من مؤتمر مدريد 1991 إلى صفقة القرن 2020: تغييرات استراتيجية في خط فلسطين والأمة…بقلم صلاح المصري

عندما ذهب بوش الأب الى مدريد لإطلاق مؤتمر عالمي للسلام ولأجل تصفية القضية الفلسطينية وتثبيت مقولة نهاية التاريخ، كان يملك حسب المعطيات الظاهرة،  جميع اوراق اللعبة الدولية والاقليمية والفلسطينية

1-فلسطينيا، فقد كان موقف القيادة في منظمة التحرير الفلسطينية هو الاعتراف بالكيان الغاصب والاستعداد للتفاوض، كما خسر الزعيم ياسر عرفات الكثير بسبب المناهض للحرب الأمريكية ضد العراق ووجد نفسه في عزلة عربية كبيرة مما دفع به إلى القبول السريع بالمشاركة رغم الشروط المذلة، و رغم استمرار انتفاضة الحجارة وحجم التضحيات العظيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني فإن القيادة رات في المشاركة فرصة تاريخية حقيقية،

2-على مستوى النظام الرسمي العربي فقد كان احتلال العراق للكويت ضربة كبيرة لآخر حلقات التضامن الشكلي العربيجم وانطلق زمن التناحر الرسمي العربي الذي مازال مستمرا ومتصاعدا إلى هذه الأيام، مما يؤكد أن الجميع كان يدفع بالفلسطينيين الى التفاوض وتقديم التنازلات والقبول بالوعود الأمريكية.

3-دوليا، شكّل انهيار الاتحاد السوفياتي ضربة عالمية لتوازن حكم العالم لعقود ورغم ان السوفيات من الدول التي اعترفت بالكيان الصهيوني لكنها تطرح حلولا مختلفة نسبيا عن الادارة الامريكية المتماهية مع الصهيونية.

وسارت الامور على مقاس الرغبة الصهيونية والأمريكية وانتهت منظمة التحرير الى اتفاق اوسلو الذي شارك في صياغته وضبط فصوله محمود عباس عندما ممثلا للعلاقات الخارجية في المنظمة.

في تلك السنوات كانت المقاومة الإسلامية في لبنان تخطو خطواتها الأولى في طريق تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني، و ايران كانت في مرحلة انتقالية،

ولكن هل نجحت القيادة الامريكية والصهيونية في تحقيق النصر ضد الحق الفلسطيني وحق الأمة العربية والإسلامية في الأرض والمقدسات؟

إن مراجعة سريعة للربع قرن الذي مضى، يؤكد بما لا يدع للشك أن فشلا ذريعا رافق الصهاينة وشركاءهم، و أن الأمة صنعت انتصارات متتالية في المقابل.

بعد اوسلو، تكبّد العدو الصهيوني أبشع هزيمة في تاريخه وهي هروبه الذليل من جنوب لبنان في ماي 2000،  وهزيمة ثانية أشد خطرا على سيكولوجية الجيش الصهيوني وشعبه وهي هزيمتهم في حرب تموز 2006.

وبعد أوسلو نشأت مقاومة فلسطينية مسلحة وحققت خطوات عملاقة في تطوير قدراتها العسكرية مما مكنها في الحرب الأخيرة من سنة 2014 أن تشكل درجة جديدة من الردع ضد العدو الصهيوني، ~بعد أوسلو،  جاء الجيش الأميركي نفسه بما يقارب 150 ألف جندي إلى المنطقة فاحتل العراق واحتل أفغانستان وهدد الجميع وأصدر اوامره الى الجميع بوجوب التخلي عن خيار المقاومة وبوجوب الاصطفاف وراء القرار الأميركي وتبقى زيارة وزير الدفاع الأمريكي كولن باول في أفريل 2003 الى دمشق وبيروت نموذجا لتلك الغطرسة والكبرياء الإمبريالي وكان الطلب واضحا في ضرورة التعاون من تفكيك المقاومة الفلسطينية واللبنانية،  ولكن جاؤوا وقوفا وعادوا ممدين، كما عبّر السيد قائد المقاومة.

بعد أوسلو،  جمع الأمريكان والصهاينة وشركاؤهم كل نفوذهم وقوتهم من اجل إسقاط الدولة السورية وتقسيمها وقادوا عدوانا عالميا ضدها طيلة 8 سنوات ولكن العدوان انتهى بفشل غير مسبوق في تاريخ الأمة العربية والإسلامية،

وانقلب السحر على صانعه فتحولت المعركة في سوريا والعراق إلى كابوس يواجه الوجود الأمريكي والصهيوني في المنطقة، و قد اعترف ترامب نفسه بحجم الخسائر في الحرب ضد سوريا،

~بعد أوسلو،  ، شهد اليمن العظيم ثورته الكبرى ضد الهيمنة الأمريكية وضد العدوان السعودي الاماراتي الأميركي ويعتبر صمود الشعب اليمني المظلوم أحد اهم التغيرات الإستراتيجية في العشرية الأخيرة.

بعد أوسلو،  وبعد حروب اهلية في العراق تم تصنيعها في المخابر البريطانية والصهيونية فإن 2014 كان مناسبة لولادة الحشد الشعبي العراقي المقاوم والذي استطاع بالتعاون مع الجيش العراقي والجيش العربي السوري وقوات حزب الله وقوات الحرس الثوري الإيراني أن ينجزوا نصرا عسكريا وسياسيا ومعنويا ضخما ضد المحتلين الامريكان أنفسهم،  مما دفع هذا المحتل الأميركي إلى واحدة من أكبر حماقاته وهي اغتيال القادة الشهداء( الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس ) وكأنه بتلك الخطوة ينقاد الى مصيدة التاريخ ويصبح أداة في يد المكر الإلهي،  فالشهادة نصر عظيم عند كل مقاوم صادق، و الشهادة مرتبة من الكمال والخلود يطلبها رجال الله من أعماق وجدانهم، و قد تعلموا من مدرسة الإمام الحسين أن الدم ينتصر على السيف.

ومثلما عبّر العدو الصهيوني يوما عن ندمه في عملية اغتيال السيد عباس الموسوي فانه المحتل الأميركي سيعبّر يوما عن ندمه الشديد في عملية اغتيال القادة الشهداء.

#صفقة_القرن_ولدت_ميتة

ان الامريكان يدخلون صفقة القرن وهم في أشد حالاتهم ضعفا مقارنة بوضعهم عندما دخلوا الى مؤتمر مدريد.

وتواجه الأمة العربية والإسلامية صفقة القرن وهي تملك محور المقاومة الممتد من فلسطين إلى ايران مرورا بلبنان وسوريا والعراق واليمن وجميع الساحات المختلفة التي تتحرك فيها قوى وطنية معادية للكيان الغاصب والمحتل الأميركي.

فهي محاولة يائسة لتعويض الهزائم المتتالية التي منيت بها السياسات العدوانية الأميركية.

كما أنها من الحيثية الأخرى هي فرصة كبيرة أمام الأمة العربية والإسلامية لتعميق روح المقاومة وتعميم ثقافتها وتحقيق الإجماع حولها .

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه