Btc roulette

مظاهرات 11 ديسمبر 1960 بالجزائر، انتفاضة الشعب الحاسمة

بقلم : شعبان ياسين - باحث في تاريخ الثورة الجزائرية ومدير متحف المجاهد لولاية قالمة

سيحيي الجزائريون بعد أيام قليلة  الذكرى الـ 60 لمظاهرات الشعب يوم 11 ديسمبر 1960 والتي أجمع المؤرخون بأنها تعد “منعرجا حاسما” في مسار الثورة التحريرية الجزائرية لتمكنها من إجهاض مخطط الرئيس الفرنسي شارل ديغول،الذي كان يهدف إلى جعل الجزائر فرنسية في إطار فكرة الجزائر- جزائرية ، و أن هذه المظاهرات كانت بمثابة “انفجار بركاني” ضد جميع الاستفزازات الرامية إلى القضاء على هوية الشعب الجزائري و جعل الجزائر قطعة من فرنسا و من بين هذه الاستفزازات مطالب “الأقلية الفرنسية” بجعل الجزائر-فرنسية، لا سيما خلال المظاهرات التي قامت بها سنة 1960.

حيث بدأت القصة سنة 1960 حين شرع الجنرال ديغول في زيارة الجزائر في 9 ديسمبر 1960 انطلاقا من  ولاية عين تموشنت غرب الجزائر ، للإشراف شخصيا على تطبيق مخططاته وإثبات فكرة «الجزائر جزائرية»، وصل ديغول إلى مطار زناتة على متن طائرة “كرافيل” ثم الوصول إلى مدينة عين تموشنت على الساعة 11 و46 د بواسطة مروحية مرفوقا بالسيد”جوكس” وزير الدولة المكلف بالشؤون الجزائرية والعميد إلي رئيس أركان الجيش الفرنسي،الزيارة هي الثامنة من نوعها إلى الجزائر وللتذكير فقضية الجزائر كانت حيز الدراسة من طرف هيئة الأمم المتحدة منذ ال1960.12.05،بعد مصافحة مستقبليه وعلى رأسهم “أورسيرو”عمدة البلدية يلقي”ديغول”كلمة قصيرة يدلي بها على فحوى زيارته إلى ولاية عين تموشنت إلا أن كلمته كانت تذاع بواسطة مكبر الأصوات ،هذا ما كان ليرضي الفرنسيين الموجودين في الساحة المحادية لمقر البلدية الذين بدؤوا يصرخون ويشتمون ديغول وسياسته المنتهجة،التموشنتيون الذين كانوا أيضا متواجدين في الساحة لم يفوتوا الفرصة بدورهم للتعبير عن مشاعرهم وبكل شدة لحقهم في الحرية والاستقلال، وفي هذه اللحظة ولأول مرة يرفع العلم الوطني في عين تموشنت وشعارات مثل “الجزائر جزائرية” و”الجزائر مسلمة”  تلت ذلك مناوشات عنيفة بين الطرفين، ثم اعتقالات بالجملة ، فكانت بداية مظاهرات الجمعة 9 ديسمبر 1960 بمدينة عين تموشنت

في المقابل عبرت الجماهير الشعبية بقيادة جيش وجبهة التحرير الوطني يوم 11 ديسمبر عن وحدة الوطن والتفاف الشعب حول الثورة  التحريرية مطالبة بالاستقلال التام للجزائر، وذلك في مظاهرات شعبية تفيض بالحماس، حمل خلالها المتظاهرون العلم الوطني وشعارات كتب عليها «تحيا الجزائر» ـ «تحيا جبهة التحرير الوطني» ـ «تحيا الجزائر مسلمة».
وفي يوم الأحد 11 ديسمبر انطلقت المظاهرات بالعاصمة في حي بلكور (شارع بلوزداد حاليا)، لتتوسع إلى أحياء كل من المدنية، باب الوادي، الحراش، بئر مراد رايس، القبة، بئر خادم، ديار السعادة، القصبة، مناخ فرنسا (وادي قريش)، كمــــــا عرفت كذلـــــــك ساحـــــة الورشــــــات (أول ماي حاليا) وشـــــوارع مــــيشلي (ديدوش مراد حاليا)، كثافة شعبية متماسكة مجندة وراء العلم الوطني وشعارات الاستقلال هاتفة بحياة جبهة وجيش التحرير الوطني، وسرعان ما ظهر التنظيم المحكم في هذه المظاهرات إذ عينت لجنة تنظيمية في كل حي، لتمتد إلى المدن الجزائرية الأخرى في الأيام اللاحقة في كل من تيبازة وشرشال في 12 ديسمبر، سيدي بلعباس وقسنطينة في 13 ديسمبر وعنابة في 16 ديسمبر. وكان الشبان الجزائريون يتصلون بالصحافيين الذين جاءوا لتغطية الحدث طالبين منهم نقل صورة تبين حقيقة ما يجري في الجزائر وهم يهتفون:
«نريد الحرية- نريد الاستقلال».

تفاجأ الفرنسيون بحوادث العاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة وقالمة، وغيرها مثلما فوجئوا بثورة أول نوفمبر، فجاء رد فعل السلطات الفرنسية قويا تجاه المظاهرات، إذ قابل الجيش الفرنسي الجموع الجزائرية بالدبابات والمدافع  والرشاشات وأمطروهم بنيران القنابل وأطلقوا عليهم الرصاص، كما قامت الشرطة الفرنسية بالمداهمات الليلية لاختطاف الجزائريين من منازلهم، والإغارة على المواطنين وهم يوارون شهداءهم (كما هو الحال في مقبرتي القطارو سيدي محمد بالعاصمة)، مما زاد في عدد القتلى بالإضافة إلى سلسلة الاعتقالات التي مسّت عددا كبيرا من الجزائريين.

 

بعد أن حقّقت جبهة التحرير انتصارا سياسيا واضحا رداً على سياسة ديغول والمستوطنين معا، عقد الرئيس «فرحات عباس» رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ندوة صحفية صباح يوم الاثنين 12 ديسمبر 1960 بنزل الماجستيك بالجزائر العاصمة، خصّصها للحديث عن التطورات الأخيرة للقضية الجزائرية، وقد حضر هذه الندوة عدد كبير من الملحقين الصحفيين بسفارات الدول العربية والأسيوية والإفريقية وممثلي الصحافة المحلية والأجنبية والإذاعات ووكالات الأنباء، كما ألقى الرئيس «فرحات عباس» في هذه الندوة بيانا طويلا أجاب فيه عن أسئلة الصحفيين، وجاء في نص البيان: «أن الشعب الجزائري يؤكد تعلقه بالاستقلال الوطني وبحكومته».، في نفس المجال توجه الرئيس فرحات عباس يوم 16 ديسمبر 1960 إلى الشعب الجزائري، بنداء أشاد فيه ببسالة الشعب وتمسكه بالاستقلال الوطني وإفشاله للسياسة الاستعمارية والجرائم المرتكبة ضد المدنيين العزل ، وقد حققت مظاهرات الشعب نتائج جد ايجابية على الصعيد المحلي والدولي ومن أهمها :

❊ أكدت المظاهرات الشعبية على تلاحم الشعب الجزائري وتماسكه، وتجنده وراء مبادئ جبهة التحرير الوطني للقضاء على سياسة ديغول الجديدة المتمثلة في فكرة «الجزائر جزائرية» وفكرة المستوطنين “الجزائرفرنسية”
❊ أظهرت هذه المظاهرات حقيقة الاستعمار الفرنسي الإجرامية أمام الرأي العالمي، من خلال تحديه ـ وهو الأعزل – لقوات العدو المدعّمة بالحلف الأطلسي وإحباط كل محاولته القمعية.
❊ أسفرت هذه المظاهرات على عشرات القتلى في صفوف الجزائريين منهم عدد كبير من الجرحى والمعتقلين. وأثبت الشعب الجزائري للجنرال ديغول وللعالم بأسره أن الثورة الجزائرية، ثورة شعب يرفض كل أنواع المساومات بما في ذلك مشروع «ديغول»: «الجزائر جزائرية».
❊ أما على المستوى الدولي فقد برهنت المظاهرات الشعبية على المساندة المطلقة لجيش وجبهة التحرير الوطني، واقتنعت هيئة الأمم المتحدة بإدراج ملف القضية الجزائرية في جدول أعمالها، كما صوتت اللجنة السياسية للجمعية العامة للأمم المتحدة  لصالح القضية الجزائرية ورفضت رفضا قاطعا  المبررات الفرنسية المضللة للرأي العام العالمي.
❊ اتسعت دائرة التضامن مع الشعب الجزائري عبر العالم خاصة في العالم العربي وحتى في فرنسا نفسها، حيث خرجت الجماهير الشعبية في مظاهرات مؤيدة للقضية الجزائرية العادلة ، أدخلت فرنسا في نفق الصراعات الداخلية وعزلة دولية في نفس الوقت وأحرجتها مع حلفائها ، الأمر الذي أجبر «ديغول» على الدخول في مفاوضات مع جبهة التحرير الوطني الممثل الشرعي والوحيد للشعب الجزائري ، وهو الأمل الوحيد لإنقاذ فرنسا من الانهيار الكلي.
❊ برهنت هذه المظاهرات على أن الشعب الجزائري، لم يعد يحتمل التعسف والغدر وحتى أن يستعمل كأداة لتطبيق برامج السياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، وذلك ما أكدته التقارير الواردة من الولاية العامة الفرنسية بالجزائر العاصمة ومن جميع أنحاء القطر الجزائري التي جاءت متفقة حول نقطة أساسية وهي أن الجزائريين بكل حزم وعزم ، وفي جميع أنحاء البلاد المختلفة لا يمكن حملهم وغصبهم بالقوة  للمشاركة في مهزلة الاستفتاء المقرر إجراءه بالجزائر.
❊ ولعلّ أبرز نتيجة لهذه المظاهرات هي تحرك القضية الجزائرية في المحافل الدولية وخاصة منبر الأمم المتحدة، وكسبها المزيد من تأييد الرأي العام الدولي لها و إعطائها نفسا جديدا خاصة وأن مظاهرات ديسمبر 1960 تزامنت مع مناقشة الأمم المتحدة للقضية الجزائرية ففي 20 ديسمبر 1960 تمت المصادقة على اللائحة الأفرو – آسيوية التي تشرف، وتراقب مهمة تقرير المصير في الجزائر فكانت النتيجة بالأغلبية لصالح القضية الجزائرية بـــ63 صوتا ضد 27 مع امتناع 8 أصوات. حينها أيقن الاستعمار الفرنسي أنه قد خسر الحرب نهائيا وما عليه إلا التسليم بالأمر.

وكتبت  المجلة الشهرية الفرنسية لوموند ديبلوماتيك (Le Monde Diplomatique) في مقال نشر في عددها الأخير06 ديسمبر 2020 أن مظاهرات الشعب الجزائري في 11 ديسمبر 1960 ساهمت في قلب النظام الاستعماري الذي وضعه المحتل الفرنسي في الجزائر.

في هذا الصدد كتب عالم الاجتماع الفرنسي ماتيو ريغوست يقول منذ ستين سنة خلت وفي الوقت الذي ادعت فيه باريس أنها قضت نهائيا على جيش التحرير الوطني الجزائري  خرج الجزائريون  بالآلاف إلى وسط المدن للمطالبة بالحرية والاستقلال وقد لقيت هذه الاحتجاجات من طرف الفرنسيين قمعا وحشيا عملت الدولة الفرنسية على إخفائه منذ ذلك الوقت،
غير أن هذه الاحتجاجات نجحت في قلب النظام الاستعماري وسمحت بافتكاك الاستقلال كما جسدت الالتزام الحاسم للطبقات الشعبية التي كانت في صميم الكفاح التحرري للجزائر.

وأضاف يقول كان الأمر يتعلق بمشروع يسمى الجزائر جزائرية الذي خالفته التظاهرات المتمردة أكثر فأكثر حيث ازدادت خلال جولة الجنرال وبدأت في التوسع لتشمل باقي مناطق الوطن طيلة ثلاثة أسابيع تقريبا مشيرا إلى قرار هذا الأخير في العزم على التفاوض مع جبهة التحرير الوطني.
كما تم التذكير أيضا بأن جولة الرئيس الفرنسي تزامنت مع مناقشة الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة حول الاعلان عن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة يوم 14 ديسمبر 1960 ثم أيضا مع بحث القضية الجزائرية يوم 19 ديسمبر على مستوى ذات الجمعية.

 


صورة لمظاهرات الشعب قي 11 ديسمبر 1960

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه