مالكم كيف تحكمون؟…بقلم محمد الرصافي المقداد

كانت إيران – في ما مضى من الزمن – في ظل حكم الأسرة البهلوية، محبوبة ومبجّلة، ومرحّب بشاهِها، أينما حلّ ركْبُه ، في السعودية كما في واشنطن، وفي تل الربيع كما في دول الغرب، مُميّزا عن غيره من حكام العالم، تُجرَى له مراسم التبجيل وبروتوكول الإحترام، بما يفوق الوصف، حتى أن أمراء السعودية يعبّرون عن سعادتهم بوجوده بينهم بالرقص، تعبيرا عن تقديرهم وامتنانهم بمقدمه، وينطبق الحال هنا على بقية دول وشعوب العالم، خصوصا عالمنا الإسلامي، الذي لم يُطرح فيه يوما اشكال عقائدي بخصوص إيران ونظام حكمها، وهو في أتعسِ أوضاع العمالة والخيانة، فهي في نظرهم حتى آخر أيام الشّاه دولة مسلمة – رغم توجّهها الفكري الغربي، ومحاولات طمس الهويّة الإسلامية من الشعب الإيراني- وحاكمها ملك مسلم لم يشُكّ فيه أحد، أو أعلن احترازا عليه، يصلّي ويصوم حسب الظاهر، بل ويعرفون أنّه شيعي اثني عشري، لكن الذين يكفّرون  المسلمين الشيعة اليوم لم يجرؤ أحد منهم بتكفيره مع شعبه، وإن كان لدى البعض نقد، فهو خفيّ لم يُظهره منهم أحد، وعلى هذا الأساس مضت علاقة إيران الشاهنشاهية مع دول الجوار العربي والإسلامي، ولم يتخلّلها ما يعكّر صفوها، حتى التدخّل العسكري الذي قام به الشاه تنفيذا لأوامر أمريكا، مساعدة للملك قابوس بن سعيد، لقمع ثورة ظفار العُمانِيّة(1)، لم ينظر إليه على أنّه تدخّل في الشؤون العربية الداخلية، بل اعتبر يدًا جليلة مرحّب بها من قِبَلِ القادة العرب، فلم يُعِبْ عليه فيها أحد تقريبا.

لكنّه بمجرّد أن انتصرت الثورة الإيرانية، بقيادة عالم من كبار علماء إيران، ورفعت شعاراتها المبدئية، وأظهرت عقيدتها الإسلامية، قامت قيامة جميع هؤلاء المتمسّحين بأحذية قيادتها البائدة، كأنّهم فقدوا شيئا عزيزا عليهم، فكشفوا مستور حقدهم، وأعلنوا ما خفي من عداء فكرهم، لعقيدة شعب لم ينفرِد وحده بها، ذلك أن الشيعة الإمامية الاثني عشرية كعقيدة راسخة متوارثة، موجودة بدول الجوار، ومركزها المدينة المنوّرة والمنطقة الشرقية من الحجاز حيث يعيش ملايين المسلمين الشيعة هناك، وفي العراق، والبحرين، والكويت، وسلطنة عُمان، والإمارات، وسوريا ولبنان وأفغانستان والهند واليمن، ومناطق أخرى شاركت إيران، عقيدة التشيّع لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله، مترسّخة في قِدمها، متجذّرة في أصولها وفروعها.

بجرّة قلم عُفِيّ عن ذلك التسامح الذي كان قائما في عهد الشاه، بين إيران ومحيطها الإسلامي، ليحل محله موقف غير ودّي في أخفّ حالاته، ليُنعت المسلمين الشيعة بالمجوسية وعبّاد القبور كما يحلو للوهابية وصفهم، ومن كانوا يرقصون أمام شاه إيران عند كل استقبال يحضى به في ربوعهم، أصبحوا في صفّ أعداء النظام الإسلامي في إيران، ويسعون بكل الوسائل المتاحة لديهم إلى الاضرار به، وإسقاطه إن أمكن لهم، كلّفهم ذلك ما كلّفهم، فهل من جناية جناها هذا النظام في إيران حتى يعامل بكل هذا العداء الذي اجتمعت عليه دول الغرب بزعامة أمريكا، متحالفة تماما مع عملائها من حكام العرب؟

إذا نحن نظرنا إلى من يكره إيران ويعاديها، وجدناهم منقسمين إلى قسمين:

القسم الأوّل: القوى الغربية بزعامة أمريكا، التي كانت الحاكم الفعلي لإيران زمن الشاه، والمستغلّة لموارده النفطية والغازية، والمستفيدة من أراضيها مطلق الإستفادة، والمباح لقواتها التصرّف فيها، كموقع متقدم من الإتحاد السوفييتي عدوّ الغرب، حتى أن الأمريكي الذي يرتكب جريمة ما بحق الشعب الإيراني، محصّن من التتبّعات القضائية في إيران(2) ولا يخلو هذا القسم من إلحاق الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين والقدس بتلك القوى الإستعمارية، فالكفر كما يُقال ملّة واحدة.

القسم الثاني: الدّول العميلة للغرب والمتمثّلة في دول الخليج التي أباحت أراضيها للقوات العسكرية الغربية، لتتّخذ منها قواعد كبرى قارّة، تمثّل تهديدا جدّيا للسّلم العالمي وللمنطقة ككلّ، هذا مضافا إلى الدول العربية، التي أمضت اتفاقات سلام وهميّ مع العدوّ الصهيوني، بتشجيع من أمريكا وحلفائها الغربيين، زيادة على الدّول التي دخلت في تطبيع مباشر مع هذا الكيان الغاصب، بعد أن كانت متستّرة عليه فيما مضى، ولا تجرؤ على إعلانه خوفا من ردّات أفعال  شعوبها، الرافضة لأي شكل من أشكال العلاقة مع الكيان الصهيوني.

وينقسم القسم الثاني بدوره إلى قسمين:

الأوّل: المُعادون لإيران بدافع عرقي، كالقوميين البعثيين من أيتام صدّام، الذين رضوا بأن يصطفوا مع أمريكا والدّول الغربية والصهيونية العالمية في خندق واحد، بهدف ضرب إيران، لكنهم لم ينجحوا في عدوانهم، وفشلوا جميعا في إسقاط النظام الإسلامي، وباء عدوانهم على ايران بخسارة لم تكن في حساباتهم، وهؤلاء إلى اليوم متواجدون في العراق وفي دول عربية أخرى، مؤلفة من رموز الحكم البعثي، ومن بقايا المنتسبين لحزب البعث العراقي، كانوا قد تلقوا دراساتهم الجامعية ببغداد، ما قبل صدّام وأثناء فترة حكمه.

الثاني: أعداء إيران بدافع عقائدي، وهؤلاء حصرا هم عموم الوهابية – من أتباع المبتدع محمد بن عبد الوهاب – ممّن حكموا على التشيّع بأحكامهم الباطلة، فنسبوهم إلى المجوس نسبة تكفير، وقصارى ما بذلوه من جهود من أجل تثبيت ذلك، لم يبلغ مستوى الصّدق والإقناع، حتى يؤخذ بعين الإعتبار، والعالم كله يرى الشعب الإيراني في معظمه سنّة وشيعة يؤدّون فرائضهم، من صلاة وصيام وزكاة وحج، كسائر الشعوب المسلمة المطبقة لشعائرها الدينية، وإن اختلفت مذاهبهم فيما بينها، لكنهم جميع يقولون: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ومع حرْمَة التكفير والنهي عنه من طرف النبي صلى الله عليه وآله، إلا أنّ هؤلاء غارقون في مستنقعه الآسن، غرق من أنِس بالبقاء فيه رغم عفونة مائه.

تحالف وتوافق على معاداة ومحاربة المسلمين الشيعة، لم يكن لها أثر وواقع قبل قيام النظام الإسلامي في إيران، لذلك يجدر بنا القول بأن هذا العداء منشؤه سياسي وليس ديني، وقع استغلال فتاواه الباطلة التي أطلقها ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، ومن لفّ لفّهم من أصحاب الآراء المتطرّفة، لم يكن لها أساس ديني يَسْتَنِدُ عليه المُفتُون، سوى ظنون لا تغني عن الحقّ شيئا، صرّفها أهل التكفير إلى عقول من منحها إليهم، فأحكموا إقفالها على ذلك النّحو من التطرّف الديني.

فهل يستقيم ميزان هؤلاء في إكبار الشاه المقبور، وهو الذي بادر بالإعتراف بالكيان الصهيوني، وإقامة علاقات دبلوماسية معه، فرجحت كفّتهم بتقديره والاحتفاء به؟ مع موقف النظام الإسلامي في إيران بقطع تلك العلاقة، وطرد بعثتها وإعطاء مقرّها لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعنوان سفارة فلسطين؟ وهل يستوي من ضحى بقسم كبير من موارد شعبه، من أجل تقوية محور مقاومة العدو الصهيوني، مع من دخل في مؤامرة التطبيع معه، وتضييع حقوق الشعب الفلسطيني،؟ ألأجل هذا كره هؤلاء الحكام وأنصارهم إيران، أم لأجل عقيدة أثبتت أنها صحيحة، لا شبهة فيها لمن يعقِلُ؟ إن كان لكم برهان فهاتوه، وإلاّ مالكم كيف تحكمون؟

المصادر

1 – كيف انقذ شاه إيران نظام سلطنة عُمّان

https://orientxxi.info/magazine/article3686

2 – الحقد الوهابي على الشيعة منبعه الأموية

https://www.alwahabiyah.com/ar/Questionview/4311/

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه