ماذا يعني تأجيل الانتخابات الفلسطينية؟…بقلم الدكتور بهيج سكاكيني

أعلن السيد محمود عباس بقراره عن تأجيل عقد إنتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي كان من المزمع إجراؤها الشهر القادم لحين موافقة سلطات الاحتلال على إجرائها في مدينة القدس. فماذا يعني إتخاذ مثل هذا القرار المنفرد لجهة ما او ربما لزمرة متحكمة ومستأثرة بالقرارات الفلسطينية المصيرية والتي طالما إنعكست سلبيا على مسار القضية الوطنية الفلسطينية والتي ظهرت بوضوح خاصة بعد إتفاق اوسلوا المشؤوم وما ترتب عليه وعلى الاتفاقيات التي لحقت به؟

أولا: هذا القرار يعني ببساطة وبدون فذلكات ونقاشات عقيمة انه يشكل خروجا واضحا عن الاجماع الوطني الفلسطيني حول قضية الانتخابات والتي تم الاتفاق عليها وعلى حيثياتها منذ إجتماع الامناء العاميين الذي عقد في بيروت لكافة الفصائل والقوى الوطنية الفلسطينية. وبالطبع هذا ليس أول قرار يتم فيه خرق قرارات الاجماع الوطني الفلسطيني من قبل زمرة تحكمت وما زالت متحكمة بالقرارات المصيرية لشعبنا. ولسنا بصدد تعداد هذه الخروقات فهي كثيرة وتحتاج ربما الى مجلد.

ثانيا: القرار يعني رفض السلطة الفلسطينية الواضح والصريح لتحويل الانتخابات الى معركة وطنية ديمقراطية بكل أبعادها لمقاومة المحتل والمستعمر لانها ما زالت تعمل تحت سقف أوسلو وإملاءاته بالرغم من تنصل الاحتلال بكل ما جاء في اتفاقيات أوسلو “المؤقتة” وبعد ان مضى عليها اكثر من 25 عاما دون تحقيق اي تقدم يذكر. رفض السلطة على إجراء الانتخابات يعني ببساطة انها ما زالت متمسكة بالرهان على المفاوضات كخيار وحيد لكونها غير قادرة على تحمل استحقاقات الانحياز الى مشروع مقاومة الاحتلال حتى بالمقاومة الشعبية “السلمية” هذا الشعار الزائف التي تريد اقناعنا انها تتبناه. ولو كانت فعلا تؤمن فعليا بهذه المقاومة الشعبية لما دارت ظهرها على مقاومة المقدسيين والتي بإمكانها ان تفرض ارادتها على الاحتلال كما علمتنا التجارب والخبرات القديمة والحديثة للمقاومة الشعبية المقدسيين وتجري الانتخابات في القدس رغما عن أنف الاحتلال.

ثالثا: القرار يعني ببساطة إسقاط خيار المواجهة مع الاحتلال وتفعيل المقاومة ويعني التأكيد ان هذه السلطة ما زالت تقبل بالتعايش في كنف الاحتلال وتأقلمت على هذا النوع من التعايش ولن تخرج عن طوع الاحتلال لما يوفر لها من حياة رغيدة من خدم وحشم وسيارات فارهة ومعاشات خيالية ومصالح واحتكارات لنشاطات ومشاريع إقتصادية لها ولزبانيتها وأفرادعائلاتهم وأقاربهم وهلم جرا. ويكفي ان تنظر الى تقاسم الوظائف والمراكز والاسماء لترى حجم الفساد القائم والمحسوبيات وتقاسم المنافع والمكاسب والاريحية التي تتمتع بها هذه السلطة الفاسدة وكل من إرتبط بها بشكل مباشر او غير مباشر.

رابعا: القرار إتخذ وبهذا الشكل التعسفي ودون استشارة القوى الفصائل الوطنية لان السلطة ببساطة كانت تتخوف وما زالت تتخوف من شعبنا الذي تدعي انها تمثله. السلطة يمتلكها خوفا واضحا من ان تتحول الانتخابات الى رافعة حقيقية جماهيرية للهبة والانتفاضة داخل القدس وإمتدادها الى بقية أرجاء الوطن وديمومة هذا الحال مما يرفع منسوب المقاومة الشعبية وتحولها الى إنتفاضة شعبية عارمة لن تستطيع السلطة ولا قوامها  وأجهزتها الامنية التي تربت على أيدي دايتون من السيطرة عليها.

خامسا: السلطة اتبعت الهروب الى الامام بهذا القرار وحسمت أمرها لمنع اي نقاش واسع يدور حول الاليات والاستراتيجية التي من الممكن اتباعها لاجراء الانتخابات وفرض ارادة الشعب على قوى المحتل والمستعمر وهذا رأي معظم الفصائل الفلسطينية خارج تنظيم فتح الام. السلطة قامت بإرسال موفدين الى مصر وامريكا ولوكسمبرج وغيرها “للتشاور” ولكنها لم تتشاور مع الاطراف الفلسطينية المعنية حول الموضوع وأبقت القرار لنفسها أو بالاحرى لزمرة لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة. وبالمناسبة فقد ذكرت احدى الصحف الالمانية وعلى لسان احد السياسيين الكبار ان سبب زيارة محمود عباس الى المانيا قبل فترة وجيزة لم يكن لاجراء فحوصات طبية كما اعلن عنها في ذلك الوقت بل لاقناع المستشارة الالمانية ميركل بضرورة تأجيل الانتخابات لانها لن تكون نتائجها مريحة للسلطة الفلسطينية وضرورة ان لا يكون هنال إعتراض من قبل الدول الاوروبية. ولماذا المانيا دون غيرها فهذا لسبب ثقل الارادة السياسية الالمانية فيما يخص الاتحاد الاوروبي الممول الرئيسي للسلطة الفلسطينية الى جانب ان المانيا قد تعهدت بدفع 15 مليون يورو او دولار (لا اذكر) لتغطية نفقات العملية الانتخابية.

سادسا: التاجيل يعني مزيد من الانقسامات الافقية والعمودية في الساحة الفلسطينية وربما هذا من اخطر ما يمكن ان تجلبه عملية التأجيل ولما قد يحثه من مزيد من فتح شهية الاحتلال والولايات المتحدة وأذنابها في المنطقة للقيام بمزيد من الضغوطات على هذه السلطة لتقديم مزيد من التنازلات لصالح العدو الصهيوني وصالح صفقة القرن والاصطفاف ضد المقاومة. الان نرى ان جميع الفصائل وقطاع كبير من الشعب الفلسطيني يقف وبوضوح ودون مجاملات ضد السلطة وقمة هرمها ولا تتقبل أطروحاته والاسباب الواهية التي وضعت كأسباب لتاجيل الانتخابات. والقول من ان الكرة الان في الملعب الاسرائيلي مردود على هذه السلطة الفاسدة والمنبطحة والمستسلمة للاحتلال. الفصائل بمجملها تدعو الان الى مؤتمر وطني لوضع برنامج لمقاومة الاحتلال وليس الانحناء والاستسلام وإنتظار من يمكن ان يرميه الاحتلال هنا وهناك من فتات لشعبنا.

الخلاصة هي ان السلطة وزبانيتها من القوى المهيمنة والمستأثرة على القرار الفلسطيني ليست فقط عاجزة للعودة الى تبني شعار التحرير ومقاومة الاحتلال بعد كل هذا المسار المدمر الذي انتهجته منذ اوسلو وقناعة العديد من قياداتها بأنه مسار مسدود وفاشل, نقول ليس فقط عاجزة بل أنها ليس لديها نية للتراجع عن هذا النهج وما زالت تتصرف بناء على إملاءاته.

والسؤال المطروح مرة اخرى على كل الفصائل والقوى الفلسطينية الوطنية ماذا انتم فاعلون حيال هذا؟ ألم يحن وقت الطلاق الرسمي مع هذه السلطة وإسقاط شرعيتها الساقطة أصلا على المستوى الفلسطيني الرسمي والشعبي نهائيا ودون رجعة؟ أم ان هنالك البعض ما زال يأمل في أن تغير السلطة من مسارها ونهجها المدمر بعد اكثر من ربع قرن من مفاوضات عبثية وعقيمة والاصرار على البقاء على هذا النهج؟

 

*كاتب وباحث أكاديمي فلسطيني

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه