية، وفي حدود لم تجد لها عمقا شعبيا يتبنّاها، فذهبت مع صاحبها، وبقيت أثرا يقرأ في أحسن حالاته.

وجاء الإمام الخميني رضوان الله عليه ليقدّم مشروعه الإسلامي الكبير، ممثلا في نظام ولاية الفقيه، ودعوته للعمل بمضامين القرآن في الولاية البراءة، في أن يتولّى المسلم أهل ولايته، ويتبرأ من أعدائه براءة حاسمة لا تراجع فيها، ومضمّنا دعوته الصادقة المسلمين، إلى العمل من أجل الوحدة الإسلامية، فعُقِدت مؤتمرات أئمة الجمعة والجماعة، التي دُعِي اليها مئات من العلماء والخطباء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ليتدارسوا مشاغلهم ومشاكلهم، وتقريب وجهات النظر بين مختلف الفرق الإسلامية، ويبحثوا سبيل تفعيل مشروع وحدتهم.

ثم تأسس بعد رحيل الامام الخميني رضوان الله عليه المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وكان له دور مهم في التأليف بين المذاهب، لولا مساعي أعداء الإسلام لإفشال أي عمل أو مبادرة تأتي من إيران في هذا الخصوص، ومن القيادة الإيرانية نبعت فكرة جعل تاريخي مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، أسبوعا للوحدة الإسلامية (من 12 إلى 17 ربيع الأوّل)، وخلال تلك المدّة يقام كل سنة مؤتمر للوحدة الإسلامية، يدعى إليه علماء وفضلاء ومفكرون فاعلون على الساحة من مختلف البلدان الإسلامية.

الدعوات إلى الوحدة الإسلامية متكرّرة من إيران، نابعة بصدق من أعماق قيادتها، وتراها أولويتها في تحقيقها، ولم تترك منبرا وفرصة علمية أو سياسية إلا دعت إليها، وعبّرت عنها بكلّ وضوح وتسعى جاهدة من أجل تحقيقها ولو بالحدّ الأدنى المتوفّر، لأنّه من دون وحدة إسلامية لن تقوم للمسلمين قائمة، أما أن يأتي شيخ جامع الازهر (أحمد الطيّب) من البحرين بنداء من أجل الوحدة الإسلامية(1)، فذلك من مفارقات هذا الزمن، ومن فيه من وعاظ السلاطين، وقد كنّا نعتقد أنّهم ذهبوا مع غابر من ذهب من أزمنة الظلمة.

فما الذي دهى الشيخ أحمد الطّيب لإطلاق ندائه؟ من بلد لم يراعِ حقّا لمواطنيه البحارنة الشيعة، وهم يشكلون أغلبية سكان البحرين فيما مضى من الزّمن، أمّا اليوم فإن أغلبيتهم التي كانوا يُعْرفون بها، تناقصت بسبب حملات التجنيس التي دأبت على القيام بها الحكومة البحرانية، من أجل تغليب الأقلية على الأكثرية، بعد انكسار الثورة التي قام بها أهالي البحرين، انطلاقا من دوّار لؤلؤة الذي دمّره آل خليفة تماما، حتى لا يذكّرهم بتلك الأياّم، وقُمِع المطالبون بحقوقهم بعنف.

كيف استساغ شيخ جامع الأزهر هذا النّداء وفي ذلك المكان، ولا أعتقد أنه خاف عليه تاريخ شعب البحرين الأصلي، المقموع بخبراء مختصين في أساليب القمع والتعذيب، يعملون في صلب وزارة الداخلية وإدارة السجون البحرانية(2)، ولا أعتقد أيضا أنّه ينتظر من ندائه تلبية من دولة أو شعب ما، فقصارى ما هو مرتّبٌ له، والحكومة البحرانية طرف في هذه الدّعوة، الغاية منها الظهور بمظهر الإصلاح في العالم الإسلامي، والنّداء ّسُنّيّ صادر من أعلى جهة ومركزها الأزهر الشريف، من أجل كبح جماح الشيعة المتمرّدين على إخوانهم في الدين، وهذا واقعا ما كان القصد منه إعلاميا، أما مدى نجاح هذه الدّعوة فالشيخ أحمد الطيب نفسه متيقّن بأنه صيحة في بطن واد ذهبت مع الريح.

أنا لا اشكّ في حسن نية شيخ جامع الأزهر، وإن كانت له مواقف سابقة لم تكن صائبة، بتحامله على مواطنيه من شيعة مصر، وتجاهله لحقيقة وجودهم(3) وفيهم من الفضلاء والعلماء والدكاترة ما لم يعُدْ خافيا على مُطّلع، وتحجيم عددهم الذي تجاوز المليون شخص إلى 18 ألف، هو غبنٌ لحقيقة لا يمكن أنكارها، مهما علا صوت منكريها، لكنّني أشك في أي دعوة أو صوت يأتي من داخل البحرين، وبرعاية حكومتها القامعة لحقوق أهل البحرين الأصليين.
تخصيص الشيخ أحمد الطيب نداءه لعلماء الشيعة(4)، يجعلنا نرتاب في مضمونه وهدفه منه، ومن يقف وراءه؟ ولماذا في هذا الظرف بالذات، ولو كان من مكتبه بالأزهر، لما ترددنا في اعتباره جهدا نابعا منه شخصيا وبحسن نية، ولكنه يبدو أنها طبخة أخرى استُغفِل فيها الشيخ من طرف حاكم مصر والبحرين، من أجل الإساءة إلى المكون الشيعي العام علماء وأتباع، في ترتيب متوقّع لدعوة أدعياء علم من الشيعة، الهدف منها أساسا ضرب مصداقية إيران الإسلامية، والخروج بها من مؤتمر صوريّ دعائي باهت، مدانة في سياساتها في المنطقة، وهذا التوقّع غير مستبعد بالمرّة، من فرضية ما تخفيه الدّعوة إلى الوحدة الإسلامية من البحرين بالذّات، خصوصا وأنّ هذه الدّعوة السابقة عمرها اليوم بلغ 43 سنة، ومقدّماتها موجودة، ولا تحتاج إلى تجديد، وآلياتها موجودة على أرض الواقع، وتعمل من أجل قضايا الأمّة الإسلامية كلّها، بمكونيها الأكبرين السنة والشيعة، فقضايا التحرر وعلى رأسها قضية فلسطين، من أولويات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونظامها يعمل من أجل تحقيقها تماما.

يا حبّذا الدعوات الصادقة لإصلاح شأن الأمّة، واستنقاذها من الضياع الذي وَجَدت شعوب وأجيال متعاقبة نفوسها فيه، ولا تملك له دفعا سوى بواسطة رجال إصلاح، تكون لهم القدرة الكافية للقيام بالمهمة الصعبة، وهؤلاء الرّجال يجب أن يكون مشهود بهم بالنزاهة والكفاءة والشعبية، فهل سنرى أسلوبا جديدا ومطلبا حقيقيا، يراد منه وجه الله بعيدا عن مصانعة الحكام في ميولاتهم وأهواءهم؟ هذا ما ستكشفه الأيام

المصادر

1 – شيخ الأزهر يوجّه من المنامة دعوة إلى جميع الطوائف الإسلامية لإجراء حوار مفتوح

https://www.france24.com/ar/

2 – التركيبة الداخلية للدولة البوليسية: وزارة الداخلية في البحرين، قمعٌ ممنهج، ووحشيّة
https://www.adhrb.org/ar/?p=4390

3 – – شيخ الأزهر: تخصيص مقعد للشيعة في البرلمان فتنة

https://aawsat.com/home/article/522361

4 – شيخ الأزهر يوجه نداء من البحرين إلى “علماء الشيعة”
https://www.alhurra.com/arabic-and-international/2022/11/04/

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه