من صاروخ ديمونا إلى هبّة القدس: رعب وجوديّ في “إسرائيل”…بقلم العميد د. أمين محمد حطيط*

في الأشهر الأخيرة لولايته استعجل دونالد ترامب الرئيس الأميركي السابق الدفع ببعض العرب للتسليم والاستسلام لـ«إسرائيل» تحت عنوان مزوّر أسموه «التطبيع» الذي عُقدت تحت عنوانه سلسلة اتفاقات بين بعض العرب والعدو الصهيوني، اتفاقات أسموها «اتفاقات أبراهام» في محاولة تعمية وتزوير أخرى تقود إلى اعتبار «إسرائيل» المحتلة لفلسطين جزءاً لا يتجزأ من المنطقة، وأنّ رابطة الدم كأبناء عمومة هي التي تنتظم العلاقة بين العرب والصهاينة. كلّ ذلك من أجل هدف واحد، هو تصفية القضية الفلسطينية ومنح «إسرائيل» صك الوجود الأبدي ونعمة الأمن والاستقرار الدائم، وتمكينها من قيادة المنطقة بعد التغلغل في كلّ ثناياها.

بيد أنّ الميدان الإقليمي والفلسطيني وبعض العربي لم يتوافق مع الحسابات الأميركية والصهيونية، والتخيّلات العربية الإقليمية، حيث كانت ردود الفعل على حلقات «اتفاقات أبراهام» تشي بأنّ المخطط في واد والحقيقة والردود والنتائج في واد آخر، وفي هذا الإطار سجلت 4 وقائع بالغة الخطورة والأهمية والتأثير على الأمن «الإسرائيلي» أولاً، وعلى العنوان الوجودي لدولة الاحتلال «الإسرائيلي» في أصله وعمقه ثانياً، أما الأحداث أو الوقائع الأربع فهي:

1 ـ هبّة القدس. ظنت «إسرائيل» أنّ نقل السفارة الأميركية إلى القدس أو الاعتراف الأميركي بأنها المدينة العاصمة الصهيونية وأنّ التطبيع مع بعض العرب سيجعل من القدس فعلاً مدينة صهيونية، لكن رجال القدس ونساءها ـشبانها وشيبها وأطفالها، كان لهم قول آخر، وهم لم ينتظروا يوم القدس العالمي في يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان الحالي بل استعجلوا إطلاق صرختهم الرافضة للاحتلال والرافضة للتهويد والرافضة لهدم الأقصى أو تقسيمه جغرافياً أو مكانياً أو زمانياً أو لأيّ تدبير يمسّ به باعتباره أولى القبلتين وثالث الحرمين، وكان رفضهم وعلى طريقتهم النضالية هبّة شعبية لإفهام الاحتلال بأنّ القدس لن تكون إلا لأهلها، و«إسرائيل» الكيان المغتصب ليست من أهلها.

إن هبّة القدس بجوهرها ودلالاتها من شأنها أن تصفع كلّ من راهن على «صفقة القرن» واعتبرها الطريق السريع لتصفية القضية الفلسطينية، إنها صفعة أيضاً لهؤلاء الذين ما زالوا يتمسكون بالتنسيق الأمني ويقدمون الخدمات الأمنية لـ «إسرائيل» ضدّ إخوتهم ومواطنيهم، إنها هبّة تفهم القاصي والداني أن الاتفاقات والصفقات الفوقية لا يمكن أن تمنح الكيان الصهيوني أمناً واستقراراً في فلسطين المحتلة.

2 ـ صاروخ محيط ديمونا. لطالما جاهرت وفاخرت «إسرائيل» بانها امتلكت منظومة صاروخيّة للدفاع الجويّ تصنع لها قبة فولاذية تحميها وتمكّنها من النجاح في تطبيق شعار «شعب يعمل تحت النار» باعتبار أنّ القبة الفولاذية تحميها من اللهيب، لكن الصاروخ السوري أرض أرض والذي زعمت «إسرائيل» أنه أرض جو، فقد كذّب كلّ ذلك وأظهر أنّ القبة الفولاذيّة سراب وأنّ مرافق «إسرائيل» كلها في فلسطين المحتلة تحت قبضة النار التي يُشهرها بوجهها محور المقاومة، وبالتالي أنّ مزاعم «المناعة الأمنية الإسرائيلية» لا تجد محلاً لها على أرض الواقع لأنّ من يرفض التسليم أو الاستسلام لـ «إسرائيل» يملك من القوة ما يجعل هذا الكيان يلهث وراء الأمن ولا يبلغه.

3 ـ تفجير مصنع الصواريخ وتسرّب الأمونيوم في حيفا ولم تقدّم «إسرائيل» تفسيراً مقنعاً لما حصل في مصنع الصواريخ قرب القدس، كما أنها لم تحدّد الأسباب التي أدّت إلى تسرّب لمادة الأمونيوم في حيفا، لكن الإعلام والمعنيّين بالشأن «الإسرائيلي» قدّموا تفسيرات شتى، ورغم أنهم لم يقرنوها بالحجة القاطعة، لكنهم قالوا إنّ يداً خارجية فعلت ما فعلت رداً على ما تقوم به «إسرائيل» من أعمال تخريبيّة ضدّ محور المقاومة، ومهما كانت حقيقة الأسباب للتفجير والتسريب فإنّ الرأي العام «الإسرائيلي» بات مسكوناً بقدرة محور المقاومة على الوصول إلى عمق الكيان وإحداث ما يشكل رداً على العدوان أو التخريب «الإسرائيلي» خارج فلسطين المحتلة.

4 ـ احتمال عودة أميركا للاتفاق النووي مع إيران قريباً مع ما يتبعها من رفع معظم العقوبات الإجراميّة وتمكين إيران من مصادر قوة مالية إضافية ترتدّ إيجاباً على حلفاء إيران في محور المقاومة وفي كلّ الساحات والميادين ما يؤدّي إلى خسارة «إسرائيل» كلّ رهاناتها التي مارستها خلال السنوات العشر الأخيرة على الحرب الكونية والتخلص من محور المقاومة. إذ إنها تجد نفسها الآن في مواجهة محور يزداد توسعاً ويشتدّ قوة ومنعة، والأهمّ والأخطر في الأمر أنها أمام جبهة لا تتقبّل فكرة وجودها أو الاستسلام لها ما يجعل «إسرائيل» تتأكد أنّ الأوهام التي زرعتها في رأسها بأنّ التطبيع مع الدول الواهنة من الخليج إلى أفريقيا لن يمنحها شيئاً تصرفه في ميدان الأمن والاستقرار وتثبيت الوجود.

كلّ هذا واجهته «إسرائيل» في أيام قلائل ما تسبّب بهزة كبيرة للمسؤولين الصهاينة وحملهم على تخطي قدسية يوم السبت في 24 نيسان/ أبريل الحالي، واللقاء في اجتماعات استثنائيّة طارئة للبحث في مخارج آمنة من هذه المآزق النازلة على الكيان الصهيونيّ كالصواعق المتلاحقة، اجتماعات يعقدها نتنياهو وهو خائف من المصير الذي يتهدّده خاصة أنّ فشله في تشكيل الحكومة بات أقرب إلى اليقين، ويدخل إلى الاجتماع مع آخرين على وقع أنّ بعض الكتاب «الإسرائيليين» يوجّهون الدعوات للمستوطنين الصهاينة للرحيل عن فلسطين لأنّ «إسرائيل» فشلت في الحصول على صكّ تثبيت الوجود وفشلت في صنع الأمن الموثوق.

بيد أنه وأمام هذه الصفحة الكئيبة التي تنتظر العدو في مستقبله نجد وللأسف في لبنان وخارجه، خاصة لدى بعض الدول العربية الممسوكة بأنظمة تعمل لمصلحة الغرب ضدّ شعوبها نجد أو نسمع أصواتاً تدعو للتنازل أو الاستسلام أمام «إسرائيل»، دعوات وأصوات تثير السخرية من جانب والشفقة من جانب آخر، إذ كيف يمكن لمن ينتظر النصر الأكيد أنّ يستعجل الاستسلام، وكيف يمكن أن تجعل ممن يخشى من مستقبل أسود وزوال مؤكد تجعل منه مقصداً تذهب إليه لتستسلم وتذعن له؟

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

(البناء)

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه