#مكافحة الفساد..بين مطرقة الإرادة السياسية وسندان منظومة الفساد..!!

البلاد تعيش اليوم أزمة أخلاق سياسية، وتعيش أزمات سياسية، ومالية، وإقتصادية، وإجتماعية خطيرة ، والمشهد السياسي الحالي طغى عليه التوافق المغشوش والمحاصصة المفضوحة، والبعض همهم الوحيد المناصب والنفوذ.. و ينبغي على الطبقة السياسية ان تستخلص الدروس من التجارب السابقة الفاشلة لأن تونس اليوم في أشد الحاجة إلى الاستقرار وإلى هدنة اجتماعية وسياسية ، و إلى حوار وطني شامل من أجل تحقيق برنامج إنقاذ وطني؛ ولا بد أن يعمل الجميع من أجل مصلحة واحدة وهي مصلحة الوطن .. لأن البلاد على حافة الهاوية و لا مجال للعبث بإستقرار الوطن !!

المشهد السياسي الحالي كله متعفن، وهذا التعفن ناتج عن تدني الخطاب السياسي وعن وجود قطيعة سياسية أفقية بين مختلف الأطراف المؤثرة في المشهد السياسي وأخرى عمودية في علاقة الأحزاب و الإئتلاف الحاكم والحكومات المتتالية بالأطراف المعارضة، لهذا لا يمكن تحميل طرف دون آخر مسؤولية التعفن في المشهد السياسي و الجميع يتحمل مسؤولية مايحصل اليوم في الساحة السياسية و من المؤكد اليوم أن التمادي في هذا الصراع السياسي ، أمر يثير القلق و يدعو إلى دق ناقوس الخطر، و الأخطر ما في الأمر أن البعض يسعى إلى زعزعة المعادلة الوطنية السياسية القائمة على التوازن، و بالتالي المرحلة الحالية تؤشر الى درجة بالغة المأسوية، خصوصا مع الإنقسام السياسي اللعين وشبح الأزمة الاقتصادية و السياسية بالأساس..

لا تزال البلاد تتخبط في أزمة اقتصادية خطيرة ألقت بظلالها على المشهد السياسي ، إضافة إلى أزمة كورونا في ظل أوضاع خراب اقتصادي واجتماعي خلفته سياسة عقود نتيجة التبعية المفلسة و الصراعات السياسية العقيمة.. نتيجة ضعف أداء الحكومات المتعاقبة واعتماد سياسة “الهروب إلى الأمام” دون تقديم حلول اجتماعية واقتصادية جذرية وناجعة، ضاعفت من حدة التوتر الاجتماعي والاقتصادي الذي زادته جائحة كورونا تعقيدا..

لا تكاد البلاد تخرج من أزمة حتى تشتعل أخرى، اليوم هناك ملفات فساد أثارت جدلا واسعا و تطرح عدة أسئلة :
هل هناك إرادة سياسية حقيقة في تونس لمحاربة الفساد؟ أم هناك تسويف واستغلال لملفات الفساد من أجل غايات سياسية؟

ظاهرة الفساد تطفو على السطح أصبحت ومن دون مبالغة أو مكابرة، ظاهرة مستشرية ومستفحلة، وحالة متجذرة في الدولة و في مؤسساتها ؛ نتحدث عن فضيحة توريد النفايات والفضلات المنزلية من إيطاليا وإدخالها إلى البلاد لردمها في التربة التونسية في عملية خطيرة يبدو أن وراءها أشخاص نافذين ولوبيات تمتلك شبكة علاقات قوية ومؤثرة هي بمثابة العصابات الخطيرة غايتها الوحيدة تحقيق الربح المادي بكل الطرق والوسائل حتى وإن لزم الأمر الإضرار بصحة المواطنين؛ حيث بلغ الفساد في تونس ذروته قبل الثورة وبعدها حتى تحول إلى منظومة شديدة الانتشار والتعقيد والتجذر، فأصبح حديث المواطنين و المحللين ، وبات موضوع دعاية ومزايدة وتشكيك على ألسنة السياسيين؛ هذه الظاهرة بصدد التوسع على نحو جعل اجتثاثها اليوم هدفا صعب المنال بسبب غموض لعبة اللوبيات وحذاقة المحترفين الذين يخفون أوراقهم جيـدا وقـدرتهم على التخفي وراء قوى نافذة من الداخل أو الخارج.. آثار الفساد ومخاطره أشد فتكا وتأثيرا من أي خلل آخر ، فإنه لا يقتصر دوره المخرب على بعض نواحي الحياة دون البعض الآخر ، بل يمتد إلى شتى نواحي الحياة الاقتصادية والإجتماعية والسياسية و تداعياته الوخيمة على البلاد..

ملفات الفساد تطفو على السطح بين الفينة والأخرى قضايا فساد تكشف أولا عن حجم الغول الذي ينخر الدولة و المجتمع وتبرهن في الوقت نفسه على أنه إكتسى أبعادا تجعل الدولة غير قادرة على الإستمرار في التستر عليه، ملف فساد يتعلق بــ “النفايات الإيطالية” و ملف فساد يتعلق بتخزين كمية هامة من “البذور الممتازة التالفة” جعلت الكثيرين مذهولين من حجم ما كانت تونس تتعرض له من تدمير من داخلها قبل أن يسلط عليها تدمير خارجي يزري بكيان الدولة، فالدولة أصلا كانت منهارة بينما تسير دولة أخرى(عميقة) دواليب الاقتصاد الموازي وتعتاش منه، لقد كان الفساد سرطانا ينخر كل مفاصل الدولة لكنه في نظر الكثيرين وصل مرحلة التفشي الكامل بعد الثورة ووجب إستئصاله من جذوره؛ الفساد أصبح ظاهرة في تونس و أعتقد ان منظومة الفساد أصبحت أقوى من الدولة نفسها، حيث أن الفساد هو الذي يكافح الدولة اليوم وليست الدولة من تكافح الفساد و هذا ما نخشاه .. و حتما إذا توفرت الإرادة السياسية، منظومة الفساد لن تكون اقوى من الدولة..

مكافحة الفساد و انكشاف هذه الملفات مكسبا جديدا للثورة التونسية بعد أن كان يعد ممارسة طبيعية في منظومات الاستبداد السابقة للثورة. وهو الأمر الذي قد يشكل مرحلة سابقة لتصفية هذا الإرث الثقيل بتفعيل العقوبات الجزائية الرادعة ضد المتورطين في الفساد و لا شك و أن أم المعارك التحررية التي تخوضها الشعوب هي معارك الحرب ضد الفساد سواء منه المالي أو السياسي أو الثقافي لأن الاستبداد لا يتأسس إلا عليهما، إذ لا يمكن الحديث عن نجاح الثورة ولا عن مسار ديمقراطي ما لم ننجح في استئصال جذور الفساد وفي تجفيف منابعه والحد من ضرره على الدولة والمجتمع.. هذه المعركة ستحدد مصير تونس ومستقبلها فالنجاح في مقاومة الفساد عمليا ووضع حد لهذه الظاهرة و محاسبة كل المتورطين مهما كان موقعهم، وهذه المعركة ليست معركة الحكومة وحدها بل معركة المجتمع المدني ايضا والاعلام وكل القوى المؤمنة بتونس فإنتصار بارونات الفساد يعني عمليا سقوط الدولة وفتح البلاد على السيناريوهات المجهولة.. !!

فهل مازال في الوطن، من أصحاب عقل وضمير ليمنعوا الكارثة ويعجلوا بتعقيمه ضد هذا الوباء المستفحل، وينقذوا الدولة من الانهيار؟

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه