موقع الشرطة في الدولة التسلطية العربية: حالة تونس

بقلم: د. عادل بن خليفة بالكحلة (باحث في الأنتروبولوجيا، في جامعة تونس)|

  • مقدّمة: الدولة التسلطية واستعمال الشرطة:

للدولة الاستبدادية أشكال تاريخية عديدة ومنها شكل الدولة التسلطية، وهي دولة استبدادية تابعة ذات سلطة بيروقراطية تسود المجتمع عبر توسيعها »  قدراتها على تنسيق للبنى التحتية بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل امتدادا لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة والمجتمع «  [1]. وهي ظاهرة حديثة بالعالم العربي، ورثت الدولة السلطانية، متبنية التبعية للمركز الغربي ونماذجه المفروضة المشوهة[2].

و أهم سمات الدولة التسلطية هي أن مشروعية النظام تقوم على القهر من خلال اعتماد الدولة للإرهاب المنظم ضد المواطنين، ووجود نخبة متسلطة عسكرية وشبه عسكرية ومدنية مع حزب حاكم يدعي التنويرية، وتركيبة بيروقراطية- عسكرية أو بيروقراطية –شُرْطية للدولية، مع بُنى مساعدة كالحرس الوطني والبوليس السري والمباحث والاستخبارات والميليشيات الطائفية أو القبلية[3]

، من أجل تأبيد السيرورة التسلطية ومنافعها المعاشية والسياسية والثقافية المتمركزة بأيدي الطغمة المهيمنة وتحالفاتها. وقد قامت الدولة التسلطية على التبعية للمركزية الغربية، ولا يمكنها أن تستمر دونها. وعادة ما ترجع الدولة التسلطية العربية إلى انقلاب عسكري أو شُرْطِيّ دموي أو أبيض يدشنها.

و هي تستعمل القمع وتُدَبِّر العنف السياسي من أجل تأسيس مشروعية نظامها، ولكنها لا تكتفي بهما، أو بالأحرى لا تكتفي بشكلها التقليدي ، الجسدي، »فقد تغيرت طبيعة السياسي وأصبح تأثيره أكثر شمولية وعسفا وعشوائية، وأصبحت الآليات المستخدمة فيه أشد إيذاء وأكثر ضحايا«[4]. وهو لا ينتهي عن ابتلاع المجتمع المدني فحسب، بل يتحول أحيانا إلى غرض لذاته، ويهدف إلى الاستعباد الماكر المَبَّطن الكامن والمعاشي والسياسي والحضاري، ليكون ضمن حلقات»الأمن الأمريكي« الذي هو عنوان الحقبة ما بعد الاستعمارية[5].

و مما ساعد على تركز عنف الدولة التسلطية العربية، الطفوليةُ السياسيةُ لبعض الأحزاب والتنظيمات حتى المنتسبة للتقدمية التي كانت مستعدّة-مع بعض المثقفين- لإعانة الانقلاب العسكري أو الشُّرْطي،على أن يسلمها الانقلابيون السلطة بعد أمد قصير، ولكنهم فور إحكام قبضتهم تنولّد عندهم شهوة للسلطة المطلقة استزلامًا[6] للتّرقي المعاشي وللامتيازات المادّية ليصنعوا لها مبررا دستوريا مشرّعا[7].

و لقد استخدمت الدولة التسلطية القوة المنظمة للدولة من أجل قمع كل أشكال القوى المنظمة الأخرى كالأحزاب والتنظيمات السياسية أو تدجينها أو السيطرة عليها, للاستيلاء على النظام السياسي بكامله، وقد تطلَب ذلك تلاعبا بالدساتير والقوانين[8]. وبذلك تتمَ عملية عزل عامة الناس وقواهم وتنظيماتهم المستعملة عن كل مشاركة ليقتصد دورهم على التأييد[9].

بقي عنف السلطة الحقيقية غير متعين في أكثر الأحيان، وذلك لدفع شبهات الاعتداء من السلطة الحقيقية، وخاصة السلطة الشرطيَة السرَية – إلى الظلَ. فتكون قوانين حقوق الإنسان الواجهة الظاهرية أمام المراقبين الأجانب. والواقع أنَ التَعارض الظَاهري بين سلطة الحزب الحاكم وميليشيَاته المحلَيَة وسلطة الشرطة السَرَية يعكس الازدواج الأصلي القائم بين الحزب والدولة. وقد استفادت الشرطة السرية من هذا الازدواج والالتباس بميليشيات الحزب فانطوت على شبكة من العملاء بالغة التعقيد والامتداد، أوكلت إلى كل دائرة فيها أن تراقب الأخرى وتتجسس عليها[10].

فكلما كان أعضاء الحكم ظاهرين، كان نفوذهم متضائلا، وحين تكون المراقبة في السَر تبدأ السَلطة الواقعية[11]. وهذا ما يعلي نفوذا أكثر الشرطة والمتعاونين معها من الحزب الحاكم والعامة الفقيرة. فكلما كان الفقر أكثر كان الولاء أكثر، وكلما كانت سلطة الدرك السَري أكثر غموضا كانت صورتها لدى المواطنين أكثر عنفيه وإرهابية، متوهمين أنهم في مواجهة مباشرة مع السلطة المتعيَنة.

و هذا ما يجعل الأوامر تتبدّى في بساطتها “ذات فعالية حاذقة”، ولا توفر احتكارا مطلقا للسلطة فحسب، بل ثقة لا نظير لها لأوامر ينبغي أن تنفذ على الدوام[12]. ولذلك يقول أعوان الشرطي ذوو الزي الرسمي، الظاهريون: »أَوَامِرْ ! اللْه غالبْ ! إِحْنَا نْفْذُو الأَوَامِرْ«.

بَيْد أن سيرورة انتقال مراكز القوى والالتباس في المسؤولية الشُّرطية و السلطوية يضمنان استقلال المستبد عن مرؤوسيه وتنصّله في كل وقت عمَّا يقترفونه، و ليكون الجسم السياسي للبلاد، العديم الشكل، بعيدًا عن كل صدمة. فالاعتراض الحقيقي يتطلب مواجهة لشكل متعين، إذ أن التعدّد في الأجهزة وهذه العدمية في الشكل يستهدفان القضاء على كل محاولة للإمساك الإدراكي من قِبل المواطنين والمناضلين.

  • الدولة التسلطية واستراتيجية قمع المعترضين:

2-1- عوامل استمرار الفساد بمؤسسة الشرطة:

للمصطلحية الدارجة دلالات على المكانات والوظيفة والمتخيَّل المتلبس بالأعوان الاجتماعيين.

فمصطلح »شُرْطِي« غير موجود مطلقا في الكلام الدارج التونسي، بل هناك مقابله المستعار من لغة المستعمر الفرنسي:»بُوليسي«، نظرا لأن الإحساس بهيمنة الشرطة ما قبل الاستعمارية قد اضمحلَّ بينما تضخم الإحساس بهيمنة »البوليس« الفرنسي.

ومصطلح »شرطة« غير موجود بقدر وجود مصطلح »الُبُوِليسْ« و»الًبُوِليسيَّة«.

ولكنْ هُناك مصطلح آخر بقي مستمرًّا، وإنْ تغيَّر متعَلّقُهُ، وهو مصطلح »الحاكم«. وهو مصطلح موجود منذ عهْد فساد الدولة الحفصية وتضخم قمعيتها الحاضرية.

قال ابن خلدون عن ولاية[13]  الشرطة:»ويُسمّى صاحبها لهذا العهد بإفريقية الحاكم«.[14]وذلك لأن العامة أصبحت لا ترى الحاكم الحقيقي (الدولة، السلطة، الملك…)، وإنما ترى عمليا أداتَهُ التي أصبحت قمعية بعد أن كانت رقابية لما كانت مشروعية الدولة الموحّدية (مؤسِّسَةُ الدولة الحفصية) كثيفة لدى أكثرية الحضر. ووعيُ الشرطيِّ التونسيِّ بمصطلح »الحَاِكمْ« يجعله ذا استعدادٍ قمعي، لأنه حاكم تماماً، كالقاضي وكرئيس الدولة. وباعتبار أن رئيس الدولة قمعي ثم أصبح ذا أصول شُرْطية (زين العابدين بن علي)، فسيتضاعف الاستعداد القمعي أكثر.

ولقد كان المَلِك القمعي والقاضي يعرفان منذ العهد الحفصي ضرورة الشرطة القمعية لاستمرار الاستبداد وضرورة أن يبقيا خفيَّيْن حتى لا تكون النقمة الحضرية عليهما بل على »الحَاكِم« الجديد، فوّضا كل ما يتعلق بالقمع الحضري اليومي للشرطة، ليتبرّآ – إن اقتضى الأمر- منه.

فالشرعي هو أن لا يُزْجَرَ المرَء إلاّ إذا قام بالمخالفة أو الجريمة، ولكن القمعي هو التدخل في أمرٍ تختفي فيه القرائن،»فكان الذي يقوم بهذا الاستبداد وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزّه عنه القاضي يُسمّى صاحب الشرطة. وربما جعلوا إليه النظر في الحدود والدماء بإطلاق«([15])، فارضًا »العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم([16]) «:وليس ذلك على كل طبقات الناس، بل»كان حكمهم على الدّْهماء«، أي على الطبقات الفقيرة والعامة.

وضمن هذا التنزّه السَّوْقي([17])عن هذه المهنة، كانت السلطة دائما تخصها »من المستضعفين في الأمصار«([18])، إذ يكون الشرطيون نازلين »عن مراتب العز لفقد الأهلية بأنسابهم(..) فلحقهم من الاحتقار«([19])، فحضورهم الوظيفي »حضور رسمي لا حقيقة وراءه«([20]). فكانوا محتقرين من السلطة نفسها ومن »الدهماء« الذين ينتمون إليها، ومن بقية الطبقات، ممّا يقوي أكثر نزعتهم العدوانية.

ولقد كان في سَوْق الزعيم الحبيب بورقيبة أن يغيّر جذريا شرطة البلاد التونسية عند تسلم السلطة، عن طريق دَمج ميليشيا الحزب الدستوري الجديد (الشبيبة الدستورية)، ضمن وزارة الداخلية، ولكن مَيْل سواد كبير من الشبيبة الدستورية لليوسفية جعل رئيس الحكومة، الحبيب بورقيبة، يحافظ على جلادي الحركة الوطنية وعلى ثقافتهم القمعية، مُسْتزلماً عفْوَهُ عنهم بولائهم له، مما جعل تقاليد التعالي على الناس والتعذيب والعنف اللفظي والنزعة العدوانية تستمرّ بالمؤسسة.لقد أدمج الحبيب بورقيبة الجسم الموالي له داخل »الدولة العميقة«الحسينية الاستعمارية لكي يستطيع أن ينتصر على الحركة الاجتماعية المناهضة له، التي جعلته معزولا تعبويّا، فكان انتشار المستزلمين والموالين داخل كلّ وزارات الدولة. ومن ذلك دمجه ميليشياته داخل مؤسسة »الأمن«، ومحافظته على جلاّدي الحركة الوطنية ومعذّبي الوطنيين وقتلة بعضهم في تلك الوزارة.

مثال ذلك أن بورقيبة لمّا كان في القاهرة، توعّد أمام »مكتب المغرب العربي «محافظ شرطة تونسيّ (أصيل مدينة المنستير، كانت له جرائم حقوق إنسان تجاه الوطنيين وعائلاتهم) بالإعدام: »لو قدّر لي أن أستلم الحكم يوما، فإنّ أوّل ما سأفعله هو أن أعدم ذلك المتعاون شنقا في باب بريقشة«. ولكنّ سياق الصراع مع الحركة الاجتماعية المناهضة له، جعله يرقّي كلّ المتعاونين من مؤسسة الأمن، ومنهم ذلك المحافظ. ولمّا سأله المناضل محمود زهيوة عن نكثه بتوعده بالقاهرة، أجابه بورقيبة فورا: »يِخْرِبْ عقلك ! هؤلاء هم الذين سيخدمونني وينفذون أوامري دون نقاش لمّا يرونني تغاضيت عن مساوئهم وعفوت عنهم … «[21]. ولقد كان ضابط التشريفات لدى محمد الأمين الباي، كبيّر المحرزي، ضمن الضباط الذين أعدّوا خطّة للانقلاب عليه[22]. فالمتعوّد على الاستزلامية والخضوع من السهل جدّا أن يغيّر مخدومه، إذ لا ولاء هنا لدولة قانون ولا لعقيدة أمنيّة سيادية.

ولقد صدّق المتوهم نفسه إذ تضخم ذلك بأن أصبح رئيس الدولة، أواخر عام 1987، مِنهم، فتضخمت روح الطائفة أكثر، لأنّ »الحاكم« أصبح من »الحاكم«.

وهناك بالكلام الدارج لفظة استهجانية هي »السُّرْطي« و»السُّرْطة«، أي بجعل شين »الشرطة« سِيناً، بمعنى الشرطيّ السري والشرطة السرية. وبذلك يلغي لاوعي اللهجة التونسية كل وظائف الشرطة ليجعلها منحصرة فقط في وظائفها السرية-التجسسية على الفرد والجمعيات والأحزاب. فالشرطة في اللاوعي الجمعي التونسي هي »سُرْطة« فحسب.

وبذلك لن تكون المهنة الشرطية بإكراهاتها ومسؤولياتها أبدًا مهنة كالمهن، بالضبط. وهذا سبب إضافي لكي لا تنتدب المؤسسةُ الشرطيةُ مواطنين كالآخرين، وإن اشتركوا معهم في المواطنة الموضوعية بالدولة التسلطية، وربّما في المواطنة بالمعنى الديمقراطي.

فلا يُطلب من الشرطِيِيّن في الحالتين أن يكونوا من نُخبة تمتدح وزراء الداخلية، ولكن المطلوب منهم أن يكونوا مهنيين أكفاء في خدمة عمومية ناجعة أكثر فأكثر. »إنها شأن انتداب وتكوين وتأطير أكثر منها شأن مآثر فردية «([23])، فهي أداة مباشرة بيد السلطة.

الشرطي، بالدولتين الكلاّنية والتسلطية، مهما كانت رتّبته ووظيفته، هو قبل كل شيء موظف. هو موظَّف أربعة وعشرين ساعة على أربعة وعشرين إجباريًّا، ويجب أن يُعلم حتى تنقلاته في أقل من ثمانية وأربعين ساعة وأن يطلب ترخيصا في ذلك. هذا ما يجعله مُرْهقًا، ضعيف الرّبْعة([24])، قابلاً. وكل دَقْرَطة للدولة ينبغي أن تخفّف عنه هذه الإلزامات الجسدية والزمنية ليكون أكثر وعيًا بما يفعل.

دَخلت المؤسسة إخضاعات الدولة الكُلَّانية –الرأسمالية – الغربية، لتنتقل نِحْلَتُها إلى الدولة التابعة، ومنها الدولة الوطنية. وذلك ممَّا يجعلها مهنة مختلفة بإكراهاتها التي تخضع لها وبامتيازتها وبمخَاطرها، إذْ أُخضِعت للدولة التسلطية (التابعة للدولة الكلاّنية الغربية) والمتحكمين فيها، أي شبكة للاستزلام الاقتصادي – السياسي.

إن الانتداب المُبْتَسر، والتكوين الاختصاصي، والانضباط الشديد والمخاطر الخصوصية، وإيهام الدولة التسلطية للشرطة واحتكار القوة، في ظروف تجتمع لكي تُفرز داخل الشرطيين شعورا بالانتماء مدعوما بالاختلاف الجذري، الوهمي، الحقيقي، في الآن نفسه، معززا روحَ طائفةٍ وثقافةً خصوصيةً. وهنا لا نجد  »دراسات معمّقة، وخاصة مقارنة، تُري في الآن نفسه امتداد التضامنات الداخلية وتقاسم المواقف والقيم، ولكنْ أيضا في القيسْ بالنسبة إلى غزارة  الظواهر المشابهة في مِهن أخرى حسنة التحديد «([25]).

بَيْد أنّنا نجد لدى كَازَامايُور افتراضين مهمّين. وهما السّرّ بما هو بُعدٌ تقويمي للفعل الشرطيِّ، وكذلك الانعزال بما هو نمط التروّي لتدبير الشرطة من قبل السلطة، فبمفترق السّرّ والعزلة  »يتأسس الوِعاء المُغلق للعالم الشرطي «([26]).وبذلك لن تكون خصوصية الفعل الشرطيِّ في القوة، بل في السّرّ. فالشرطة بالدولة التسلطية والدولة الكلانية (لا في الدولة الديمقراطية) تبحث مطلقا في كل ما نُخفيه، وتُواجه كلّ منْ يُخفي شيئًا،  »وباعتبار أن الجميع لهم سر، فهم جمعًا للاختراق«([27]) .

وفي الحالتين، الكلاّنية والتسلطية، سيكون إرسال الشرطة للفعل إرسالاً نحو المجهول، بمعنى أننا لن نتوقع مسبقا ماذا سيفعلون، وبذلك سيكون طَبْعُهُ الثانوي غير قابل مَبْدَئيا لمراقبة المناضل والعلوم الإنسانية.

إن السّرّ يراهن في الوقت نفسه على سلطة، فهو يولّد امتيازه من امتداده. وقد اكتسبت شرطة الدولة التسلطية للسرّ من شرطة الدولة الكُلاَّنية-الإمبريالية، منذ التقاليد الاستعمارية (تحت الحكم الاستعماري) حتى التربصات مع شرطة الدولة الكُلاَّنية حسب اتفاقيات الدولة الوطنية-التسلطية مع الدولة الكلاّنية، المستعمِرة سابقا.

وهكذا، فمن أجل السّرّ، تصبح شرطة الدولة التسلطية مجتمعا سرّيًّا، بل تجبرها على أن تكون كذلك، »حَوْل طقوسه وقيمه ومعاييره وقوانينه « ([28]).

أما العزلة، فهي المُنحَدَر الآخر لروح الطائفة، فهي »وليدةُ مكيافلّيةِ السلطةِ« التنفيذية([29]). ولمّا كانت الشرطة بالدولة التسلطية والاجتماع التسلطي معزولة عن مجتمعها الذي يستكرهها أو دون ذلك أو أكثر، فلا يمكنها ان تستثمر امتيازاتها واكتفاءها الذاتي تحت الجناح الذي يصنَّفُ خَيِّرًا بالسلطة التنفيذية، لأن ذلك ليس في صالح استمرار الدولة التسلطية.

فالرواية البوليسية بالدولة الإمبريالية و»الُلّغْز« [30]بالدولة التسلطية، يريدان أن يصنعا وَهْمَ الشرطيّ البطل أو المتمرّد الخام، حتى على مؤسسته، صانعا للشرطة، وأحيانا ضد المؤسسة وأحيانا على هامشها، لتخفيف ضغط الواقع الشرطيِّ على »المواطنين« إذ يترسّب ذلك اللاوعي الجمعي منذ الطفولة والمراهقة.

ففي الحقيقة نجد إن الشرطيين لا يصنعون الشرطة، بل هي التي تصنعهم، »فهم يحتلون وظائف، ويملؤون خانات، وبذلك تُسوّيهم. فالمؤسسة تصنع وجودهم مسبقا وتحدّد بصرامة أطُرَ رِبْعَتِهِمْ الممكنة«[31].

فلقد حَيّدت الكُلَّانية ثم التسلطية (التابعة) أصل الوجود الشرطيّ، لتعيد خَلْقهُ، رابطا بينهما وبين المجتمع الاحتشادي، وبينه وبين الطبقات الاجتماعية، بأشكال إعادة التنشئة الاجتماعية وطبيعة المراقبة الاجتماعية، التي تقوم عليها أهداف تلك الإعادة.

إن الشرطة بين كل أجهزة الدولة التسلطية،  »أكثرها مرونة وأكثرها طَرُوقيّة« ([32])، فهي مصدر فُرَص مناسبة ولكنها قد تفقد مشروعيتها عندما تريد السلطة التسلطية ذلك. وعلى كل دَقْرطة للمؤسسة الشرطيّة أن تراعي تلك الترسبات بعين الاعتبار. وتلك الدَّقْرطة ستكون في صالح الشرطي المقموع وفي صالح المواطن والمناضل المقموعين كِلَيْهما بالدولة التسلطية.

2-2– الشرطة السرية: وظيفتها في الدولة التسلطية:

لقد أوكلت الدولة الوطنية التسلطية منذ عام 1955 (سنة »الاستقلال«الداخلي) احتكار أدوات العنف إلى المؤسسة الشرطية لقمع القوى المعارضة (اليوسفيون، صوت الطالب الزيتوني، فالحزب الدستوري القديم، فالحزب الشيوعي، فغيرهم). ثم توسّعت هذه المؤسسة حتى استطاعت ابتلاع الدولة الوطنية التسلطية، فلقد سادت على الجهاز العسكري ووجدت المجتمع المدني ضعيفا مترهّلا. وقد كان إنماء تأطير الشرطة بصورة متواصلة ومضاعفة أهم من أشكال التأطير الأخرى، لتصبح نواة السلطة الشرطية أعلى من كل سلطة و»خلف واجهات السلطة الظاهرة، وفي متاهة التبدلات في السلطة وهي التي يحدثها انعدام الفعالية، ونعني بها الأجهزة الفائقة الفعالية والكفاءة لما ندعوه بالشُّرْطية، كان التشديد على أن الشرطة  السرية هي جهاز الدولة الأوحد «([33]) إذ هي المؤسسة الأفضل تأطيرا على الإطلاق. وقد كانت الشرطة السياسية هي »الأفضل تنظيما والأكثر فعّالية في كل قطاعات الحكم «([34]). وذلك بتجاوب مع حاجة الدولة الاستبدادية إلى إلغاء إرادة السكان.

ويتميز عملاء الشرطة السرية بأنهم الطبقة الوحيدة التي تحكم بالدول »حكما مفتوحا على مداه«([35]). وعلى هذا، فإن ميزان قيمها جعلها تسيطر على كل نسيج المجتمع الاستبدادي. وهي ليست خصوصيات للشرطية السرية بقدر ما هي صفات لكل مؤسسات المجتمع الاستبدادي.

لقد أُسِّسَتْ سلطة الدولة الوطنية الناشئة على أساس تبعي وفي خضم انقسام داخلي( بورقيبي /يوسفي)قائم على التآمر والارتياب، مما جعلها تسعى إلى تركيز كامل للسلطة ظاهريّا بين أيدي السلطة الشُّرْطية إلى حد قيام هوام مجتمعي ُيرادف بين الدولة والشُّرْطِية، أي بين »الحاكم« والشرطي، فالتونسي عندما يقول »الحاكم« إنما يقصد الشرطة و»الدولة«. وهو هُوام يعبّر عن حقيقة موضوعية، فلا حق للمواطن في مساءلة هذا »الحاكم« ومقاضاته ومناقشته حتى لا يناقش السلطة الحقيقية، المتوارية. ولقد احتكرت الأجهزة السرية معنى الدولة علنا، معتبرةً أنّ مجرد حيازة هذا القطاع على معلومات سرية أولية حاسمة على كل قطاعات الإدارة الأخرى ([36]). فأذرعة الدولة الاستبدادية مدنيا ليست الحزب الحاكم، »إنما كانت الشرطة التي كانت تحركاتها خارجة عن نطاق الحزب، وما كان الأخير ليضبطها«([37])، وإنما كان مساوقا لها ومساعدا، ومستوعَبًا ضمنها، خاصة بواسطة شبكاته المحلية وميليشياته، فليست الدولة الاستبدادية الحديثة أحادية في بنيتها التنظيمية بل هي قائمة بسابق وعي وتصميم »حول وظائف تتقاطع وتتضاعف أو تكون متوازية«([38])، لتصنع بنية عديمة » بغرابة منفردة« ([39])، متمحورة حول»شخصية القائد الأعلى«.

فهناك بالدولة الاستبدادية الحديثة تعايش بين حكومتين الأولى ظاهرة والثانية حقيقيةهي “الدولة العميقة”(باصطلاح سكوت) ، إلا أن الازدواج في الأجهزة والانقسام والتعايش ما بين السلطة الواقعية والسلطة الظاهرة قمينين بتأييد السلطة الواقعية، بالحفاظ على الطابع العديم الشكل »الذي يتميز به بنيان الاستبداد نفسه«([40]).

إنّ بالدولة التسلطية غموضا وتشوشا بإداراتها وسلطاتها قصدا. فالإدارة بها لا تكفّ عن نقل مركز السلطة الفعلي إلى الشرطة، دون أن تعلن عنها، سواء في تأسيس التنظيمات والجمعيات والأحزاب، وسواء في سيرورة تلك المؤسسات وحياتها وموتها. ولذلك لا يمكن لأي مثقف سلطة »تنويري« أن يكون وسيطا بين الدولة التسلطية والمجتمع المدني. ومنه جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان، إذ في الوقت الذي لا أحد من أعضاء السلطة الظاهريين حُرم من ادعاء تجسيد إرادة القائد، يكون »الانقسام الدائم والمتماسك.بين السلطة السرية الواقعية وبين تمثيلها الإيهامي، ما جعل موقع السلطة الحقيقي سرّا«([41])، إلى درجة تجعل أعضاء الزمرة الحاكمة عاجزين عن إدراك موقعهم في تراتبية السلطة السرية. فتكاثر الأجهزة يهدف إلى نقل السلطة نقلا ثابتا، »فكلما طال أمد الدولة التسلطية كلما تعاظم عدد الأجهزة والمراكز، لكن بنفوذ أكثر في المسؤوليات، وبأكثر كفاية «([42]).

إن الشرطي في أصله، يَصْدُر عن فئات تعاني القهر الاقتصادي والسياسي  والتعليمي (القهر المدرسي)، ولكنه يتحول بإعادة التنشئة الشُّرْطية بالنسق الإيديولوجي الاستبدادي» من إنسان مهدّد إلى مستبد ظاهري على أمثاله من المستضعفين، يصب عليهم كل لعنته وحقده المتراكم، من التنكر التام لانتمائه الأصلي«([43]). ولكنه يقوم بتسوية تبريرية مع شعوره رافعا ما يقوم به إلى رؤسائه:»أَوَامرْ ! الله غَالِبْ«!.

  • الشرطة في الجمهورية التسلطية الثانية:

3-1 الشرطة في تمثلات الناس في الجمهورية التسلطية الثانية:

عام 1998، يعيّر المبحوثون في مذكرة لطفي الماجرِي العهد الذي يعيشون فيه بأنه  »عهد عدم أمن« [44]، و» لذلك يرون النشاط الشرطي ضروريّا«[45].

لا يثّمّن الناس إلاّ النشاط الشرطيّ » ذا الطابع الاجتماعي والوقائي«، ولكنّ الأنشطة الشرطية عندهم »لا تهتمّ إلاّ ثانويّا بالمطالب المجتمعية، فهي تقضّي أكثر الوقت في تلبية المطالب السياسية«[46]، أي مطالب الدولة التسلطية.

صحيح أن 81، 73% من التونسيين عام 1998 – 1999 يشعرون أنهم في أمن[47]، ولكن هذا التمثل الإيجابي »ينحو نحو التنامي حسب العمر، وعلى العكس ينحو نحو التناقص حسب مستوى التعلّم وحسب العامل الديمغرافي والمشْغل«[48].

في ما يخصّ الروابط بين الشرطة والمواطنين، كشف المُستقصى معهم عن شيء من التدرُّجِيَّة والضبابية، وعبّروا أكثر عن الريبيّة، وعن ثقة أقلّ في الشرطي، وعن حذر منه بنسبة 30.72% ، إذ أن »الشرطي عدواني لدى 20 % ، حتى إنْ أَعْلَنَ 30.05 أن لهم أصدقاء شرطيين«[49].

ويستنتج الباحث » وجود هوّة تفصل أعوان قوى النظام عن المواطنين، وهذا الطلاق في إتساع هام، ولكنه يتبدّى بخجل«[50]، خاصّة أن الدولة التسلطية تحرّم على الشرطي تكوين علاقات واسعة بمجتمعه، بل تراقب دائرته الاجتماعية، فهي تحكم عليه بعزلة قسريّة و»بثقافة فرعية«، »لينتهي إلى رؤية كلّ شيء تحت الزاوية الشرطية، وأخذ الجميع تحت الظنّة ليكون الإشتباه أداة عمل« وحيدة[51].

حسب الذين استقصى معهم الباحث لطفي الماجري، »لم يُحْسَنْ اختيار مِلاك[52] الشرطية ولم يُحْسَنْ تكوينهُ، ويقدّرون أن الاستعمال الذي تجعله السلطات من الشرطة تُساهم في إبعاد الشرطي عن المُوَاطن. بمعنى أن السلطة تستنفذ الشرطة بتوريطها بإفراط في الحياة السياسية للبلاد«[53].

لا يبدو أن الأعوان مندمجون في المجتمع بالحجم نفسه، فأعوان الحرس الوطني هم عموما يحصلون على ثقة المواطن أفضل ، ولكنّ هذه الثقة ليست إلاّ »وقتية، فيكفي أن تَطْلُبَ من المحقَّق معهم تقييمَ صفات الشرطي التونسي، حتى يؤاخذه بأنّه فظّ وغير متفهّم، وغير شفيق. والمؤاخذات الغالبة هي الإفراط في استعمال النفوذ، وعدم احترام حقوق الإنسان[54]، فبحث وزارة الداخلية عن ترسيخ حقوق الإنسان لم يثمر«[55] لأنه لم يكن جديّا، ولا صادقا، ولأنّه يتطلب تغيير العقيدة الأمنية والتقاليد الشرطية المتصلّبة الموروثة منذ قرون.

إنّ مرض المهنة الشّرْطية يكمن في عزل الدولة التسلطية لها، وجعلها مهنة طاعة عمياء لا طاعةً عاقلةً خاضعةً للإرادة الانتخابية الشعبية، ومهنة إنهاك جسدي عصبي لممتهنها فحتّى ساعات العمل فيها غير مراعية لمعايير مجلّة الشغل.

فالدولة التسلطية تسعى لاستئصال إنسانية الشرطي وإرادته الحرّة وعزله عن مجتمعه، من أجل جعله أداة غير عاقلة في آلتها التحطيمية. وذلك ما يفقد المهنة أصالتها الاجتماعية التي ظهرت من أجلها، إذ أن إخضاع الدولة التسلطية للمجتمع يتطلب قبل كلّ شيء إخضاع الشرطيّ.

3-2- أدوار الشرطة في الجمهورية التسلطية الثانية:

لقد أصبح » الحاكم« (أيّ رئيس الدولة) في السابع من نوفمبر 1987 من   » الحَاكِمْ«، أي من الشرطة. كان التلميذ الذي لم يكمل السنة الخامسة من التعليم الثانوي مشرفا على استخبارات الجيش بين عامي 1964 و1974، وقد أجرى عدّة دورات تكوينية لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. ولذلك كانت رئاسته معتمدة اعتمادا مركزيّا على الفعل الإستخباري – التجسسي. يقول الطاهر بن يوسف، ضابط الحرس الوطني إنّه »سعي إلى جعل تراب الوطن عيونا لا تنام«. فالجميع يستعلم ويرفع التقارير السريّة، بدءا من العمدة والمعتمد والوالي إلى رئيس الشعبة والكاتب العامّ للجامعة الدستورية والكاتب العام للجنة التنسيق وأعوان الأمن بمختلف أسلاكهم، وبعض التابعين لهياكل أخرى وحتى المواطنين«[56]، مِنْ بعض سُوَّاق التَّكْسِي وسيارات الأجرة…..

ولقد كانت الشرطة هي الوسيط بين »الدولة« والحركة الاجتماعية، والقامعة لها في الآن نفسه[57]. ففي أحداث الحوض المنجمي بقفصة عام 2008، تخلّت القبيلة والطريقة الصوفية المتغلغلة بالمنطقة (الطريقة القاسمية) والمعتمدية و العمادة والإمامة عن مهمة الوساطة، لكي تمارسها الشرطة والحرس الوطني. يقول، الضابط الطاهر بن يوسف، الذي كان يشتغل بالمنطقة آنئذ: » مواكبة لحركة الاحتجاجات، اتصلنا عديد المرّات بالمحتجين، وتحاورنا معهم، وكنا نبلّغ السلطة، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي بكلّ طلبات المعنيين ومشاغلهم (…)و قد وجدت وحدات الحرس الوطني والشرطة نفسها وحيدة (كل بمرجع نظره) على الميدان بالمعتمديات التي شهدت الأحداث (…) أما السلطات المحلية  والجهوية والإطارات التجمعية[58] وأعضاء اللجنة المركزية للتجمع ومجلس النواب، فكانوا كلّهم غائبين عن الساحة، وكأن الموضوع لا يعنيهم«[59]. فهناك تفويض مطلق لا واع للشرطة بممارسة التسويات أو القمع. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف: »في إحدى المرات، لما طلبنا من السيد والي الجهة تحسيس هؤلاء حتى يتحركوا ويتصلوا بالمحتجين لمحاورتهم واقتراح الحلول الملائمة، قال لنا حرفيّا: »يِرْزيك فيهُمْ ! «[60]«[61].

ويَذْكر الضابط أن قادة الحركة الاحتجاجية قبلوا دَوْر الشرطة، إذْ لا خِيَرةَ لهم لمَّا لم يجدوا وسيطًا بينهم وبين السلطة.

لقد كانت سلطة بن علي واعية بالدور الوساطيّ للدّرك وطالبةً له، ومؤسسةً له إذ همَّشت الإمكانيات الوساطيّة الأخرى.يقول الضابط، الطاهر بن يوسف، أنّها كانت تطلب أحيانا الاتّصال بعنصرين أو ثلاثة من العناصر المؤثّرة بالحركة الاحتجاجية » وإبلاغهم أنه سيقع إيجاد شغل لهم مقابل تفريق المحتجين. وللحقيقة، فقد قبلت قلّة منهم ذلك، ورفضت الأكثرية. ثمّ طلبت منّا جلب أولئك إلى مقرّ الولاية قصد مقابلة السيد الوالي، فتمّ ذلك «[62].

وقد تجد المؤسسة الدّركيّة نفسها، أمام إرهاقها بالحركة الاحتجاجية، مجبرة على المرور إلى دور مقترح الحلول أو المسهّل. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف عن الحركة الاحتجاجية بالحوض المنجمي: » … اقترحنا على السلطات الجهوية بعض الحلول لتشغيل دفعات من الشبان، رغم أن ذلك ليس من مشمولاتنا، فوجدنا تفاعلا ضعيفا في الغرض«[63]. ولكنّ دور الوسيط الحريص ودور المسهّل، كما في شهادة الطاهر بن يوسف مجرّد اجتهاد من بعض الضبّاط، كحالته هو، وليسا حالة عامّة، إذ  » كعادته اتّجه النظام إلى توخي الحلول الأمنية، بعد أن كثف من الحضور الأمني والعسكري بالجهة، فحلت تعزيزات هامة من مختلف الاختصاصات قادمة من أكثر مناطق البلاد (…) وأعطيت بعد ذلك التعليمات للقيام بإيقافات ومداهمات لإلقاء القبض على العناصر التي كانت تقود الاحتجاجات، وكذلك المشاركة في أعمال العنف والفوضى. وقد طالت تلك الإجراءات عديد الشبان العاطلين عن العمل والنقابيين والصحافيين وغيرهم، وأُجْرِيَتْ محاكمات لهم«[64].

لم يكن مطلوبًا من »الفليك« ( حسب الاصطلاح الشائع)، أي »الجاسوس «،إلا »القيام بـعمل قذر«[65]. عام 2003 يذكر الضابط عليّ من قوّات التّدخّل، والذي أصبح يشتغل في سويسرا، أنّ التعليمات كانت تحريضا على القمع العنيف لاحتجاجات الطلبة الجامعيين، » من السادسة صباحا حتى السادسة مساء. وكان زملائي كارهين العمل مع نظام قمعي ومستعدين لمغادرة الشرطة إذا وجدوا بديلا«[66]. ولمّا سأل عليّ زميله الذي عنّف بقسوة مفرطة شابّا ذا 17 سنة قال له: »إنّه لم يتركنا نستريح«[67]. فطول يوم العمل والجوع والتعبئة التحريضية على العنف من عوامل قمعية الشرطي. ويشير عليّ إلى أن صداقة التونسيين بالشرطيين نادرة وغير صادقة لضعف الثقة فيهم[68].

ويشهد الطاهر بن يوسف أن 99% من بيوت الإيقاف »لا تتوفر فيها أبسط الظروف الصحية الملائمة، وهي لا تصلح حتى لإيواء الحيوانات «[69].

ومن أدوار وزارة الداخلية في الدولة التسلطية، ضمان »نجاح« الحزب في الانتخابات البلدية والبرلمانية. مستعينة حتّى بالعمدة، وهو جزء من تلك الوزارة لا شكليًّا، » مستعملا وسائل الضغط والتهديد والوعيد«[70]. وكانت وزارة الداخلية» تعدّ النتائج قبل إجراء الانتخابات، بناءً على الأوامر التي ترد عليها من رئاسة الجمهورية «[71]، إذ يقول الطاهر بن يوسف: » تأكدت من تلك الحقيقة بالجهات التي عملت بها«[72]، وهي تلك النتائج التي يعلنها الوزير في اليوم الموالي لإجراء الانتخابات.

يستدلّ الضابط، الطاهر بن يوسف، على تدنّي معيشة أعوان الأمن، بحيث من الصعب أن نضمن » لمن راتبه 350 دينارا أو 400 دينارا أن يتمّ عمله حسب قواعد الحقّ دون الانزلاق في الفساد«[73] . لقد كانوا بين تعبئة عقيدة أمنية تجعلهم » مجرد أدوات قمع« كما ذكر الضابط[74]. وهم المفاوضون الوحيدون للمجتمع المدني ( ومنه الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، كما ذكر رئيسها، المناضل، المختار الطريفي[75] عام 2006)، وبين وإمعان من رئاسة الدولة في إهانتهم أمام الجماهير حتّى لا يكون غضبها منصبّا على الرّئاسة و»الحاكم« الحقيقي وإنّما على »الحاكم« الموهوم. ففي إعلان متلفز عام 2000، كان زين العابدين بن علي يشنّع على أعوان الأمن (وخاصّة أعوان المرور) »أخذهم من السائقين دون وجه حقّ “العاشور” و”الخمّوس“«[76]، ضمن سياق »كلمة حقّ يراد بها باطل«.

لم يكن للشرطي حقّ الزواج دون ترخيص من إدارته العليا، فلا بدّ من » تفتيش معمّق في الزوجة المستقبلية قبل الترخيص«[77] . ولا حقّ له في السفر إلى الخارج، وخاصّة » الجزائر وليبيا والولايات المتحدة الأمريكية«[78]. ونظرا لتنقل عائلات الشرطيين من جهة إلى جهة في فواصل زمنية قصيرة جدّا، كان عدم نجاح أبنائها المدرسي عاديّا، وحتّى إن نجح بعضهم لم يكن ذلك إلاّ » بصعوبة وبجهد كبير«[79]. ولمزيد دفع خواف السلطة من مؤسسة الأمن، عمّقت سياسة » فرّق تسد« داخلها، فعمّقت الفُرْقة بين تشكيلاتها (الشرطة والحرس الوطني وقوّات التدخّل …).

  • موقع الشرطة في الجمهورية الثالثة(بعد الرابع عشر من يناير 2011):

لم تتجاوز ثقة التونسيين في نهاية ماي عام 2011 في أعوان الأمن نسبة 19%[80]، ولا يشعر سوى 27%من التونسيين بالامان عام 2014 ، ولم تتجاوز ثقة التونسيين في الشرطة30% في السنة نفسها[81].

و لقد كان أعوان الأمن أوّل من طالبوا بزيادة أجرهم الشهري (مع عمال البلديات)، وقد تحقّق ذلك 3 مرات بين عامي 2011 و2013 دون كثير تفاوض مع الحكومة الوقتيّة، ولم يكن ذلك ليحدث لغيرهم أكثر من مرّة، وربّما بعد شِقّ في التفاوض. وذلك مما جعل مطلب الناس في تحسين أداء أعوان الأمن أعسر حيثيّات، ممّا يهيئ لإمكانيات خيبة انتظار.

وقد وقفنا على انقسام واضح داخل الجسم الأمني. لمّا ظهرت 3 نقابات. فإذا كان وجود العمل النقابي محلّ نقاش من بعض المواطنين، بحكم حساسيّة هذه المهنة وميلهم إلى أنّها » يجب أن تكون مهنة انضباط للسلطة لا مهنة تقبل التفاوض معها«، كما صرّح لي محمد ت.، أحد ضبّاط الأمن المتقاعدين، فإنّ وجود تعددية نقابية جعل هذا الضابط يشكّ في وجود ولاءات متعددة داخل أعوان الأمن، مما يجعلهم ينقسمون إلى 3 نقابات. وقد سهّل ذلك انجرار بعض النقابيين لتناول» مواضيع سياسية والتصريح بمواقف واستنتاجات يشي بعضها بتسيّس صاحبها، وعرضها عرض الحائط بصفته النقابيّة الأمنيّة«[82]، بل إن ذلك يكرس عدم حياديّة الجسم الأمني وعدم تعاليه على نزاعات المواطنين السياسية. وقد كرّس ذلك أيضا عدم الاحتفاظ بالسرّ المهنيو عدم الانضباط للتراتب المهني والقيادي،» فهذا نقابي يطلب ببرنامج تلفزيوني في شهر ديسمبر2015 مقابلة رئيس الدولة لإبلاغه معلومات وقع حجبها عن سيادته«[83]، وقد تكرّس الأمر بقبول رئاسة الدولة لطلبه فورا.

وهذا نقابي يعلن في برنامج تلفزيوني سرّا مفيدا لعناصر السلفية الجهادية في جبال الشعانبي وورغة: » لقد اخترقنا تلك المجموعات وانتدبنا بعض المنتمين إليها«[84]،و لا رقيب عليه ولا معاقب. وهذا يتشنج مع سياسيين وشيوخ دين متّهما إيّاهم » بالمتاجرة في الدين«[85]،و هذا» يتّهم حركة سياسية بعينها بالوقوف وراء الاغتيالات السياسية«[86]. وكلّ ذلك في سياق » غياب قانون ينظّم العمل النقابي الأمني ويرسم له إطاره وحدوده «[87]. وقد تأكّد وجود صراعات بين تلك النقابات[88].

انقسام الولاءات يتبدّى أيضا في قدرة الاستخبارات الأجنبية على اختراق بعض هذا الجسم، وخاصّة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، إذ أن التكوين الدركي مازال لا يختار إلاّ المكوّن الفرنسي والأمريكي[89]، و» من علّمني حرفا أصبحت له عبدا«.

لقد اندمجت الروح الميليشياوية في الجسم الدركي الموروث عن العهد الحسيني-الاستعماري. فبعد اندماج ميلشيات زَرْق العيون وعمر شاشيّة في بداية الاستقلال، كان اندماج ميليشيات محمد الصيّاح في ستينيات القرن العشرينو سبعينياته. وإن كان بن علي ليس في حاجة إلى الميليشيات إلاَّ أن روحها كانت قد ترسخت في العقيدة والممارسة الدركيتين. وبعد الرابع عشر من يناير 2011، كانت علامات الانشقاق بين ولاء لأجنحة تفرعت عن التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، وولاء إلى حركة النهضة، وولاء إلى بعض اليسار الماركسي وبعض اليسار البعثي، وولاء إلى أصحاب رؤوس الأموال الكبرى ( الذين بعضهم في تماهٍ ببعض تلك الولاءات الحزبية). وقد ذكر عديد نقابيي الأعوان أن »بعض العناصر التابعة لوزارة الداخلية متورطة في مد الإرهابيين بمعلومات هامة من شأنها تسهيل تحركاتهم«[90].و قدظهرت بين عامي 2011 و2013 ببعض الأحياء » مجموعات سلفية بأزياء موحدة، وهي تقوم بمهمة ضبط الأمن«[91]،و ربما كان ذلك بتنسيق مع رأس الترويكا. فلقد نجح بعض الإسلام السياسي في تكوين خلايا داخل الجسم الدركي عام 1987 كانت مهمته الانقلاب على نظام بورقيبة، قبل أن يتفطن إليها بن علي ليستعملها هي نفسها في انقلابه يوم السابع من نوفمبر [92]. وهناك عديد الإشارات على تورط  »الأمن الموازي « في تدريب بعض العناصر السلفية-الجهادية وتسفيرها إلى سوريا [93]، بالتنسيق مع استخبارات عربية وغربية.

وقد كان في انتداب الأعوان تحت الترويكا الكثير من الإشكاليات،ففي مناظرة انتداب العرفاء بالحرس الوطني عام 2013-مثلا- كانت بعض الأسئلة هي التالية :

» – من هي أول امرأة قطعت يدها بسبب السرقة؟

– ماهي أطول سورة في القرآن؟

– كم استغرق نزول القرآن؟

– كم عدد القراءات الصحيحة للقرآن؟

– من أول من استقبل القبلة؟ «[94] .

وهي أسئلة، إما وراءها سائق سلفي-إخواني بتصور قهريّ للشريعة (قطع أيد وزجر وحفظ أرثوذكسي غير متفهم للنص) أو سائق (أجنبي أو داخلي ) يريد توريط من يعرف الإجابة ليقصيهم. وفي كل الحالات ، تنمّ الأسئلة عن تفكك عقيدي داخل الجسم الدركي.

وإن كانت للأهداف المعلنة من حلّ الوزير الراجحي عام 2011 لجهاز أمن الدولة باعتبار أنه جهاز مضاد لحقوق الإنسان والحريات السياسية والثقافية، فإنه لم يعوّض بجهاز آخر يمنع اختراق سيادة الدولة من الاستخبارات الأجنبية المتربصة بالبلاد آنئذ. وقد كان بعض الذين أعادهم الوزير إلى العمل بعد طردهم في العهد السابق من المخالفين لقانون الوظيفة العمومية والأخلاق المهنية، وليسوا من الذين أُخذوا بالظّنَّة والشبهة، ولذلك عاود بعضهم سلوكهم غير القانوني وعوقبوا مباشرة بعد رجوعهم [95]. ولقد كانت بعض الانتدابات في عهد هذا الوزير استعجاليه وغير مناسبة سواءًا في الأعوان أو المعتمدين ، ولقد كان إفراجه عن الإرهابيين السلفيين خطأً فادحًا إذ سرعان ما رجعوا إلى أنشطتهم بالأحياء ، ثم سافر أكثرهم للقتال في سوريا [96].

و لقد كان أداء الوزير الموالي، علي العريّض، حاملا للكثير منملامح الضعف ( تسفير المقاتلين إلى سوريا وليبيا أو تسهيله أو غض النظر عنه). ففي 9 أبريل 2012 تعرض المتظاهرون إلى العنف من أعوان نظاميين وميليشيات مدنية، وفي يوم 4 ديسمبر 2012 كان الاعتداء على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل ، وكان أفدح أداء في عهده هو الاعتداء على المحتجين في مدينة سليانة بالرشّ (200 شاب متضرّر). »و كل اللجان التي كلفت بالتحقيق في تلك الأحداث لم تكلل أعمالها بالنجاح، ولم يصدر عنها ما يفيد تحميل المسؤولية أو ما يشبه المسؤولية لأيّ طرف، كما لم نسمع عن تتبعات أو إجراءات في الغرض «[97].و قد تركت الوزارة بعض المواقع الإنترنتية التفتيشية التي تنقّب في عقائد الناس وأعراضهم دون إيقاف ولا تتبع ، رغم وصولها تشكيات في الغرض ، كصفحة »الزحف الشيعي الإيراني الأسود « التي يديرها سلفيون وإخوانيون وبعثيون – صدّاميون ولها مكاتب بكثير من ولايات الجمهورية. ولقد كان القائد السلفي الجهادي ، أبو عياض، »قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في قبضة قوات الأمن الوطني التي كانت تحاصره لما كان في جامع الفتح بالعاصمة، لكن بتعليمات من وزير الداخلية ، وقتها، انسحبت تلك القوات«[98]، مما يعني توطؤا سلفيّا-إخوانيًّا مرة أخرى.

لقد قمعت وزارة الداخلية » الثورية« الثورة، ففي مظاهرات 6 ماي 2011 كان القمع الدركيّ كبيرًا وجرح فيه صحافييون وأمنيون، وكان الاعتداء على تجمع القصبة الثالث يوم 15 جويلية 2011 ، وجرح فيه الكثيرون، وقد كان هدف هذا التجمع السلمي تكريس أهداف الثورة الشبابية في المسار السياسي. وذلك بتوجيه القيادات السياسية »  الجديدة « المتواطئة مع » الدولة العميقة«.

أمّا القانون الجديد الذي سمح بحقّ الشرطة والعسكريين في الانتخاب، فلقد كان الأولى جعله محلّ تقليب، ودراسة مقارنة مع حقّ الانتخاب أو عدمه في البلاد الأخرى، بل كان يجب أن يدوّن القانون العام الضابط للعقيدة الأمنية الجديدة قبل أي قوانين فرعية أخرى فهناك من يرى أنّ عون الأمن يجب أن يكون خارج التجاذبات الانتخابية والسياسية لحساسيّة موقعه الوطني.

وذلك ما يقتضي إعادة النظر في العقيدة الأمنية وجعلها متوائمة مع أهداف»الثورة« ومعايير دولة القانون. فلا بدّ من قانون إطاري لعقيدة أمنية جديدة، بدولة قانون ومؤسسات وسيادة وطنية وحقوق إنسان.

 

خاتمة: لا بُدَّ من تاريخ جديد لمؤسسة أعوان الشرطة بتونس !

عند معركة الجلاز، كان تأسيس وزارة الداخلية في العهد الاستعماري ،لتنظيم قمع الشارع التونسي،و كان مقرها بباب سويقة لأنها قلب ذلك الشارع.

وفي جانفي 1952، كانت » الثورة التونسية « فكان من الضروري أن يفكر جهاز القمع الفرنسي في وزارة داخلية تواكب تطورات الحركة الاجتماعية التونسية وشارعها، فقررت الإقامة العامة الفرنسية أن تبني وزارة داخلية جديدة بشارع جول فيري ( الحبيب بورقيبة لاحقا )، وبدأت الأشغال لكنها لم تتم إلا في بداية »عهد الاستقلال« .

في عام 1955 حين تحصلت البلاد على » استقلال داخلي« مشبوه، كان من المتوقَّع لدى الكثير من التونسيين أن تُطهَّر وزارة» الداخلية «من الأعوان التونسيين الذين باعوا أنفسهم للاستعمار، فكانوا استعماريين أكثر من المستعمر أحيانا، تعذيبا واضطهادا وقمعا للاحتجاجات والمظاهرات السلمية وحلاّ للجمعيات ومضايقة الأحزاب الوطنية والتجسّس عليها. ولكن ما حصل هو أنّ أوّل وزير» داخلية « للدولة الوطنية، المحامي الحبيب بورقيبة، جعل مقرّ الوزارة هو المقرّ الذي اختارته » الإقامة العامة «بشارع جول فيري (الذي جعله في ما بعد شارع الحبيب بورقيبة، عوض أن يكون شارع محمد علي الحامّي أو شارع الدغباجي أو شارع ابن خلدون مثلا)، كما حافظ على الأعوان القدامى – الاستعماريين. فلم يكن بإمكانه أن يجعل»  ميليشيا «الشبيبة الدستورية، مثلا، بديلا لهؤلاء الأعوان الذين تربّوا على أيدي أجهزة الاستخبارات الاستعمارية – العنصرية وأعوان القمع الإمبراطوريين– الفرنسيين، وذلك لانّ العدد الهامّ من أفراد الشبيبة الدستوريين » انحرف «عن الزعيم » الأعظم «فأصبحوا يوسفيين. وكان أمامه عدّة » أعداء « افتراضيين، بحكم استعداداته الفردانية والاستبدادية: اليوسفيون ومناضلو صوت الطالب الزيتوني،     وربّما مناضلو الحزب الدستوري القديم بعد قرار وزير »الداخلية«ذاك بحظره» قانونيا « لينخرطوا اضطرارًا في الحزب الشيوعي التونسي.

كان اسمها وزارة »الشؤون الداخلية«، ثم أصبح اسمها وزارة  »الداخلية« فحسب، بل  »الداخلية« اختصارًا .فهل هي وحدها تتناول الشأن الداخلي؟ أليست وزارة الصحة وزارة شؤون داخلية هي شؤون الصحة؟و أليست وزارة الفلاحة وزارة شؤون داخلية؟ وأليست وزارة المواصلات والنقل وزارة شؤون داخلية ،و كذالك وزارة الشؤون الاجتماعية؟ !!

إنها تسمية غامضة، جدًّا، بل كُلاَّنية(= توتاليتارية) ، فهي وحدها التي تحتوي الشؤون الداخلية،و قبل الوزارات الأخرى وبعدها ودُونها، فهي إلهها الضخم الذي يلتهمها ويلتهم  »المواطنين« الذين هم ليسوا بمواطنين. وبذلك ورثت وزارة »الداخلية«الوطنية العقيدة الشُّرْطِيَّة الاستعمارية لوزارة »داخلية الإقامة العامة«، تلك العقيدة التي استمرت حتى بعد الرابع عشر من جانفي 2011، من جيل إلى آخر.

لذلك من حق التونسيين اليوم أن يطالبوا:

  1. بتغيير هذا الاسم، الغامض، الكُلاَّني، الاستبدادي، بأن تصبح»وزارة الشرطة« ، أو »وزارة الأمن« ، وضبط عقيدة أمنية جديدة، تقوم على السيادة الوطنية والحقوق الشعبية.
  2. بضبط قانون أساسي واضح لوزارة الشرطة، نتيجة استفتاء شعبي،بعد اقتراح من المجتمع المدني، يحدّد عملها وأهدافها وعقيدتها، وطرق تدخلها، حتى لا تبقى تِعِلة الطاعة للرؤساء، وإنما تكون الطاعة للقانون الأساسي،اي لنصّ العقيدة الأمنية الجديدة.
  3. بعقد جلسات مصارحة واعتذار ومُسَامَحةً بين أعوان وزارة الشرطة والمواطنين، تنتهي إلى ميثاق مُوَاطَنيّ بين الطرفين. ويجب أن يبدأ الآن قبل الغد، لإنهاء العقيدة الشّرطية الاستعمارية التي استمرت منذ تأسيس وزارة الشؤون الداخلية التونسية في العهد الاستعماري.
  4. بتغيير مكان الوزارة( المقر الذي اختارته فرنسا للقمعبآخر العهدالاستعماري) لأنه يذكّر الكثير من المواطنين بآلام نفسية وجسدية عميقة، فيجعلها جُرحًا لا ينتهي، وجعل مقرّالإقامة العامة الفرنسية بدهاليزهو موروثه العقيديّ متحفا ، وبناء مقر آخر بهندسة جمالية تتمثل حقوق الإنسانوالمواطنة، حاظيا مخطّطها بموافقة بعد مبارَاة يُشرف عليها كبار مهندسي العمارة.
  5. أن يكفّ المواطنون عن تسمية رجال الشرطة ب»الحاكم«، فالحاكم هو رئيس الدولة أو القاضي. فالرقابة اللفظية هي أوّل درجات التغيير.
  6. أن تبدأ الدولة فورا في إعادة تهيئة وتأهيل نفسيتين-إجتماعيتين للبنية الشرطية والعون الشرطي، وإن لزم الأمر أن يكون ذلك بتربصات في الغرض مع المؤسسات الشرطية الديمقراطية في العالم (أَوَّلًا اسكندينافيا، ثانيا ألمانيا،  ثالثا سويسرا. أما التربص مع المؤسسة الشرطية الفرنسية فسيزيد العقيدة الأمنية القديمة تجذرا ، ما التربص مع المؤسسة الشرطية الامريكية فسيعمق كمبرادورية المؤسسة الشرطية التونسية(والعربية) وتبعيتها للمركز الإمبريالي ).
  7. أن نعيد التفكير والموازنة جيدا في إيجابيات وجود نقابي شرطي وسلبياته ، بأن نُقَيِّم الأمرين، وأن ندرس هذا الوجود وعدمه في اسكندينافيا وألمانيا وسويسرا وجنوب إفريقيا…فهناك إشكال امكانية عدم الانضباطية تحت مستند النقابية، كما أن كثرة النقابات قد تعقد الوظيفة النقابية وتجعلها محل تجاذب تكتلي. إن النقابية وظيفة إجتماعية بين تأكيد المعايير المهنية فحسب، وبين تأكيد الحقوق دون الواجبات، ويجب أن نتجنب سلبيات التوجهين.
  8. من غير المعقول أن الإعتقال وَشُرُوطَهُمازالت غير واضحة قانونيا إلى اليوم. ومن غير المعقول أن أماكن الإستنطاق والإعتقال مازالت إلى اليوم دون مقام الإنسانية،  لا في حق الْمُتَّهَم فحسب ، بل في حق العون الشرطي أيضا. بل إن دورة المياه أحيانا غير لائقة بمقام الإنسانية العظيم…
  9. إذا كانت كل مؤسسة تريد حماية وتقويضا، فإن البنية الإجتماعية ستنهار بكليتها، بل ستتهالك بالخُواف المتبادل والامتنان المتبادل… ففي نهاية الأمر، كل مؤسسة إجتماعية لها مَخاطرها، وليس لها منة على المؤسسات الأخرى، بل يجب أن يكون هناك تبادل واعتراف بين كل الأطراف دون مزايدة …

 

الهوامش *************************************

([1]) النقيب (خلدون حسن)، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991، ص22.

([2]) م. س، ص22

([3])م. س، ص ص22 – 24

([4])م. س، ص ص32 -33

(1) م. س، ص119

([6])  الاستزلام : Clientélisme

([7]) م. س، ص128

([8]) م. س، ص140

([9]) تميز حنة أرندت الدولة الكلانية عن بقية الدول الاستبدادية الحديثة باتساع الحمى و القدرة الإمبريالية (أسس التوتاليتارية، دار الساقي، بيروت، لندن، 1993، ص 12 – 35 )

([10]) م. س، ص157

([11]) م. س، ص158

([12]) م. س، ص158 أيضا

([13]) الولاية: la Gouvernance

([14])ابن خلدون، المقدمة، دار الجيل، بيروت 2003، ص 223.

([15])ابن خلدون، م.س، ص 224.

([16])ابن خلدون، م.س، ص 203.

(3) »السّوق«، في العربية هو »الاستراتيجيا«، في اللغات الاوروبية.

(4)(5) ([20]) ابن خلدون، م.س، ص 203.

[21] الحدّاد (سالم)، حركات الرفض لنظام بورقيبة بين الاحتجاج السلمي و التّمرد المسلّح، د، ن، تونس، 2014، ص 68.

[22] م، س، الحاشية ص 68

([23]) Dominique (Pierre), les policiers, la découverte,  Maspéro ; Paris, 1983, p.37

([24]) الرِّبْعة: Autonomy, Autonomie

([25])Ibid, p.108

([26]) م.س، ص.109

([27])م.س، ص.109

([28])م.س، ص.110

([29])م.س، ص.110 أيضا.

([30]) »اللغز« في ترويج مصري بالثمانينات من القرن العشرين هو الرواية البوليسية الموجّهة للأطفال و اليافعين.

([31]) الرّبعة: Autonomie

([32]) الطَّرُوقُ: Malléable

([33]) أرندت (حنة)، أسس التوتاليتارية، دار الساقي، لندن/بيروت، 1993، ص 193.

([34]) م.س، ص 193.

([35]) م.س، ص 194.

([36]) م. س ،  ص 187 .

([37]) م . س ، ص ص 18-19 .

([38]) م. س ، ص 18 .

([39]) م . س ، ص 18

([40]) م . س ص ص 150-151

([41]) م.س، ص 154.

([42]) م.س، ص 165.

([43]) حجازي (مصطفى)، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجيا الانسان المقهور، المركز الثقافي العربي ،ص164.

([44] )Mejri (Lotfi), la police dans l’opinion publique, Etudes approfondies en sciences politiques, Faculté du droit et sciences politiques de Tunis, 1998 – 1999, P 129

([45] ) Mejri (Lotfi), la police dans l’opinion publique, Etudes approfondies en sciences politiques, Faculté du droit et sciences politiques de Tunis, 1998 – 1999, P 129

([46] ) Ibid, P 179

 Ibid, P 179 ([47])

 Ibid, P 179([48])

([49] ) Ibid, P 180

([50] ) Ibid, P 180

([51] ) Ibid, P 180

([52] ) الملاك: Personnel

([53] )Ibid, P 180

[54]

([55] ) Ibid, P 180

([56] ) بن يوسف ( الطاهر)، ضابط من الأمن شاهد على نظام بن علي، د، ن، تونس 2011، ص 77 … كان هذا الضابط الوحيد أو من القلة النادرة بالأٌقل ، خروجا عن الصمت نسبيّا بعد الرابع عشر من يناير، فالكثير من الضباط المتقاعدين لم يتحرروا بَعْدُ من العقيدة الأمنية السائدة.

([57] ) راجع: بالكحلة (عادل)، الاعتداءات على مناضلي حقوق الإنسان بالبلاد التونسية و إستراتيجية الدولة التسلطيّة (1991 – 2007)، مجمّع الأطرش، تونس، 2016

[58] …..نسبة إلى الحزب الحاكم: التجمع الدستوري الديمقراطي.

[59] بن يوسف (الطاهر)، م س، ص 84 .

[60] …أي»  جعل الله لك فيهم رزيَّة ! «.

[61]م، س، ص 84 .

[62] م، س، ص 86 .

[63]…. م، س، ص87.

[64]…. م، س، ص88.

[65]Ben Youssef (Tahar), les snipers dans la révolution tunisienne et la réforme du système sécuritaire, S éditeur, Tunis, 2011, P 97

[66] م، س، ص 97

[67]م، س، ص 97

[68]م، س، ص 98

[69]…. م، س، ص71.

[70] …. م، س، ص69.

[71] …. م، س، ص70.

[72]…. م، س، ص70.

[73]Ben Youssef (Tahar), les snipers dans la révolution tunisienne et la réforme du système sécuritaire, S éditeur, Tunis, 2011, P 88

[74] م، س، ص 89

[75] م، س، ص 89

[76] كان يقصد باللفظة الأولى فئة الخمسة دنانير، و باللفظة الثانية فئة العشرة دنانير.

[77] م، س، ص 90

[78] م، س، ص 90

[79] م، س، ص 91

[80] أنجزت هذا الاستقصاء الكمّي في استمارة على 500 مواطن من 6 ولايات مختلفة

[81] أنجزت منظّمة » إصلاح  « هذا الاستقصاء الكمّي (www.alchourouk.com, 29/1/2014 )

[82] بن يوسف (الطاهر)، ضابط متقاعد من الحرس الوطني يتحدث: قراءة في المنظومة الأمنية و المسألة الإرهابية في تونس، د، ن، تونس، 2016، ص142

[83] بن يوسف (الطاهر)، م، س، ص 144

[84] م، س، ص 142

[85] م، س، ص 145

[86] م، س، ص 145

[87] م، س، ص 145

[88] م، س، ص 148

[89] … من عوامل بعض موضوعية الطاهر بن يوسف أنّ مكوّنه هو الإسباني وليس الفرنسي أو الامريكي…

[90] بن يوسف ( الطاهر) م،س،ص30 و 31.

[91] م.س،ص32.

[92]كتب بن سالم (المنصف)، سنوات الجمر، د.ن، تونس، 2014، ص96:  » عندما بدأ بن علي و جماعته ليلتها في التغيير، كان عناصر المجموعة في المقدمة  « وهنا نلاحظ تماهي بن سالم بالغالب: » التغيير  «

[93] بن يوسف (الطاهر) ، م.م،ص 38 و 39.

[94]م.س،ص45 ( لأبو القاسم حاج حمد و نعمان المغربي رأيان مختلفان تماما عن الرأي السائد في مسألة  » قطع اليد  « مثلا)

[95]  م.س،ص60.

[96] م.س.ص 23.

[97]م.س،ص 67.

[98] م.س،ص 72.